بعد سنوات كونية طويلة، مليئة بالصمت الذي سيطر على المجرة منذ تلك الحادثة، انطلق صوت المريخ فجأة عبر أجهزة اتصال غريبة، محملاً بثقلٍ لم يعتده أحد. صوته ارتجف قليلاً، لكنه كان واضحًا:

"الجميع... هل أنتم هنا؟"

ردت أصوات متفرقة، بعضها متلهف، وأخرى مشوشة، كأنها تحاول أن تستوعب ما يحدث. كانوا جميعًا يضعون أيديهم على آذانهم، وكأنهم يحاولون حمايتها من شيء ما، شيء لم يجرؤوا على مواجهته بعد.

"هنا."

"ماذا هناك؟"

"تكلم بسرعة."

تنهد المريخ بعمق، وكأنه يحاول أن يجمع شجاعته قبل أن يقول بجدية:

"انتظركم جميعًا في سيرومي."

تردد صمت ثقيل، لكن أورانوس قطعه بصوت حاد، لدرجة أنه بدا وكأنه يحاول أن يخفي خوفه وراء غضبه:

"لماذا؟ ماذا حدث يا مريخ؟"

خفض المريخ صوته قليلاً، لكنه كان محمّلًا بقلق عميق، كأن كل كلمة يقولها تكلفه جهدًا هائلاً، ثم دوى بجملة قلبت المقاييس رأسًا على عقب:

"لا تتأخروا... لقد وجدت شيئًا... يخص بلوتو."

تشنجت الأجواء، و انحبست أنفاس الجميع، كان اسم بلوتو وحده كافيًا لإشعال ذكريات مؤلمة، ذكريات تملأها الألم والغم. صوت عطارد ارتجف وهو يهمس:

"ب... بلوتو؟!"

أجاب المريخ دون أن يترك فرصة للإستغراق في صدمتهم، وكأنه يخشى أن يقول أكثر مما يجب:

"لا وقت للشرح، جميعكم ستكونون هنا الآن."

لم يمضِ وقت طويل حتى وصل الرؤساء لى المدينة المريخية عبر بواباتهم الفضائية، ليجدوا المريخ واقفًا في انتظارهم، تعلو وجهه ملامح لم يألفوها من قبل. كان يقبض يديه بإحكام، كأنه يحاول أن يكتم شيئًا أثقل من أن يُقال بسهولة.

تقدم أورانوس بخطوات ثابتة، ونظر إلى المريخ بترقب:

"ما الأمر؟ قلت إنك وجدت شيئًا يخص... بلوتو."

أومأ المريخ، لكنه لم يتحدث على الفور. انقبض فكه، وظهر على وجهه تعبير متشابك بين الغضب والتردد، بدا وكأنه يحارب نفسه قبل أن ينطق أخيرًا:

"لست أنا من وجده... بل فيبوس."

اتسعت عينا المشتري، كانت اليمنى بلون أحمر فاتح، بينما الأخرى ذهبية مشعة. سأل بنبرة متوجسة:

"وأين فيبوس الآن؟"

أدار المريخ عينيه بعيدًا، كان يحاول اختيار كلماته بحذر ثم قال ببطء، وكأنه يخشى وقعها على الحاضرين:

"إنه يخضع لـ 'كاستبيس 210'."

حبس زحل أنفاسه، ثم همس بذهول وكأن جسده رفض تصديق ما سمعه:

"م... ماذا؟ لماذا"

قطب المشتري حاجبيه بقلق واضح، خطوتان للأمام، ونبرة صوته انخفضت لكن حملت خطورة أكبر:

"الكاستبيس؟! كم أكره ذلك المكان... أخبرنا بالتفاصيل."

ألقى المريخ نظرة على وجوههم جميعًا، ثم قال بصوت جاد لكنه محذر:

"حسنًا، لكن أرجو منكم عدم إخبار ديموس بما حدث... أنتم تعلمون مدى حبه لفيبوس، وإذا علم بالأمر..."

أومأ الجميع بتفهم، لم يكن هناك حاجة للمزيد من الشرح.

فأكمل المريخ:

"عندما أخبرني فيبوس أنه سيذهب لتفقد الهالة التي رُصدت، لم أمنعه.. كنت واثقًا من قوته. لكنني، كعادتي، كنت أتعقبه عبر البوليتاس الخاص به. عندما تأخر، شعرت بقلق لم أعهده من قبل، خاصة تجاهه. استشعرت طاقته، لكنها كانت ضعيفة... بالكاد خمسة و عشرين بالمئة من مستواها المعتاد. لم أتردد، وانطلقت فورًا. وعندما وجدته..."

توقف لبرهة، وبدت على وجهه ملامح انزعاج عميقة الذكرى وحدها تؤلمه. ثم تابع، صوته الآن يحمل نبرة مشوبة بالانزعاج والرفض:

"كان واقفًا على قدميه، بالكاد يلهث... قال لي بصوت متقطع: 'لا يكفي أنه ضعيف، بل جبان أيضًا... أنا لم أسقط، لذلك... أنا لم أخسر.' ثم ابتسم لي... ابتسامة غريبة لم أفهمها."

كان صوت المريخ وحده يعلو في القاعة، حتى تجرأ أحدهم وسأل، بنبرة متوجسة:

"من... من هذا الجبان؟ لماذا"

المريخ، رغم وضوح علامات الرفض على وجهه، لكنه رفع يده ببطء... شيء يتدلى منها، بلون باهت، مألوف أكثر مما ينبغي.، ليكشف عن إسوارة بلون خافت مؤلوف للجميع تتدلى من راحة يده المرتجفة.

همس الزهرة وهو يحدق في القلادة التي يمسكها المريخ:

"هذه... هل هذه تخص بلوتو؟"

نظر الجميع إليها، في صدمة خرساء، بينما تمتم المشتري مترددًا:

"م... ما هذه؟!"

ضاقت عينا المريخ، وغمغم بصوت منخفض:

"إذا كان بلوتو هو من فعل هذا، فسأعرف بمجرد أن تطأ قدماه كوكبي، كما يعرف الجميع، لكني لم أشعر بأي بوليتاس يخصه.."

لكن الأرض، الذي ظل صامتًا طوال الحديث، شحب وجهه فجأة، فتح عينيه على اتساعهما ثم قال:

"ماذا تكون هذه؟ لح... هي زرقاء اللون، خيطها يبدو غريبًا قليلاً؟"

أومأ أورانوس، أخذ خطوة للوراء، وقال بنبرة مشحونة بالتوتر:

"إنها... إنها تطابق قلادتي المرتبطة مع بلوتو."

حدّق الجميع به بدهشة.

انتقلت نظرات الصدمة بين الجميع، وكأنهم توصلوا إلى اكتشاف لم يكونوا مستعدين له؛ أخرج الزهرة أقراطًا، أما المشتري فحمل خاتمًا، في حين أكمل أورانوس و زحل باقي الإكسسوارات بحزام وسوار.. جميعها تحمل نفس اللون الرمادي.

لكن الأرض، والمريخ، و نبتون كانوا الوحيدين الذين لم يتلقوا أي هدايا من بلوتو.

وفجأة، وبدون سابق إنذار، صرخ الأرض:

"انزعوا هذه الأساور... حالًا!"

"تشنج الجميع، المريخ قطب جبينه وسأله بحدة:

"ماذا؟ ما خطبك، أرض؟!"

كان هذا الأخير يرتجف، لكنه أكمل، بصوت أقرب إلى الهذيان:

"لدي شعور سيئ تجاهها، لكني... لا أعلم لماذا!"

ضحك المريخ بسخرية، ثم قال:

"هاه، أيعقل أنك تغار لأنه لم يعطك هدية؟"

تلعثم الأرض:

"ر... ربما... مهلاً، هو لم يعطك أيضًا!"

ابتسم المريخ ابتسامة باردة، وكأنه كان يتوقع هذا، وقال بهدوء عميق:

"هذا لأنني لم أشغله بهمومي... وهموم كوكبي."

ساد صمت غريب، حتى نطق الزهرة بحذر:

"عن ماذا تتحدث؟"

رفع المريخ عينيه إليهم، ثم همس بكلمات جعلت الجميع يعيد حساباته:

أطلعني بلوتو عما يحدث معكم، كلما أتى للتحدث معكم تسببتم بالمشاكل والهموم. منذ متى ونحن نُقحم هذه العوائق الساذجة في علاقتنا؟

و أكمل حديثه و قد غاص بالفعل في بحر الذكريات...

كان الجو يحمل مزيجًا غريبًا من السكون والتوتر، كأن الهواء نفسه يراقب كل كلمة تُقال. السماء فوقهم تمتد بلونها الأرجواني العميق، مرصعة بآلاف النجوم التي تنبض بوهج خافت، كأنها تسترق السمع إلى الحديث الدائر.

نظر بلوتو إلى صاحب الكوكب بترقب، ثم سأل بصوت هادئ لكنه مشحون بشيء خفي:

– هل تسير الأمور بشكل جيد في كوكبك؟

توقف برهة، بدا السؤال غير متوقع، لكن المريخ أجاب بثقة:

– أجل... لكن، لماذا هذا السؤال المفاجئ؟

ابتسم الآخر ابتسامة باهتة، وكأن في داخله شيئًا لم يُفصح عنه بعد، ثم قال:

– أنا سعيد لسماع ذلك... الآخرون يعانون، يشتكون، يتخبطون بين مشاكل لا تنتهي. لكنك أنت... والأرض، لم تفعلا مثلهم.

لم يفهم المريخ كلمات صديقه.. لكنه لم يستفسر عنها، لأنه أدرك أن بلوتو سيوضح كل شيئ في حديثه التالي. و بالفعل، أكمل بلوتو كاماته بعد تنهيدة غريبة:

– أنا أعرف وضع الأرض و مشاكله مع الأرضيين، وأعرف وضعك أنت، ومشاكلك مع... الأرضيين... هاهاها!

ضحك ضحكة قصيرة لكنها لم تخلُ من الغموض، ثم ازدادت ملامحه جدية وهو يكمل:

– لكن، حقًا، أريد مساعدتهم جميعًا... فقط لا أعلم كيف؟

ساد صمت قصير، قبل أن يسأله الآخر فجأة، كان سؤالا غير معتاد من رئيس الكوكب الرابع:

– أتعرف ماذا قال "شيشرون" عن هذا؟

رمقه بلوتو بنظرة مستغربة، عقد حاجبيه وهو يردد:

– شيشرون؟ من هذا؟

أجاب المريخ بابتسامة جانبية ساخرة:

– أحد سكان كوكب أخينا.

أطلق بلوتو ضحكة ساخرة قبل أن يعقّب:

– تبا يا رجل، ما أغرب أسماءهم!

هز رأسه ببطء، وكأن بينه وبين هذه الأسماء ألف حكاية، ثم قال:

– نعم، هذا بحد ذاته اتفاق كوني. لكن الأرض نفسه هو من نقل كلامه، وكم كانت السعادة تغمره حينما يروي شيئًا بسيطًا عن سكان كوكبه...

توقّف قليلًا، كأنه يتذكر شيئًا، ثم همس بصوت خافت لكنه عميق التأثير:

– كان يقول: "الحجر الأساس في بناء الصداقة هو..."

باغته بلوتو باندفاع غير متوقع، وكأن الكلمات خرجت منه قبل أن يدركها:

"هدية"

المريخ، رغم ثباته الظاهري، كان يُحدّق في بلوتو بعينين تشعان فضولًا ممزوجًا بقلق خفي. نبرته، وإن بدت هادئة، حملت شيئًا من الحذر وهو يطرح سؤاله:

– الوفـ... ماذا؟

لكن بلوتو لم يكن يستمع له، كانت عيناه تلمعان بذلك البريق الذي اعتادوا رؤيته حينما تعتريه فكرة عظيمة. امتلأ صوته بالحماس وهو يردّد:

– سأهدي لهم هدايا! الهدية تُسعد في النهاية، أليس كذلك؟...

لم يمنحه المريخ فرصة ليستمر، فسأله بسرعة:

– لكن... ما هي الهدية؟

أطرق بلوتو رأسه قليلًا و هو يفكر بتمعن، ثم رفعه بابتسامة غامضة:

– هممم، إنها هدية خاصة... لا تقلق، سأجلب لك واحدة أيضًا!

ارتبك المريخ، ورفع يده ليعترض:

– لا، أنا لا...

لكن صوته اختفى في الفراغ، فقد كان بلوتو قد خارجًا بالفعل، خطواته تتسارع و يملؤه حماس لا يُوقف. الطريقة التي انطلق بها خارج الغرفة كانت أشبه بنجمٍ يقفز إلى المجهول دون تفكير.

حدّق المريخ في المكان الذي اختفى منه، ثم زفر بضيق وهو يتمتم:

– هاااه، إنه دائمًا مستعجل...

فور انتهاء المريخ من كلامه عم صمت ثقيل المكان بأسره، لكن قبل أن يفتح أحد فمه، دوّى صوت طرق على الباب.

تجمد الجميع في أماكنهم، و شد رئيس سيرومي رأسه كأنه يعلم من يقبع خارج الغرفة حتى جاء قول هادئ، لكنه محمل بشيء غير مريح:

- "سيدي... إنه أنا، ديموس."

لفّ المشهد صمت مربك، كأن الكلمات اختنقت قبل أن تُنطق، تجمدت نظرات الجميع، لكن المريخ نطق بحذر:

- "م.. مرحبا ديموس"

تردد الصوت خلف الباب، ثم علا بنبرة ثابت:

- "هل أستطيع الدخول؟"

نظر المريخ إلى الجميع، ثم ابتلع ريقه وقال:

- "ع... عذرًا ديموس، أنا في اجتماع عاجل مع القادة."

على الجانب الآخر من الباب، ساد صمت ديموس، قبل أن يقول ديموس بنبرة أكثر حدة:

- "أوه... السادة القادة هنا؟ عذرا على التطفل."

تسارعت أنفاس المريخ مع قول قمره:"إذاً، هل لي بسؤال؟"

رد المريخ مترددا و هو يدعو ان لا يذكر قمره الآخر:

- "أ... أكيد."

- "فيبوس... هل رأيته؟"

فكيف سيتعامل المريخ مع هذا الموقف؟

2025/03/14 · 49 مشاهدة · 1442 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026