بعدما سأل المريخ بقية الرؤساء عن خطة بلوتو لتجميد الشمس رد عليه الزهرة مبررا:
"لا بد ان كان يحاول إثارة الفوضى بيننا فقط. لا أعتقد أنه يستطيع تنفيذ شيء كهذا. نحن نتحدث عن تجميد الشمس، ليس أمرًا صعبًا فقط، بل هو مستحيل من الأساس. خاصة أن الفاعل هو بلوتو، رغم بعده عن الشمس الا انه يحبها."
رد نبتون على رئيس الكوكب الثاني و نبرته تحمل جدية تامة: "لا أظنه كان يمزح في ذلك الموقف بالذات. لقد كان الشرر يتطاير من عينيه. وبمعرفتي ببلوتو جيدًا، فإنه يوفي بوعوده مهما كانت الغاية و مهما ستكون النتيجة."
أورانوس الذي لم يهنأ له بال في الآونة الأخيرة، أضاف على كلام نبتون:
" نحن نعرف بلوتو حق المعرفة، لكنه كان متضاربا وقتها.. لا أستطيع الجزم أنه لن يقوم بشيئ و لا أستطيع الجزم أنه سيقوم بأي شيئ لطالما كان هادئا و منصتا.. ليست من عاداته التسرع في اتخاذ القرار."
رد الأرض بصوت خافت و مبحوح و كأنه كان يعاني من مرض ما:" أنا اعتقد ان لا نفكر في.. اه، في الأمر كثيرا.." لم يكمل الأرض كلامه حتى سقط من على كرسيه الخشبي. أسرع الجميع نحوه بفزع كان الأرض يتألم بشدة، حيث يعبر عن ألمه الى بإمستك رأسه و التعصر و في لحظة إدراك صرخ المريخ :" الآن سننقله إلى 'الكايتيباس' هيا هيا " و وسط تلك الجلبة تمتم الأرض و هو يوقف رفاقه :" لا داعي لذلك.. لابأس خذوني الى كوكبي..." لم يرد عليه أحد من القادة حتى صرخ المريخ بنبرة شديدة :" أغلق فمك.."
و عند خروجهم من القاعة أسرع نحوهم شخص برداء رمادي مشع كلون القمر، تميزه تلك الرقعة البنفسجية على عينه اليمنى:" ماذا حصل؟ اين تحملون سيدي؟ مابه؟"
فرد الزهرة بغصب:" ابتعد من هنا ايها القمر نحن ذاهبون الى الكاستيباس لذا الزم صمتك." لم يكن لقمر الأرض الوحيد سوى اخفاض رأسه و الصمت و هو يردد كلمات الزهرة في ذهنه:" ال.. الكاستيباس؟ هل سيدي بخير؟"
الكاستيبيس: هي غرفة خفية، مدخلها عبارة عن باب صغير يكاد يكون غير مرئي، وكأنه جزء من الجدار نفسه، لكنه يخفي وراءه مساحة شاسعة تتجاوز كل التوقعات. الداخل إليها يشعر وكأنه انتقل إلى عالم آخر، حيث يمتد فضاء داخلي ضخم تفوق أبعاده أضعاف ما يبدو عليه من الخارج، أشبه بجيب بُعدي مستقل عن الواقع.
في قلبه يقع مركز الشفاء الأساسي. وسط الغرفة، توجد كبسولة ضخمة شفافة ممتلئة بسائل متعدد الألوان، يتحرك بداخله كموجات طيفية متراقصة، وكأنها تمتلك حياة خاصة بها. هذا السائل ليس مجرد مزيج عشوائي، بل هو طاقة نقية مستخرجة من نواة الشمس نفسها، قادرة على إصلاح الأضرار الجسدية والروحية.
جدران الغرفة مزينة بنقوش غامضة متوهجة، وكأنها كتابات قديمة تروي تاريخ الكواكب وعلاقتها بهذه الغرفة. أما الإضاءة، فهي ناعمة ومصدرها مجهول تماما، تمنح المكان هالة من السكينة والرهبة في آن واحد. الكاستيبيس ليست مجرد غرفة علاجية، بل هي إرث كوني يعود إلى العصور الأولى للنظام الشمسي، وهي الملاذ الوحيد لكل من يحتاج إلى الشفاء الحقيقي. كيفية الإستعنال تكمن في حين دخول شخص واحد الغرفة، فستكون هناك كبسولة بلورية واحدة أما عند دخول مثلا 200 شخص فستوجد في الغرفة 200 كلسولة بالتمام و الكمال لضمان الشفاء للجميع أقمار او كواكب..
———⟡ ☽ ⟡———
على الضفة الأخرى من نهر النجوم، و قرب حزام كايبر تحديدًا، لم تكن الأمور تجري على خير أيضا، حيث مازالت الألغاز في تزايد حول حقيقة المجهول و حقيقة خطته لـ' تجميد الشمس'.
مع تقدم الكايات، جلس بلوتو، أقماره، والضيف المجهول يعملون بلا كلل. كانوا يعلمون أن خطتهم لن تكون سهلة، لكنها ستغير النظام الشمسي إلى الأبد.
قال بلوتو بصوت هادئ و عازم :"هذه المرة، لن أكون الضحية. سأجعلهم يدفعون ثمن كل ما فعلوه بي."
ليرد عليه المجهول المجنون بابتسامة لكنها بدت كابتسامة شر خالصة: "لا تقلق، كل شيء يسير كما خططنا، لقد خطونا خطوة كبيرة نحو النجاح فالفشل ليس من ضمن قاموسنا."
لكن هذا الضيف كان يُرمق بنظرات شديدة، نظرات شرحت لنا ما كان يريد قوله او فعله قمر بلوتو الثاني نيكس.
قابعا وحده في زاوية الغرفة، جلس نيكس متشنجًا، لا يشارك الحماس الذي يغمر سيده و ضيفه. عيناه تتابعان الحديث بينهما بحدة، لكن عقله كان في مكان آخر، يغلي بالأفكار والتردد:
"تجميد الشمس؟! هل جن السيد بلوتو؟! هذه ليست عدالة... هذا ليس انتقامًا... هذه إبادة!"
ضغط بيده على ركبته محاولًا تهدئة نفسه، لكن أنفاسه كانت تتسارع. لم يكن بمقدوره تصديق أن بلوتو وافق على هذا الجنون. كان يفهم جرحه، كان يعلم الألم الذي عاشه منذ الطرد، لكن... هل كان هذا هو الحل حقًا؟
أخذ نفسًا عميقًا وألقى نظرة خفية نحو المجهول، الذي كان يضحك بين جملة وأخرى، كأنه يستمتع بما يحدث. كأنه ليس جزئا من النظام الشمسي، لم يكن لديه دافع شخصي، بل كان يتعامل مع الأمر كأنه مجرد لعبة، لعبة مصيرها دمار النظام بأكمله.
"لا... هذا لا يمكن أن يستمر. يجب أن أوقفه... لكن كيف؟ سيد بلوتو لن يستمع إليّ الآن، إنه غارق في حقده. وأنا وحدي... لا يمكنني مواجهتهم بمفردي."
أغمض عينيه للحظات، ثم فتحهما بنظرة أكثر حدة. كان عليه أن يتحرك بحذر، أن يجد وسيلة لإفشال هذه الخطة دون إثارة الشكوك. وإن تطلب الأمر... أن يقف في وجه سيده بنفسه.
"لكن هل سأكون قادرًا على ذلك؟ لا، علي ان اوقف هذا الجنون حتى و ان مت."
نظر إلى بلوتو مجددًا، إلى سيده الذي تغير كثيرًا... ثم إلى الشمس البعيدة، التي لا تزال تحترق بضوءها الدافئ، رغم بعدها عنهم دون أن تدري ما يُحاك ضدها في الظلال.
———⟡ ☽ ⟡———
في غرفة معزولة يغمرها السكون، سُمِع صوت طرق خافت، لم يكن على الباب. بل كانت على كبسولة الكاستيباس رد صوت ضعيف من الداخل بعد فتح عينيه: "من..."
بدت كلماته واهنة، محملة بآلامه. نظر الزائر بعيون هادئة وقال: "جئت لأطمئن عليك، أرض."
رفع الأرض رأسه ببطء، مُظهِرًا ملامح شاحبة ونظرات منهكة:
"شكرًا لك، مريخ."
رغم أنه لم يكن يتفاعل بجسده، إلا أن صوته صدر من مكبرات الكاستيباس، مما جعل وجوده محسوسًا.
تأمل رئيس الكوكب الرابع الغرفة بعين حزينة، ثم قال بنبرة خافتة: "كيف حالك الآن؟ بماذا تشعر؟"
خفض الأرض رأسه قليلاً قبل أن يجيب بصوت متعب:
"أنا بخير. سأكمل هذا الكاي هكذا، ثم أستعيد عافيتي بعده. لدي مهام كثيرة تنتظرني، وعلي زيارة الكوكب في أقرب وقت. إن لم أكن هناك بأسرع، فقد أفقد العديد من الأرواح."
صمت المريخ و أغلق عينيه، قبل ان يفتحهما مجددا مزمجرًا:
"ألا تدرك بعد، أيها الغبي؟ أنت الضحية هنا. عدوك الوحيد في هذا الكون هم أولئك الذين تحاول حمايتهم."
رفع الأرض رأسه بغضب مفاجئ وصاح: "لن أكرر كلامي، مريخ. أنت صديقي العزيز، لكنني لن أسمح لأي أحد أن يتحدث بسوء عن سكان كوكبي. إنهم يعانون مثلما أعاني، وربما أكثر. السبب وراء حالتي هذه هو وباء منتشر في أغلب بقاع الكوكب. ما ذنبي أو ما ذنبهم؟ نحن نتعاون لحل هذه الأزمة معًا."
ابتسم المريخ بسخرية وأجاب بعد ضحكات خفيفة تبرز سخريته: "ههه. على من تحاول الكذب، أرض؟ أنت لا تخدعني أو تخدعهم. أنت فقط تخدع نفسك. ألم تسأل نفسك يومًا لماذا دائمًا تتحمل العبء وحدك؟ أنت تظلم نفسك، تُحمّلها فوق طاقتها، بينما هم..."
قاطعه الأرض بغضب شديد:
"كفى! كفى هراء! أنت لا تعلم شيئًا! كل كلامك مجرد افتراءات!"
تراجع المريخ قليلاً، ثم أكمل بنبرة حادة:
"اسمعني جيدًا، أسوأ ما فيك هو إنكارك للحقيقة. كوكبك ليس كوكبًا عاديًا، أنت الأرض، الكوكب المُختار من قبل النظام الشمسي. لو كنت مكان أي كوكب آخر، لكان مصيرك الطرد مثل بلوتو او الإهمال مثل إيريس. هل نسيت ما حدث لهم عندما فقدوا قوتهم؟ النظام لا يرحم الضعفاء. تذكّر من تكون.
نحن لن نتحمل المزيد من الخسائر. أتتذكر، لقد كنا جميعا معا نحارب و نضحك و نتسابق معًا.. رغم عددنا الكبير الا اننا كنا نمضي مع بعضنا.. مهما كانت المهمة.. كنا نتوجه اليها معا، رغم اختلاف شخصياتنا و اسلوب قتالنا الا اننا كنا نهزم المئات بل الآلاف من الأعداء دفعة واحدة.. لا نعلم ما ان كانت قصة بلوراتنا صحيحة.. او الشمس التي ضحت بحياتها من اجلنا.. الا اننا نحمي ذلك النجم.. انا اعتقد اننا اخذنا مهمتنا في الحماية كسبب لبقائنا معا.. لنواجها الوحدة معا نحن "الإخوة الأربعة عشر" لذا أرجوك لا تنقص العدد أكثر من هذا، انا اتوسل اليك.."
وقف المريخ متنهدا، وأضاف قبل أن يرحل:
"إذا تحسنت، فسأنتظرك في مقري. لا تتأخر."
اغمض الأرض عينيه الزرقاوتين، وهمس بصوت ضعيف:
"مختار؟ لا تكرر هذه الكلمة مرة أخرى..."
غادر المريخ الغرفة بخطوات ثابتة، لكن داخله كان يعجّ بالأفكار المتشابكة. وبينما كان يعبر الممر، اصطدم بنظرة قمر المُصاب
"أوه.. سيد مريخ.. أكنت تزور سيدي؟" تساءل بصوت خافت، محاولًا إخفاء توتره.
توقف المريخ للحظة، ثم أجاب بلهجة هادئة تحمل في طياتها جليدًا خفيًا:
"نعم، كنت قلقًا عليه بعد الحادثة الأخيرة. بالمناسبة، من تعتقد أنه السبب وراء حالته المزرية هذه؟"
ابتلع مورڤ ريقه، لقد كان سؤالًا لا مهرب منه، وكان يعلم أن أي إجابة خاطئة قد تجرّ عليه سخط رئيس الكوكب الأحمر. لم يكن لديه خيار سوى مواجهة الحقيقة:
"السبب؟ أمم.. جميعنا نعلم أن سكانه هم السبب. إنه يحبهم كثيرًا.. لكنه لا يدرك أنهم أصل كل هذه المصائب."
ساد الصمت للحظة، وكأن العالم كله توقف عن التنفس. ثم قطع المريخ السكون بنبرة أخفت لكن أشد وقعًا:
"إذا كنت تعرف المشكلة، لماذا لا تنبهه؟ أنت الأقرب إليه."
تحركت عينا قمر الأرض ببطء نحو الأرضية، وكأن نظرات المريخ كانت تثقل كاهله. أجاب بصوت بالكاد يُسمع:
"لقد حاولت.. لكنه دائمًا يثور.. لا يسمح لأحد بالتحدث عنهم بسوء. في الماضي.. كان غضبه أسوأ مما رأيته الآن."
حدّق فيه المريخ طويلًا، كأنه يبحث عن شيء بين كلماته، ثم ضيّق عينيه وقال بحدة:
"هل كنت تتنصت على حديثنا؟"
ارتبك قمر الأرض، وتلعثم:
"لـ.. لا! بالطبع لا! كنت هنا طوال الوقت!"
لم يبدُ المريخ مقتنعًا، لكنه ابتسم ببرود وقال بصوت منخفض، يحمل تهديدًا خفيًا:
"هاه. حسنًا، لا بأس. لكن إن كررت فعلتك، سيكون عليك الاختيار بين أن أقتلك بنفسي.. أو أن أخبر الأرض أنك شتمت سكانه."
تجمد قمر الأرض في مكانه، وكأن الزمن توقف حوله، بينما شعر بأن برودة المريخ طوقت أنفاسه. فجأة، انبعث صوت ضحكة من زاوية الغرفة، تبعها صوت ساخر:
"يا لك من جبان، مورڤ!"
لكن الضحكة اختفت بمجرد أن زأر المريخ بغضب:
"ديموس! هيا بنا، تأخرنا على فيبوس! كل المهام تنهال عليه الآن!"
رحل المريخ تاركًا خلفه قمر الأرض واقفًا كتمثال من الرهبة. لكن ما لبث أن جمع شتات نفسه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يدخل إلى الغرفة حيث يتعافى الأرض. جلس بجواره، حدّق فيه بحزن، ثم همس بصوت مخنوق:
"آمل أن تكون بخير، سيدي..."
لكن الكلمات بالكاد خرجت من شفتيه، حين انفتح جفن الأرض ببطء، لتظهر عيناه المتوهجتان بالغضب وهو يسأله بحدة:
"أين كنت طوال الوقت؟"
تردد مورڤ قليلًا قبل أن يجيب:
"كنت أتحدث مع السيد مريخ.. يبدو أنه كان قلقًا عليك."
زمجر الأرض بانزعاج:
"لا أريد سماع ذلك. هل فعلت ما طلبته منك؟"
أومأ قمر الأرض بسرعة، محاولًا الحفاظ على هدوئه:
"نعم، سيدي. المفتاح النجمي مخبأ في المكان الذي أشرت إليه."
ساد الصمت مجددًا، قبل أن يغمغم الأرض بنبرة ثقيلة:
"جيد. أنت لا تخيب أملي أبدًا... الاحتياط واجب. لا أريد أن يقع في الأيدي الخطأ. خاصة أنني... غير مطمئن حيال الأمر."
———⟡ ☽ ⟡———
و على بعد سنوات ضوئية من هنا، وعلى كوكب بلوتو تحديدًا، او هذا ماكان يسمّى، كان المشهد مختلفًا تمامًا.
وقف بلوتو أمام أقماره الخمسة، أما المجهول الذي كان بجانبه، وقال بصوت غاضب:"سخِروا منا، أهانونا، طردونا من النظام الشمسي! لن نقف مكتوفي الأيدي بعد الآن! زعيمكم يريد الانتقام. فماذا يريد أقماري؟!"
صرخ الجميع بصوت واحد عازمين على تحقيق النصر: "الانتقام!"
لكن هذه المرة من صرخ بأعلى صوته كان قمر بلوتو الثاني نيكس! هل.. يحاول التظاهر بالموافقة.. الإجابة ببساطة هي.. لا..
عاد الضيف و بلوتو الى مقر هذا الأخير، و ابتسم وقال: "نحن الآن في آخر الطريق. أحسنتما عملًا، أنت ونيسو. خطتنا التالية هي..."
أكمل نيسو، الشخص الثاني الذي بدا ضعيف البنية بلون أقرب الى البنفسجي مع نظّارات دائرية تغطي عينه اليمنى:"المفتاح و القفل النجمي."
فما حقيقة المفتاح و القفل النجمي؟