"كليك!"
صوت انفتاح القفل النحاسي الصدئ على الصندوق الخشبي تردد في الغرفة التي غمرها الآن ذلك الضوء الذهبي الدافئ القادم من النافذة المفتوحة.
للحظة، شعرت بالراحة، شعور بأنني وجدت الحل.
ليليا، التي كانت تقف بجانبي، وابتسامة بريئة وهادئة ترتسم على شفتيها بعد رؤيتها لضوء الشمس واحتراق تلك الدمية البورسلين اللعينة، تقدمت ببطء نحو الصندوق.
لم تعد تبكي ..
عيناها البنيتان الكبيرتان كانتا تحدقان في الصندوق بفضول وترقب، كأنها تنتظر أن تجد فيه شيئًا ثمينًا قد فقدته منذ زمن بعيد.
هل هذا هو؟ … العنصر الجوهري .. مفتاح الخروج .
انحنت ليليا، ومدت يدها الصغيرة نحو غطاء الصندوق الخشبي القديم.
ترددت للحظة، ثم، بنفس تلك البراءة التي جعلتني أثق بها وأتعاطف معها، رفعت الغطاء ببطء.
نظرت إلى ما بداخل الصندوق بأبتسامة … ليتحول فورًا إلى اشمئزاز !
"ه-هذا ! .."
ما رأيته في الداخل ... جعل الدم يتجمد في عروقي.
لم يكن هناك كنز، ولا دمية مكتملة، ولا أي شيء يمكن أن يجلب السعادة لطفلة.
في قاع الصندوق، على قطعة من القماش المخملي الأحمر الباهت، كانت ترقد ...
أصابع بشرية مقطوعة !!
خمسة أصابع صغيرة، تبدو وكأنها أصابع طفل أو امرأة، مصفوفة بعناية، ولا تزال تنزف دمًا أحمر داكنًا ولزجًا، يلطخ القماش المخملي ويملأ الغرفة فجأة برائحة خافتة وحلوة ومقززة للحديد والتعفن.
"ما. .. ما هذا ... بحق الجحيم؟!" تمتمت بصدمة، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وشعرت بأن معدتي تتقلب بعنف.
اللعنة أشعر أنني أريد أن أتقياء ..
'أصابع مقطوعة؟ هل هذا هو السر الذي كانت تخشاه أم الذي نسيته؟'
لكن ليليا ... لم تصرخ.
لم تبكي .. لم تظهر أي علامة من علامات الخوف أو الاشمئزاز.
بدلاً من ذلك، نظرت إلى تلك الأصابع المقطوعة التي كانت تنزف في الصندوق، ثم رفعت رأسها ببطء لتنظر إليّ.
"هيهي …"
وعلى شفتيها ... ارتسمت ابتسامة.
ابتسامة لا تزال بريئة، وطفولية ولكت الأن … بدأت أنها على غير محلها.
ببطء دمعة واحدة انزلقت على خدها الشاحب.
لم تكن دمعة حزن، ولا دمعة فرح. كانت ... دمعة فارغة، كأنها مصنوعة من الزجاج.
"شكرًا لك، آدم،" قالت بصوتها الطفولي، ولكن كان هناك شيء مختلف في نبرتها الآن، شيء جعل شعر جسدي كله يقف.
"هذا ... هذا آخر ما تبقى من جثمان والداي."
نظرت إلي بتلك الابتسامة البريئة والمخيفة في نفس الوقت.
"الذين. .. قتلتهم بنفسي، قطعة قطعة."
ثم، وبصوت أصبح فجأة أعمق وأكثر نضجًا !
"لقد تذكرت الآن. شكرًا لك ... على مساعدتي في فتح ذكرياتي."
في تلك اللحظة، شعرت بأن العالم من حولي ينهار.
"تشششش!!!"
الضوء الذهبي الدافئ الذي كان يملأ الغرفة من النافذة المفتوحة بدأ يخفت بسرعة، ويتحول إلى وهج أحمر دموي ومقلق.
الغرفة نفسها بدأت تتشوه !
ورق الجدران الزهري الباهت أصبح الآن مغطى ببقع داكنة تشبه الدماء الجافة، والنقوش عليه بدت وكأنها تتحول إلى وجوه تصرخ بصمت.
"كلاك !!"
الأثاث القديم بدأ يصدر أصوات طقطقة وتكسر، كأنه على وشك الانهيار.
نظرت حولي بذعر، محاولًا فهم ما يحدث.
'ماذا يعني هذا !!'
عيناي وقعتا على ركن الغرفة المظلم، وهناك ... كان يرقد رجل غريب لم أره من قبل.
ملقى على الأرض في وضعية ملتوية وغير طبيعية، وثقب رصاصة أسود ومروع يخترق رأسه، والدماء تتسرب من حوله لتشكل بركة داكنة على الأرضية الخشبية.
'من ... من هذا؟!' صرخت في ذهني، وشعرت بالرعب يجتاحني.
أعدت النظر بسرعة نحو ليليا، التي كانت لا تزال تقف أمام الصندوق المفتوح، ولكن ابتسامتها البريئة قد اختفت تمامًا، وحل محلها نظرة سلمية، وعيناها البنيتان الكبيرتان أصبحتا الآن تحدقان في..
وفي يدها الصغيرة ... كان هناك كتلة سوداء !
كتلة سوداء ولامعة، تبدوا ثقيلة بشكل لا يتناسب مع حجمها، وموجهًا بدقة نحو صدري.
'مسدس؟ من أين ...؟' لم أستطع إكمال التفكير.
"كيااااااااااااااااااااااااااااااااااااه!!"
صرخة حادة ومفاجئة، ليست من ليليا، بل من مكان ما خلفي، اخترقت الصمت المشوه.
استدرت بصدمة ورعب، وقلبي يكاد يتوقف.
في المكان الذي كانت فيه النافذة التي أطلقت منها أشعة الشمس الذهبية قبل لحظات، لم يعد هناك أي ضوء.
النافذة، التي كانت تطل على حديقة جميلة، أصبحت الآن تطل على ... ليل حالك، وقمر أحمر ضخم ومرعب يحدق فينا من سماء سوداء بلا نجوم.
قي وسطه كانت تقف هناك امرأة جميلة، تشبه ليليا إلى حد كبير، ولكنها أكبر سنًا، وملامحها تحمل تعبيرًا من الرعب وعدم التصديق.
كانت تحدق فيي، أو ربما في ليليا التي كانت تقف خلفي الآن وتوجه مسدسها نحوي.
"بووووم!!!"
قبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، أو حتى من الصراخ، رأيت وميضًا سريعًا !
رصاصة سريعة، أسرع من أي شيء رأيته من قبل، اخترقت صدر المرأة الجميلة.
"ل .. لماذا ...؟" تمتمت المرأة، والدماء تتفجر من صدرها، وعيناها الزجاجيتان تحدقان في ليليا بصدمة.
ثم، وببطء، سقطت على الأرضية الخشبية، محدثة صوت ارتطام مكتوم.
"بام !"
لم أستطع أن أصدق ما رأيته. ليليا ... تلك الطفلة البريئة والحزينةد... قد أطلقت النار للتو على ... أمها؟
"فوشس !"
ثم، وبشكل مفاجئ وعنيف، ابتلعنا الظلام مرة أخرى.
الضوء الأحمر الدموي من القمر، وجثة الرجل الغريب، والمرأة التي سقطت للتو، وحتى ليليا بمسدسها .
كل شيء اختفى …
لم يعد هناك سوى ظلام دامس، وصمت مطبق، ورائحة خافتة من .. الحديد؟
'ماذا بحق الجحيم ... قد حدث للتو؟'
****
**^
"حسنًا .."
انطلقت نور أكيم وسام أوينز كشبحين صغيرين في الرواق الطويل والمظلم، خطواتهما حذرة ومترددة.
كل منهما يتفحص الجدران والأرضية والسقف بعينين متوترتين.
تركتهم لمهمة خاصة .. العثور على طريقة لتشغيل المصعد.
أعرف في قرارة نفسي أن فرص عثورهم على مخرج طوارئ أو آلية سرية في هذا المكان الملعون كانت شبه معدومة.
لكن كان يجب أن أحافظ على مظهري كقائد للفريق، وكان يجب أن أعطيهم هدفًا، حتى لو كان وهميًا.
التفت نحو اللوحة الفارغة التي ابتلعت آدم.
كانت لا تزال مجرد قطعة قماش بيضاء باهتة، لا حياة فيها، ولا أي أثر لما حدث.
لمست إطارها الخشبي القديم بحذر، وشعرت ببرودة غريبة تتسرب إلى أصابعي.
"هل أنت هناك يا ليستر؟" سألت في صمت.
كيف سأقابل والدي عند فقدان احد اعضاء فريقي في اوائل مهامي؟
"……"
لم يكن هناك أي رد.
ثم .. انتقلت إلى لوحة الفتاة الصغيرة التي كانت لا تزال تبكي دمًا، ويدها تشير إلى الفراغ حيث كانت لوحة آدم.
وقفت أمامها لدقائق طويلة، أتفحص كل تفصيل فيها، أحاول أن أجد أي تغيير، أي إشارة، أي شيء قد يكون مفتاحًا.
"ماذا تريدين؟" همست للوحة، وشعرت بالغباء يغمرني.
"هل أنت من أخذته؟ هل يمكنك إعادته؟"
الصمت …
فقط وجه الفتاة الشاحب، ودموع الدم التي كانت تسيل ببطء، وذلك الحزن العميق الذي بدا وكأنه يمتد إلى ما لا نهاية.
الألم في ساعدي الممزق بدأ يزداد حدة، وشعرت بالدوار يداهمني للحظات.
تجاهلته، وأجبرت نفسي على التركيز.
لا يمكنني أن أضعف الآن.
عدت إلى لوحة آدم الفارغة.
ثم إلى لوحة الفتاة.
ثم إلى اللوحات الأخرى التي كانت تعرض انعكاساتنا المشوهة، والتي أصبحت الآن أكثر بشاعة ورعبًا.
وجهي المرسوم كان قد بدأ يتقشر بالفعل، وتظهر تحته عظام رمادية بارزة، وعين نور في لوحتها أصبحت سوداء تمامًا، كأنها ثقبان في الفراغ.
وابتسامة سام اتسعت أكثر، وكشفت عن صفوف من الأنياب الحادة الغير بشرية.
'هذا المكان... إنه كتلة من المشاعر السلبية'، فكرت، وشعرت بالقشعريرة تسري في جسدي.
'كلما طال بقاؤنا هنا، كلما أصبحنا أقرب إلى أن نصبح مثل هذه الانعكاسات الملعونة.'
مر الوقت ببطء شديد، كأنه قطرات من الماء البارد تسقط على جبهتي.
كل دقيقة كانت تبدو وكأنها دهر.
كنت أتنقل بين اللوحات، أبحث، أحلل، أفكر، ولكن دون أي جدوى ..
عقلي، الذي كان عادة ما يكون حادًا كالشفرة، بدأ يشعر بالخمول والإرهاق تحت وطأة ألم ذراعي، والغموض الذي لا يمكن تفسيره في هذا المكان.
"كيك .. كيك …"
سمعت صوت خطوات …
نظرت إلى أتجاه الصوت بمرارة.
نور وسام وهما يعودان من الطرف الآخر .. كانت خطواتهما ثقيلة وبطيئة.
"هل وجدتما شيئًا؟" سألت، وأنا أحاول ألا أظهر مدى تعكر مزاجي.
هزت نور رأسها، ووجهها شاحب ومتسخ من الغبار.
"لا شيء، أيها القائد. لا شيء على الإطلاق. هذا الرواق ... يبدو وكأنه لا نهاية له .. وجدنا بعض الممرات الجانبية، ولكنها كانت كلها مسدودة أو تؤدي إلى غرف فارغة ومغبرة تشبه هذه تمامًا … لا يوجد أي مخرج، ولا أي طريقة، ولا حتى أي تلميح."
"واللوحات ... اللوحات التي تشبهنا ..." أضاف سام بصوته الخافت، وهذه المرة كان هناك ارتعاش واضح في نبرته.
"إنها ... إنها تزداد سوءًا. كأنها ... كأنها على وشك أن تخرج من إطاراتها."
نظرت إلى لوحاتنا المشوهة.
كان محقًا !
بدت وكأنها أصبحت أكثر حية بطريقة مرعبة، وأكثر تهديدًا.
'ساعة كاملة...' فكرت، وأنا أنظر إلى جهاز الكاردينال على معصمي.
لم يكن مصمم لحساب الوقت بشكل عام مساء أو صباح .. بل يحسب الدقائق ويراكمها.
[69:23]
'لقد مرت بالفعل ساعة كاملة في هذا الجحيم، ولم نحقق أي تقدم. وآدم ... لا يزال مفقودًا.'
شعرت بأن موجة من اليأس البارد والقارس تجتاحني، وتجمد ما تبقى لدي من إيجابية.
لقد وصلنا إلى طريق مسدود تمامًا.
لم يكن هناك أي شيء يمكننا فعله.
كنا مجرد فئران في متاهة لا مخرج لها، ينتظرنا مصير مجهول ومرعب.
'آدم... أنا آسف'، همست في ذهني.
سأتركك ... لقد فشلت كقائد، وفشلت كزميل.'
كنت على وشك أن أقترح عليهم أن نعود للمصعد وننتظر، أو ربما نحاول كسر إحدى اللوحات.
عندما وقعت عيناي مرة أخرى على لوحة الفتاة الصغيرة التي تبكي دمًا.
كانت لا تزال كما هي، لم تتغير.
يدها الصغيرة لا تزال تشير إلى الفراغ حيث كانت لوحة آدم .. وذلك الحزن العميق لا يزال يملأ عينيها المغلقتين.
'يجب أن يكون هناك شيء ... أي شيء'، فكرت.
لا يوجد لغز دون حل.
لماذا هي الوحيدة التي لم تتغير؟ لماذا لا تزال تشير إلى مكان آدم؟ هل هي تحاول أن تخبرنا بشيء؟
وبعد أن استنفدت كل الخيارات المنطقية التي استطاع عقلي أن يفكر فيها، اتخذت قرارًا.
قرارًا قد يكون غبيًا، أو متهورًا، أو عديم الفائدة تمامًا. ولكن لم يكن لدي أي شيء آخر أفعله.
"سأعود إلى تلك اللوحة،" قلت بصوت هادئ، وأنا أشير إلى لوحة الفتاة.
"لوحة الفتاة الباكية. يجب أن يكون هناك شيء فيها. يجب أن يكون."
نظرت إلي نور وسام بقلق. "ولكن يا ليو ... لقد حاولت بالفعل. لم تستجب."
"سأحاول مرة أخرى،" قلت بحزم، على الرغم من أنني لم أكن أملك أي خطة واضحة.
"ربما ... ربما فاتني شيء. أو ربما ... يجب أن أسألها السؤال الصحيح."
تقدمت نحو اللوحة مرة أخرى، ووقفت أمامها.
نظرت إلى ذلك الوجه البريء الذي يبكي دمًا، وإلى تلك اليد الصغيرة التي تشير إلى العدم.
'ماذا تريدين منا؟' صرخت في ذهني.
'ما هو سرك؟ ولماذا تبكين دماءً؟'
لم أكن أتوقع أي إجابة.
كنت على وشك أن أستدير وأعلن عودتنا للمصعد.
"تبًا لك … أيتها العاهرة الصغيرة !!"
ولكن في تلك اللحظة … سمعت صوت.
صوتًا غاضب !!
****
القاعدة الأولى للمستكشفين: لا تثق بالكائنات داخل الرعب.