في قلب المريخ، فوق سطحه المغطى بالأتربة الحمراء والبراكين الخاملة، تقع "سيرومي"، المدينة الأسطورية التي تخبئ أسرار الكوكب بين طياتها. محفورة في أعماق المريخ، تتألق هذه المدينة بألوان الذهب والقرمزي، حيث تنعكس أضواء كريستالات مشعة نادرة تزين الأرجاء، وكأنها تنبض بروح الكوكب نفسه. الجدران العملاقة تحكي قصصًا قديمة من خلال نقوشها؛ معارك كونية وأحداث تاريخية مُخلّدة، تُشعر كل من يراها بهيبة الماضي وعظمة الحاضر.
في هذه المدينة المريخية تقع قاعة الاجتماعات، المعروفة بـ"المركز الأحمر الساكن". أُطلق عليها هذا الاسم بسبب الهالة الحمراء الخافتة التي تبعثها بلورة عملاقة في سقفها، تُضفي أجواء من الجلال والرزانة. الأرضية الرخامية، المنقوشة بخطوط شبيهة بخرائط النجوم، بدت كأنها خارطة للكون بأسره، مما يعكس وحدة المكان برسالته الكونية. الصمت المهيب الذي يلف القاعة لا يخلو من شعور خفي بالرهبة والقدسية، وكأن المكان يعي أهمية القرارات التي تُتخذ داخله.
لكن لماذا "سيرومي" بالذات هي من تستضيف اجتماع حماة الكون؟ أولًا، لأنها الأرض التي شهدت أول معركة كونية، الحدث الذي ما زالت أصداؤه تتردد في المجرة. ثانيًا، بفضل قدرات رئيسها، فهي المكان الوحيد الذي يمكن أن يجتمع فيه القادة بعيدًا عن تأثيرات الحرارة المرتفعة، البرد القارس، والرياح العاتية. وأخيرًا... لأن "سيرومي" ليست مجرد مكان؛ إنها رمز للذكريات التي تجمعهم.
قرب المركز الأحمر، تجمّع الرؤساء جميعًا، بعيدين عن الهموم والمشاكل. هنا، لم تكن تُسمع سوى ضحكات خافتة تعكس صداقتهم العميقة، وتُحيي ذكريات معارك مضت وأوقات لمّ شمل لا تُنسى. في تلك اللحظات، كان "الأخوة الأربعة عشر"، كما يلقبون أنفسهم، يشكلون درعًا واحدًا لحماية شمسهم. لقد كانوا رمز الإتحاد بالرغم من المسافات التي تفصلهم عن بعضهم، يُصارعون الوحدة معًا، ويتشاركون الوعد بحماية الكون بأي ثمن.
- "هاه، يا رجل! لقد خضنا العديد من المعارك في هذه السنة الكونية، ماذا كنتم ستفعلون لو لم أكن موجودًا؟" قال عطارد متفاخرًا.
رد عليه هاوميا ام انه كان إيريس بنبرة حادة: "عفوًا؟ ماذا فعلتَ بالضبط في هذه المعارك؟ أنت لا تلتزم بالخطط التي نعدّها، ونضطر دائمًا لإنقاذك!"
ضحك باور.. او سيريس هو من ضحك بصوت عالٍ قائلاً: "هاهاها، على مهلك، كلنا نعرف عطارد واندفاعه، لا داعي للصراخ. وأيضًا، بما أنني الأفضل هنا، فأنتم تحت حمايتي."
"هاه؟؟" رد الجميع بدهشة، بينما أردف أورانوس مستنكرًا: "ما الذي تتفوه به؟ منذ متى وأنت الأفضل بيننا؟"
تدخل الأرض، قاطعًا النقاش بصوت عالٍ: "الجميع هنا يعلم أنني الأفضل كقائد، وكوكبي هو الأجمـ..." (معه حق)
قبل أن يكمل، قاطعه المشتري بعد ان إختفت ابتسامته الواسعة: "مهلاً مهلاً، صفة الأقوى والأفضل تعود لأكبر كوكب في النظام الشمسي."
همس زحل محاولاً الرد: "ل... أنا... هو..." لكن صوته خفت تحت ضغط النقاش.
فجأة، قاطعهم صوت غاضب من صاحب الزي الأحمر، المريخ، و صاحب الكلام اللاذع الزهرة وهما يصرخان: "هاي! من أعطاكم الحق في الحكم على هذه الأمور؟!"
وسط جلبة الكلام والشد والجذب، صرخ صوت حازم قائلاً: "كفى!"
كان الصوت لنبتون، الذي نظر إليهم جميعًا بنظرة عازمة على حل المشاكل، وقال بنبرة حزم: "لنقم مسابقة إذا"
(مهلا هل حقا يريد حل المشاكل؟!)
ساد الصمت، واستغرب الجميع من الاقتراح، بدا وكأنهم رافضون له، حتى صرخوا جميعًا في آنٍ واحد: "نعااام!" مؤيدين لفكرة هذا المجنون.
ابتسم هذا الأخير وأكمل: "مسابقة لتحديد الأفضل من جميع النواحي: من الأجمل، من الأذكى، من الكوكب الأجمل، وبالطبع... من الأقوى. وسنقيمها بعد سنة كونية من الآن، اي أن بعد مئة كاي سنكون مستعدين لأعظم حدث في الكون."
هز الجميع رؤوسهم موافقين على الفكرة، ليقطع الصمت صوت خافت، كان زحل الذي قال بنبرة مترددة: "لكن... لا أريد أن تفرقنا هذه المسابقة. لماذا."
نظر الجميع إليه، ثم تبادلوا الابتسامات.
قال المشتري بنبرة هادئة و هو يضع يده على كتف صديقه الذي كان يجلس بجانبه: "لنقسم إذن، مهما حدث، سنبقى معًا. هذا الكون لن بتحمل حماقتنا او افتراقنا."
ساد الصمت، قبل أن تتلاقى أعين الرؤساء، محملة بالعزم والاحترام المتبادل.
أردف الأرض بحزم: "فليكن عهدًا بيننا. مهما واجهنا، لن نفترق أبدًا. سنظل حماة الكون، وكرامتنا مرتبطة بحماية هذا النظام الشمسي إلى الأبد."
ارتفعت أصوات التأييد من الجميع، ليُعقد العهد وسط أجواء مفعمة بالأمل، عاقدين العزم على مواجهة أي مصير قد ينتظرهم.
———⟡ ☽ ⟡———
في ظلام الغرفة العميق التي بالكاد يتسلل إليها الضوء، جلس بلوتو على كرسيه المتآكل. الهواء ثقيل والجو مشبع بالهدوء الذي يُخفي عاصفة داخلية. مرر يده بعصبية على شعره المتشابك، عيناه تلمعان بغضب مكتوم. بدأ يتحدث مع نفسه، بصوت خافت لكنه مفعم بالغضب :" كيف يجرؤ على خيانتي؟! بعد كل ما فعلته من أجله، هذا جزائي؟! يا له من وغد... لا، يا لهم من أوغاد! لن أتركهم يهربون بفعلتهم الشنيعة. سأجعلهم يدفعون الثمن... سيندم كل واحد منهم، أشد الندم."
من زاوية الغرفة، صوت هادئ يكسر الصمت، صوت مألوف لكنه مليء بالتردد. إنه صوت تشارون، قمره الأول "حسنًا، أيها القائد... أعلم كم كانوا مخطئين في حقك، وأعلم كم يؤلمك قرارهم، لكن..."
يتجاهله بلوتو كأن الكلمات لم تصل إلى مسامعه. وقف فجأة وبدأ بالتجول في الغرفة بخطوات ثقيلة. رفع يديه إلى رأسه وصرخ بصوت أشدّ غضبًا، وكأن الصمت يخنقه :" لن يمر هذا مرور الكرام! سأريهم من أكون حقًا، لن يهنأوا بالسلام، سيتمنون لو لم يُخلقوا! سأنتقم منهم... سأنتقم منهم شرّ انتقام." ظل تشارون يراقب بصمت، قبل أن يقول بنبرة حاول أن يجعلها متزنة :" حسنًا... أنا أفهم شعورك، لكن لنأخذ الأمر على محمل الجد الآن. فكرة تجميد الشمس؟ هل أنت متأكد؟ "
عاد بلوتو إلى كرسيه وكأنه استنزف طاقته في الغضب. وضع رأسه بين يديه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يهمس، وكأنه يتحدث إلى نفسه :" لقد كنت لهم الصديق الذي أتمناه لنفسي... لكنهم كانوا لي الصديق الذي لا أتمناه لعدوي." ثم نظر الى قمره متسائلا:" تشارون، هل أنا... هل أنا حقا ضعيف؟ "
تشارون تجمد في مكانه، كأنه لم يصدق ما يسمعه. ثم تغيرت ملامح وجهه، والغضب بدا واضحًا في صوته وهو يرد بقوة:" ضعيف؟! أنا عاشرتك لأكثر من ثلاثين مليون سنة كونية، كل كاي منها كنت أراك قائدًا عظيمًا، قدوة حقيقية. كنت أكثر من مجرد قائد... كنت صديقي." رفع بلوتو عينيه، متفاجئًا من الكلمات :" قدوتك؟ "
- نعم، أ تدري لماذا؟ لأنك الوحيد الذي، مهما أدارت لك الحياة ظهرها، كنت تقف وتريها عزيمتك. كنت تتولى الأمور بثبات. أما الآن... ماذا أرى؟ شخص يشكك في نفسه بسبب مجموعة من المنافقين؟ هذا ليس بلوتو الذي أعرفه.
صمت بلوتو، ثم خفض رأسه. عيناه تائهتان وكأنهما تغوصان في أعماق ذكرياته:"أنت رائع... أنت حقاً قدوتي. حسناً، كل ذلك لا يهم بما أنك معي... سيكون اسمي مثل اسمك إذاً."
- س... سيد بلوتو، هل تسمعني؟" قال تشارون بنبرة قلق.
استفاق بلوتو فجأة من شروده، وكأنه تذكر شيئاً مهماً، لا، بل سيطرت عليه ذكريات الماضي البعيد، كان هذا الموقف بالذات يتكرر دائما في ذهن بلوتو، وقبل أن تلمع عيناه بشيء من الأمل، نظر الى تشارون و قال بابتسامة صغيرة :" أنت رائع يا تشارون... لطالما كنت دائمًا سندي." رد تشارون بابتسامة على وجهه المليء بالجروح التي تحكي قصص معارك لا تُنسى :" أنا بجانبك دائمًا، لكن يجب أن نركز الآن. نحن بحاجة إلى خطة محكمة. و وعد مني، النتائج لن تكون مخيبة."
وقف رئيس الكوكب العاشر، هذه المرة بثبات وهدوء، وكأن شرارة انتقامه تحولت إلى نار باردة، لا تحرق لكنها تهدد بالانفجار:" لم يجعلك القدر قمري الأول عبثًا. لن ينجو أحد منهم. سأكون كابوسهم الذي لا يرحم." ابتسم تشارون بثقة ورد على قائده:
- وأنا أول من يدعمك. لكن... هل نستطيع فعلها نحن وباقي الأقمار فقط؟ ألا نحتاج إلى حلفاء لزيادة نسبة نجاح خططنا؟
ابتسم بلوتو ابتسامة خبيثة، و غيّر وضعية جلسته مفردًا ظهره الى الوراء قبل ان يُجيب بنبرة تحمل شيئًا من التحدي:
- فكرت في ذلك قبلك يا تشارون. لا يمكننا مواجهة أولئك الأوغاد وحدنا. ولهذا السبب... دعوت من سيساعدنا.. اوه، لقد وصل بالفعل..
بدا تشارون متفاجئًا، لكنه التفت حين سمع خطوات قادمة. نيكس، قمر بلوتو الثاني، ظهر عند الباب وقال بهدوء :" لقد وصل... تفضل بالدخول."
همس تشارون متفاجئا و كأنه رأى وجها مألوفا: " أنت؟"
تجمدت الأجواء، وساد صمت ثقيل قطعته خطوات ثابتة، واثقة، تتردد صداها في أرجاء الغرفة كنبضات خطر قادم.
لم تكن مجرد خطوات، بل إعلانًا صامتًا لوصول شخص لا يجب الاستهانة به.
العيون تلاحقت نحو المدخل بقلق مكتوم، وكأن هناك يدًا خفية تدفعهم للنظر، وكأن الظل القادم من هناك يجبرهم على الانتباه. و ها قد ظهر أخيرًا.
ابتسامة غامضة تزيّن ملامحه، لكنها لم تكن تبعث على الطمأنينة، بل على الريبة. نظراته اخترقت السكون كما يخترق الخنجر نسيجًا هشًا. لم يكن ينظر إلى الجميع، لم يكن يبحث إلا عن شخص واحد فقط.
التقت عيناه بعيني بلوتو. للحظة، لم يعد هناك وجود لأي شيء آخر في العالم. لم يعد هناك صوت، لم يعد هناك حركة. الزمن نفسه بدا وكأنه توقف بينهما، كأنهما وحدهما في هذا الكون، محاطان بشيء غير مرئي، بشيء لا يستطيع أحد فهمه سواهما.
ثم… بصوت عميق، ثابت، يملؤه مزيج من الثقة والغموض، قال:
"مرحبا بالجميع، آمل أن يكون تحالفنا بداية لما هو أكبر… مستقبلاً."
ومن قال ذلك كان… مجهول.
فماهي الحقيقة وراء هذا المجهول؟