الفصل عبارة عن فلاش باك ...

إستمتعوا...

─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞

في مكان يبدو مألوفا، تحت سماء حمراء كأنها مشتعلة، يمتد كوكب المريخ بهدوء عاصف. تربته بلون دم الأرضيين، مغطاة بصخور متناثرة، وجبال شاهقة تلامس الأفق، تروي حكايات قديمة من زمن غابر. الهضاب تتخللها أخاديد عميقة، كأنها جروح كوكب عاش ماضياً حافلاً. الرموز الغريبة المحفورة على الصخور بدت وكأنها صرخات تحذير صامتة، رسائل تركها من عرفوا الحقيقة... ثم اختفوا.

وسط هذا المشهد الموحش، شقَّ ضوء أزرق باهت سحب الغبار الكثيف، عند اقترابك ترى شخصين واقفين على قمة إحدى تلك الجبال العالية، ينظران إلى الأفق القرمزي الممتد، تتباين ملامحهما بحدة. الأول ذو درع أحمر لامعٍ يلمع تحت وهج السماء الحمراء، وجهه يحمل ملامح حازمة ونظرة عميقة؛ إنه قائد كوكب المريخ.

بجانبه، يقف شخص آخر، متشحًا بعباءة خضراء داكنة تتماوج مع لون درعه الأزرق والأخضر الداكن، إنه قائد كوكب الأرض. و وسط تلك الاجواء المشحونة قطع هذا الاخير صمت المكان متسائلا:

" حسنا، ماذا الان؟"

تردد متلقّي السؤال قليلًا، ثم زمجر بانزعاج:

" تشه، لماذا تسألني انا؟ انا مثلك تماما لا اعرف شيئا، لَم اتساءل ابدا عن من اكون او ماهية حقيقة هذا العالم الذي نعيش فيه. ولا تتوقع مني أن أعتبرك صديقًا لمجرد أن تلك الشاشة القبيحة ألقت علينا تلك الخرافة."

ساد صمت غريب، وكأن الرياح ذاتها توقفت عن العواء. نظر الأرض بعيدًا، عيناه الزرقاوان تحكيان خيبة واضحة، ثم نطق بصوت خشن:

" حسنا، سوف اعود من حيث اتيت، كل محاولاتي في مصادقتك باءت بالفشل، كنت اريد قبول فكرة تلك الشاشة لكني غيرت رايي بالفعل."

استدار ليغادر، لكن، و قبل أن يبتعد، دوّى صوت المريخ عاليًا، صوت لم يُسمع منه من قبل، صوتٌ حمل في طياته خوفًا خالصًا:

" ت.. توقف"

وقف الأرض بمجرد سماع تلك الكلمة، لكنه لم يعره إهتمامًا و واصل التقدم قبل متابعة المريخ لكلامه:

" ل-لا تغادر... أنا... لا أريد أن أشعر بتلك الوحدة القاتلة مجددًا... لا ترحل..."

فابتسم الارض مجددا و كانه كان يريد اخراج تلك المشاعر من صديقه.

عاد الى مكانه و جلس بجانبه ثم اردف:

" اشعر أن هناك شيئًا أكبر من مجرد اتحاد كواكب او أيّا كان. الإكس بوليتاس قدم لنا معلومات عن أسلحتنا، قدراتنا، وحتى نقاط ضعفنا. هل تتخيل مدى خطورة هذا الشيئ إذا وقع في الأيدي الخطأ؟"

تغيرت ملامح المريخ لتُأكّد مدى توتره، لكن نبرات صوته نفت ذلك:

" أو ربما تكون هي نفسها اليد الخطأ."

توقف قليلًا، ثم أردف و هو يغير طريقة جلسته لتتجه نظراته نحو الأرض:

"لكن دعنا من هذا الآن.. ماذا لو كان 'إتحاد رؤساء الكواكب' هو المفتاح لفهم الحقيقة؟ ماذا لو..."

وسط هدوءٍ ثقيل، انقطعت أفكار الأرض فجأة بصوت شهقة حادة. استدار بسرعة ليرى المريخ واقفًا متصلبًا، يده ممسكة برأسه بقوة كأنه يحاول منع شيء من التمزق داخله. عيناه انكمشتا، أسنانه اشتدت، و جسده بدأ يرجف تحت هول الموقف المفاجئ.

إقترب الأرض منه و سأل بفضول قاتل:

"مريخ! ماذا يحدث لك؟!"

لم يرد المريخ فورًا، بل تأوه بصوت مكتوم، جسده يرتجف كما لو أن قوة غير مرئية تسحبه للأسفل. كاد يسقط، لكن قبضته على جمجمته ازدادت إحكامًا، وكأنه يحاول منع شيء رهيب من اجتياح عقله.

و أخيرًا، همس بصوت متحشرج، متقطع:

"إنه... إنه نفس الألم... الذي شعرت به عندما جئتَ أنت إلى هنا..."

ارتجف قلب الأرض في صدره، نبضاته تسارعت بجنون، وكأن حدسًا قاتمًا ضرب روحه حينها. لكنه لم يتردد في السؤال بنبرة مرتعشة، بالكاد خرت من حلقه محاولًا إيجاد إجابات:

"ماذا...؟ هل تعني أن..."

رفع المريخ رأسه بصعوبة، نظراته متأججة بشيء لم يره الأرض من قبل؛ خوف، دهشة، وإدراكٌ يشبه الكارثة.

همس ذو الرداء الأحمر بتوتر، بعد أن تحرر من قيود كلمات كادت تخنقه:

"نعم... هناك شخص آخر... دخل من بوابة أخرى... يمكن أن يكون... أحد أولئك الذين تحدثت عنهم تلك الشاشة..."

لم يكن هناك وقت للحيرة، ولا مجال للشك. تبادلا نظرة واحدة، نظرة واحدة فقط كانت كافية للإنطلاق بأقصى سرعتهما، يركضان فوق الصخور الحمراء، أقدامهما تكاد لا تلامس السطح.

كل شيء من حولهما تغير. الهواء أصبح أثقل، ضغط غامض سحق صدريهما، والأفق امتزج بلون الدم القاتم. كان الشعور أشبه بالكوكب نفسه يصرخ، يحاول إيقافهما، يحاول تحذيرهما من شيء فظيع قادم.

كلما اقتربا من مصدر الطاقة، كلما ازدادت الأجواء غرابة، حتى وصلا إلى المكان الذي تقوده إليهما إشارات الإكس بوليتاس. الشاشة العملاقة التي قلبت عالمهما رأسًا على عقب.

لكن عند الوصول... توقف الزمن، و توقفت معهما خطواتهما..

هناك، وسط الضباب المتراقص حول الشاشة، كان يقف شخصٌ غريب.

كان قصير القامة، بشرته بيضاء بشكل غير طبيعي، كأنها نُحِتت من ضوء القمر، عيناه تتوهجان بضوء فضيّ غريب.

لم يتحرك... لم يلتفت إليهما... بل كان يمد يده التي يحميها قفازه الأسود ببطء، ببطء مميت، نحو السلاح الكوني للأرض؛

الشفرة المزدوجة كانت هناك، كأنها كائنٌ حي، تنبض بطاقة غامضة. تصميمها الحاد، الانحناءات القاتلة التي تزينها، التفاصيل الدقيقة المنحوتة على نصله، كلها كانت تلمع بهالة خفية... تحذر... تهدد... تصرخ بأن القادم ليس طبيعيًا.

عيناهما توسعتا في لحظة إدراك مرعبة، حتى صرخ الأرض محاولا تحذيره من شيئ أكثر خطورة مما كان يعتقد:

"أيها الغريب!! لا تلمسه!! إن لمسته... سوف تمو—!!"

لكن... تحذيراته ذهبت ادراج الرياح..

فات الأوان.

امسك ذلك القصير بمقبض السلاح الكوني. فجأة، دوّى صرخٌ مروّع، اهتزّ الهواء من شدّته. صرخة لم تكن مجرد ألم، بل كانت معاناة وجودية، وكأن هذا الكائن كان يُمزّق من الداخل. غريزيًا، أدار الأرض والمريخ وجهيهما بعيدًا، غير قادرين على رؤية هذا المشهد القاسي.

ثم... ساد الصمت.

تكلم المريخ بصوت منخفض، نبرة حزينة لم تكن معهودة منه:

"نم بسلام... لقد كنت شخصًا جيدًا، كنت أود العمل معك."

فرد الارض ساخرا :" كفاك دراما مريخ، نحن لانعرف اسمه حتى."

لكن، ما إن أنهى كلماته، حتى قاطعتهما كلمات غريبة تحمل صوت جديد، منخفض، لكنه كان واضحًا تمامًا:

" اسمي.. بلوتو، من تكونان انتما؟"

همس المريخ بصدمة و هو لا يزال مغلقًا لعينيه:

" ارض، اعتقد ان لدي قدرة سماع الأموات."

ببطء شديد، استدار الاثنان... ليريا المشهد المستحيل.

بلوتو، كما عرّف عن نفسه، ممسكًا بالشيء الذي كاد يقتله، لكن ملامحه لم تكن تحمل سوى الدهشة.

رفع يده التي تحمل السلاح أمام عينيه، ثم ألقر بنظرة على جسده، ثم قال ببطء وكأنه لا يصدق:

"يا صاح، كان ذلك خطيرًا... عليكما التخلص من هذا الشيء فورًا."

بادل الأرض والمريخ النظرات.

قال الأول بابتسامة ساخرة:

"مريخ..."

في حين قاطعه الآخر بنبرة صارمة لم تكن تعرف المزاح:

"اصمت."

استدار الأرض نحو بلوتو، ونطق دون ان تفارق الإبتسامة محياه:

"أنا الأرض، رئيس كوكب الأرض. وهذا مريخ، رئيس كوكب المريخ. وأنت الآن على كوكبه. والآن... من أنت؟ ومن أين أتيت؟"

حدّق بهما بلوتو باستغراب، الكلمات التي سمعها بدت كأنها من لغة أخرى:

"أرض؟ مريخ؟ رئيس؟ كوكب؟ عن ماذا تتحدثان أيها المعتوهان؟"

أردف الأرض بنفس الإبتسامة التي تزين شفتاه:

"سنشرح لك كل شيء لاحقًا. لكن الآن، استرخِ، لا داعي لأن تكون متحفزًا هكذا."

تصلّب جسد بلوتو. "لقد لاحظ حذري... من يكونان هذان الشخصان؟"

وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، عقّب الأرض محللًا:

"نظرًا لقدرتك على تحمل سلاحي الكوني، فلا شك أنك رئيس كوكب أيضًا."

أضاف المريخ وهو يتفحصه من كل الجهات:

"ومن مظهرك الخارجي، أنت رئيس لأحد الكواكب الجليدية الثلاثة... وبما أنك قصير القامة... فأنت..."

نظر كلاهما إلى بعضهما البعض، قبل أن ينطقا في آن واحد "رئيس الكوكب العاشر."

اتسعت عينا بلوتو، شعر بغرور خفي يتسلل إلى قلبه. "رئيس؟" تمتم، قبل أن يستقيم بثقة: "أنا بلوتو، وأنا..."

لكن قبل أن يكمل، انطلقت طاقة قرمزية من الأرض أسفله، تفاداها بلوتو في اللحظة الأخيرة، لكنه شعر بلسعة تخترق يده.

نعم لقد خُرّمت يده بواسطة ذلك الشيئ القرزي، نظر إلى إليهما، فوجدهما يبتسمان.

فصرخ غاضبًا: "ما الذي يحدث هنا؟!"

قال الأرض بهدوء: "لقد نجحت في الاختبار الأول."

نظر إليه بلوتو بريبة و استفسر: "اختبار؟"

أومأ المريخ مشيرا إلى يده المصابة: "نعم، والآن، انظر إلى يدك."

نظر بلوتو إلى يده، فوجدها قد عادت إلى حالتها الطبيعية تمامًا. حين حدّق في الجرح، كان قد إلتأم بسرعة غير طبيعية.

تراجع بصدمة و همهم : "هل أنا من فعل هذا؟"

ضحك المريخ مستهزئا من إستنتاج بلوتو قائلا:

"تشه، لا، بل بلورتاك هما من فعلا ذلك."

ارتبك بلوتو و لم يعرف بما يُجيب قبل أن ي

حاول فهم موقفه مستفسرا: "بلورتاي؟!"

تحدث الأرض بصوت هادئ: "لقد قلنا لك، سنشرح لك كل شيء بعد انضمامك إلينا. نحن رؤساء الكون، حماة لبّ هذا النظام الشمسي."

شعر بلوتو وكأنه يسبح في بحر من الغموض، كل شيء كان سريعًا وغريبًا. تمتم بقلق: "أنا لا أفهم شيئًا مما تقولانه..."

لكن سؤاله لقى سوى ضحكات مزعجة أخرى من الأرض الذي أشار بأن يهدأ:

"حسنًا، لا تستبق الأحداث. لكن لدي سؤال واحد آخر لك، إن أجبته، ستصبح بشكل رسمي رئيس الكوكب التاسع."

تصلّب بلوتو، ثم ابتسم بتحدٍ: "رئيس الكوكب التاسع... رئيس كوكب بلوتو، هه... حسنًا، ما هو سؤالك أيها الأرض؟"

حدّق إليه الأرض بعينين متوهجتين، وكأن نظراته تخترق أعماق بلوتو، تبحث عن شيء مخفي بين ظلال أفكاره. ثم جاء السؤال، بسيطًا في كلماته، لكنه حمل في طياته ثِقلًا غريبًا، وكأن الإجابة عليه قد تغيّر كل شيء:

"هل أنت بمفردك في كوكبك؟"

توقف الزمن لوهلة.

تشنّج وجه بلوتو، وخرجت منه الكلمة قبل أن يستوعبها عقله:

"لا..."

كانت الإجابة غريزية، خرجت من أعماقه، من مكان لم يدرك حتى أنه كان موجودًا داخله. لكنه بعد نطقها شعر ببرودة تسري في عروقه، كأن الحقيقة التي حاول طمسها طوال حياته قد تسللت عبر شفتيه دون استئذان.

اتسعت عيناه، و كأنهما يحكيان عدم فهم بلوتو لما قال، فسارع بتدارك نفسه، محاولًا إصلاح ما قاله:

"أقصد... نعم."

لكن الصوت الذي خرج هذه المرة كان مهتزًا و مترددًا.

لم يفهم ما حدث، شعر بوخزة خفيفة، لكنَّه لم يستطع تحديد مصدرها. و ببهتة، تسرَّبت إلى ذهنه صورة غامضة، باهتة، كأنها ذكرى ضائعة، لكن سرعان ما تلاشت. لم يُعرها اهتماماً، ظاناً أنها مجرد تردد عابر، وواصل الحديث وكأنه قد نسي شيئاً مهماً.

فلماذا أجاب بلوتو بتلك الإجابة في البداية؟

2025/03/12 · 53 مشاهدة · 1532 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026