بعد حادثة طرد بلوتو بمئة كاي، اجتمع رؤساء الكواكب في اجتماعهم السري المعتاد. لكن هذه المرة، لم يكن كأيّ اجتماع آخر.
لم يتكلم احد و لم ينطقوا بحرف، كل النظرات متوجهة الى مكان واحد؛ مكان ترك اثرا كبيرا فيهم جميعا، نعم كان ذلك مكان بلوتو المعتاد. كانت من عادات رئيس الكوكب التاسع المجيئ الى الإجتماع بتلهف باكرا للقاء إخوته و مساعدتهم بكل ما يملك لكن كل تلك الذكريات اختفت و لم يعد لها وجود.
وقف المريخ محاولًا كسر الصمت الثقيل:
- "ما هذا العبوس يا رفاق؟ لنناقش آخر المستجدات كما نفعل دائمًا."
لكن زحل، متكئًا على مقعده، تمتم بنبرة باردة:
- "لكن.. هذه المرة ليست كباقي المرات...لماذا"
ساد الصمت من جديد، حتى نهض عطارد بضجر:
"أما زلتم متمسكين بهذا الأمر؟ مرَّ عليه مئة كاي! غادر بلوتو بالفعل، وعلينا المضي قدمًا."
تردد صدى كلماته في القاعة، لكنه لم يلقَ سوى نظرات مستنكرة و خيبة امل من الجميع، لكن من كان ينظر اليه بنظرة مختلفة كان الأرض، الذي رمقه بفخرة. أما أورانوس، فتنهد قائلاً بعد ان أشاح ناظريه إلى الأعلى:
- "حقا.. مرت سنة كونية فقط... تراودني ذكرى ذلك الكاي المشؤوم طيلة هذه المدة."
حاول عطارد التظاهر باللامبالاة، لكنه شعر بثقل الكلمات على صدره. نظر للأرض و كأنه يسأله سؤالا لا يعرف إجابته سواهما.
شرد ذهن الرئيس القصير و شعر بمرارة الذكريات تطفو على السطح كان الزمن قد عاد الى الوراء...
"هيا... هيا... قليلًا بعد...سأنجح هذه المرة.. ااا"
كانت نيازك حمراء قاتمة مع تشققات بارزة قد ظهرت فجأة و هي تطفو فوق عطارد بشكل دائري تبرز قوته المطلقة و لكن و بدون سابق إنذار، سقط أحد النيازك مباشرة نحوه، كاد أن يسحقه، لولا تدخّل الأرض، الذي دمره بسلاحه الكوني قبل أن يصل إليه. شهق عطارد، ينظر إلى الأرض برعب:
- "شكرًا لك... لا أدري ما كان سيحدث لو لم تكن هنا."
ابتسم الأرض بهدوء:
- "لا بأس، في كل مرة تحتاجني، سأكون بقربك."
ابتسم عطارد بامتنان، لكنه تراجع عندما نظر إلى الأرض نظرة طويلة عميقة ثم أشاح بنظره لآخر الغرفة الكيرة.. وقال بصوت خافت: "أنا أحاول تطوير قدرة جديدة... الجمع الكوني بين سلاحي وقدرتي."
هز الأرض رأسه بإعجاب: "كالعادة، قدرتك الفائقة على تطوير أسلوبك مذهلة. لكنك لن تتمكن من تحقيق ذلك وحدك انت تعلم ذلك صحيح؟"
خفض عطارد رأسه وقال بمرارة: "أعلم ذلك... طلبت مساعدة الزهرة، ثم أورانوس، ثم المريخ... لكنهم جميعًا رفضوا."
نظر إليه الأرض متفحصًا، قبل أن يقول بنبرة هادئة و متزنة: "لكن بلوتو... كان يساعدك، أليس كذلك؟ طيلة السنوات الكونية الماضية؟"
لم يتمكن عطارد من الرد فورًا. كان هناك شيء يثقل صدره، شيء لم يواجهه حتى الآن. جلس الأرض بجانبه، ينظر إلى السقف، ثم قال بصوت عميق: "كلما تذكر الإنسان أفعاله الشنيعة، لا شيء يريحه سوى استعادة ذكرياته الثمينة... أما أنا، فلا شيء ينسيني أخطائي سوى شخص واحد."
نظر إليه عطارد بذهول: "ما هذا الكلام المفاجئ؟ عن من تتحدث؟"
ابتسم الأرض ابتسامة خفيفة وقال: "لست أنا من قال هذا الكلام، لكنني أدركت الآن... إنه رائع حقًا."
بدت الصدمة واضحة على وجه عطارد. تذكر فجأة كلمات بلوتو الأخيرة له: "لأنك أفضل شيء حصل لي... وسأكرر هذا الكلام مرارًا وتكرارًا حتى تستوعب ما أقصده."
أحس بحرقة في داخله، وكأن الكلمات اخترقت روحه مباشرة. ضغط على صدره، وكأن الألم الجاثم هناك قد فاق احتماله.
قال الأرض بحزم و بنبرة شديدة:
- إذا لماذا؟ لماذا قلت ذلك؟ ألا تدرك أنك أفضل شيئ له؟ ألم يخبرك بذلك بنفسه؟ أشعر بثقل تلك الكلمات في صدري رغم أني لست المعني بها آن ذاك... لو كنت مكان بلوتو، لما غفرت لك أبدًا. لو كنت مكانه، لما وجدت الراحة حتى أراك منهارًا أمامي. كيف لا، وأنا أرى وقتي الثمين يُهدر على شخص كهذا؟
إذاً، ما الغاية من كلماتك الفارغة؟ دعني أجيب عنك... نعم، أصبحت أقوى منذ لقائنا الأول، لكن هل تعلم ما الذي لم يتغير فيك؟ ما الذي تعمدت تجاهله؟ إنها نفسك.
لم يحرك عطارد ساكنًا، بل بدأ جسده يرجف. لكن الأرض أكمل كلامه غير مبالٍ بما يشعر به رئيس الكوكب الأول.
"ماذا كنت تظن؟ أن هذه الكلمات ستُكسبك احترام الجميع؟ أنك ستحظى بالاهتمام؟ تهانينا، لقد نلت ما أردت. الجميع الآن يفكر فيك... لكن ليس بالطريقة التي تأملها. إنهم يرونك عبئًا، يكرهونك، أو بعبارة أدق...
نهض ببطء، محدقًا في عينيه من الأعلى، كأن نظراته وحدها تحمل ما لم يقله لسانه بعد...
"نحن نكرهك."
ظل رئيس الكوكب الأول صامتًا، متجنبًا النظر في عيني الأرض، وكأن كلماته لم تجد طريقها إلى داخله. ثم أومأ ببطء، محاولًا الهروب من المواجهة، وقال بصوت خافت:
"أظنه قال إنّي مجرد وسيلة لإرضاء النفس..."
ابتسم الأرض بسخرية، وكأنه كان يتوقع هذا الرد منذ البداية، ثم تمتم:
"هه، كما توقعت تمامًا... لن تفهمه."
عطارد، الذي كان يحاول التماسك، شعر بصدره ينقبض. نظر إلى الأرض أخيرًا، عينيه تلمعان بظلٍ من التردد والألم، قبل أن يهمس بصوت متقطع:
"إذن... أنتم تكرهونني..."
تردد قليلا، وكأن الكلمات تخنقه قبل أن يضيف بصوت بالكاد يُسمع:
"أنا هو الضعيف... الذي يحتاج إلى كلمات قاسية."
ثم نظر الى الأعلى، انفجرت الذكريات في ذهنه و أكمل حديثه:" بعدما سمعت تلك الإشاعات عن طرد بلوتو لم أصدق بل لم ارد تصديقه كلما يأتي بلوتو إلى مقري أختلق أعذارا لضيق الوقت و أني مشغول تفاديا لتقضية المزيد من الوقت معه."
لكنه توقف لوهلة، وأغمض عينيه وكأن ذكرى مريرة تجره إلى الخلف... و أكمل :"لكن.. آخر مرة كانت مختلفة و قد كانت قبل كاي من الحادثة:
"مرررحبًا، صديقي عطارد! لم أرك منذ مدة طويلة!" كان بلوتو هو من توجه بذلك الكلام لعطارد الذي تنهد محاولًا إخفاء توتره و رد ببرود: "هذا ليس صحيحًا، كنت موجودًا طوال القرون الكونية الماضية. ماذا تريد؟"
لكن بلوتو لم يتأثر، بل أخرج شيئًا من جيبه وقال بابتسامة مشرقة: "هذه لك! إنها هدية خاصة جدًا!"
حدق عطارد في القلادة؛ كانت بيضاء متوهجة بدت غريبة، لكنها مألوفة بطريقة ما. ثم تابع بلوتو حديثه بصوت هادئ:
"لاحظت أنكم جميعًا لستم على ما يرام مؤخرًا... لا أعلم ما يجري لذلك أردت أن أمنحكم شيئًا يعيد البهجة لكم." قالها بلوتو بحماس.
شعر عطارد بشيء ينكسر داخله، لا لم تكن إحدى بلوراته، لكنه تظاهر باللامبالاة وقال بفتور: "حسنًا، لكن هذه ستكون آخر مرة تزورني فيها. لدي الكثير من المسؤوليات."
اتسعت ابتسامة بلوتو، وهز رأسه نافيًا: "أبدا، لن يحدث هذا!"
ثم قالها.. تلك الجملة الشهيرة التي ترددت أصداؤها في جميع ارجاء الكون "لأنك أفضل شيء حصل لي... وسأكرر هذا الكلام مرارًا وتكرارًا حتى تستوعب ما أقصده."
أخفيت حزني و ضعفي امامه لكنني لم أنهر، ثم تابع بلو.. معلمي كلامه بشكل رائع كالعادة لكن هذه المرة حمل قلادة أخرى كانت رمادية كلون دروعي:
" حسنا.. هذه القلادة البيضاء ستكون لك، أما هذه فهي لي."
فسألت بداعي الفضول:" ما المغزى من هذه القلادات؟" كان رده مخالفا تماما لتوقعاتي:" قلادتك بيضاء مثل لون كوكبي و قلادتي لونها مثل لون كوكبك و كلما زاد اشتياقك لي سيتحول لون قلادتي شيئا فشيئا الى الأبيض و ان حدث العكس سيتحول لون قلادتك الى الرمادي تدريجيا."
لم ينطق الأرض بحرف، بل واصل الإستماع باهتمام بالغ لكن قاطعه عطارد عندما أخرج قلاته و قد بدأت الدموع تخرج من عينيه السوداوين و قال:" انظر.. انها ليست بيضاء بل رمادية أتعلم السبب؟"
حاول الأرض التماسك و قبل قول اي شيئ أكمل عطارد آخر كلماته:" كنت خائفا.. مشتتا.. تائها.. و حين جاء ذلك الكاي المشؤوم حين يفترض بأنه الإجتماع. أتيت متأخرا و عاقدا الأمل بأنه لن يحصل شيئ مما سمعته لكن حدث ما كنت أخشاه: أقر الإكس بوليتاس بطرد بلوتو و كانت الصدمة الكبرى ليس لي فقط بل لكم جميعا و له أيضا.. لم أكن مستعدا لقول تلك الترهات، قلتها فقط لتهدئة نفسي، فلو لم اقل تلك الكلمات لانهرت امامكم جميعا بعدما غادر بلوتو المقر ذهبت مباشرة إلى كوكبي عبر البوابة و حينها نزعت القلادة و أجهشت بالبكاء و الصراخ و تدمير كل شيئ بالغرفة." وقف الارض متفاجئًا و قال في نفسه:" اذا هذا ما يفسر بعثرة الغرفة!"
عاد عطارد إلى الحاضر، كانت الدموع تتجمع في عينيه، لكنه لم يكن يريد أن ينهار. نظر إلى الأرض، ثم همس بصوت مبحوح: "أنا... آسف لا تكرهوني رجاءا."
ربت الأرض على كتفه بلطف وقال: " كنت اعرف أنك مرغم على ذاك لكن، لا وقت للبكاء الآن. غادر بلوتو بالفعل، علينا المضي قدمًا مهما واجهتنا الصعوبات. سنذكره دائمًا، ولن ننساه أبدًا."
أومأ عطارد ببطء، وكأن كلمات الأرض أعادته إلى الواقع.
"هيا إذًا، لنبدأ التدريب على مهارتك الجديدة معًا. أمامك طريق طويل وشاق للوصول إلى التوافق الكامل مع سلاحك الكوني."
ابتسم عطارد بخفة، رغم أن دموعه مازالت منسابة على خده و أشار بعلامة، علامة خاصة به، كانت تتمثل رفع السبابة والوسطى مع إبقاء باقي الأصابع مطوية "حسنًا... هيا بنا."
حتى قطع عودته للماضي صوت الأرض الذي أسند ذقنه على يديه المتشابكتين قائلا:" كلام صديقنا عطارد صحيح، على الأقل الآن، نحن لم ننسى الآخرين منذ آلاف السنين الكونية، و لن ننساهم أبدا و هذا ينطبق على بلوتو أيضا."
هز الجميع رؤوسهم مدركين لموقفهم، لكن المريخ قطع ذلك الصمت بنبرة تساؤل، يريد فيها حل جميع الألغاز:" ما هي خطته إذا؟ لماذا قال إنه سيجمد الشمس؟"
فماهو السر وراء جملة بلوتو الشهيرة؟