"تبًا لك... أيتها العاهرة الصغيرة!!!"
صوت مألوف، لكنه مشحون بغضب.
تجمدت في مكاني، والتفت بسرعة البرق نحو البقعة الفارغة حيث ابتلعت اللوحة آدم.
بجانبي، قفزت نور وسام من مكانهما، وعيونهما متسعتان كأنهما رأيا شبحًا.
ما رأوه جعل قلوبهم تتوقف.
"فوشش !!"
سطح القماش الأبيض الذي كان فارغًا بدأ يتموج ويتشوه، كسطح ماء مضطرب .. ثم، وبشكل عنيف، انفجر من المنتصف، كأن يدًا غير مرئية قد لكمته من الداخل.
"بووووم!!!"
ومن خلال الثقب الممزق، قذف جسد آدم إلى الخارج بقوة، كأنه مقذوف من مدفع.
"بام ! .. بام !"
ارتطم بالأرضية الخشبية القديمة بقوة، وتدحرج عدة مرات قبل أن يتوقف، ملقى على ظهره، وهو يلهث ويتأوه من الألم.
كانت ملابسه ممزقة ومغطاة بشيء لزج وداكن بدا وكأنه ... دم جاف؟
"آدم!" صرخت نور، واندفعت نحوه، لكنني أمسكت بذراعها بسرعة.
"انتظري، نور! لا تقتربي بعد!" قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا.
'ماذا حدث له هناك؟ هل هو بخير؟ الأهم من ذلك ... هل لا يزال هو آدم الذي نعرفه، أم أنه شيء آخر يرتدي وجهه؟'
"اغغ ... اللعنة، هذا مؤلم ..."
كان آدم يحاول النهوض بصعوبة، ووجهه شاحب كالأموات، وعيناه الرماديتان تحملان نظرة منزعجة.
كان شعره الأسود الفوضوي ملتصقًا بجبينه المتصبب عرقًا، وجرح صغير ينزف فوق حاجبه الأيسر.
"طفلة؟ مؤخرتي..." قال بصوت أجش ومتقطع، وهو ينظر باشمئزاز إلى اللوحة الممزقة التي قذفته، والتي عادت الآن لتهدأ وتصبح مجرد قطعة قماش بالية.
"لم يكن عليّ لعب دور الأب الحنون ... تبًا."
ثم نظر إلينا، وفي عينيه نظرة متفاجئة، كأنه لم يلاحظ وجودنا إلا الآن.
"يجب أن نخرج من هنا ... الآن!" قال بصوت عالٍ ومفاجئ، وهو يحاول الوقوف على قدميه المرتجفتين. "هذا الطابق اللعين أسوأ من سابقه!"
لم أفهم تمامًا ما يعنيه، ولكن رؤية آدم، هذا الطالب الذي كان دائمًا ساخرًا وهادئًا بشكل مقلق، وهو جاد ومذعور بهذا الشكل ..
بسرعة، بدأ عقلي يعمل.
'ماذا رأى بحق الجحيم داخل تلك اللوحة ليجعله بهذه الحالة؟ وماذا كانت تلك الصرخة الغاضبة التي سمعناها؟ ومن هي "العاهرة الصغيرة" التي كان يشتمها؟ هل كانت ... الفتاة الصغيرة من اللوحة الأخرى؟'
الأسئلة كانت تدور في رأسي كدوامة، ولكن لم يكن هناك وقت للإجابات.
"المصعد،" قلت، وأنا أشير إلى نهاية الرواق. "سنذهب للمصعد. آدم، هل تستطيع المشي؟"
'سأستجوبه في المصعد .. الآن، دعنا نخرج بما أن العضو المفقود عاد.'
أومأ آدم برأسه بصعوبة، وهو يتكئ على الحائط.
"أعتقد ..."
نظرت إلى لوحة الفتاة الصغيرة التي كانت لا تزال تبكي دمًا.
لم تتغير... يدها لا تزال تشير إلى مكان لوحة آدم.
'لماذا تشير للوحة آدم؟'
"لا وقت للتفكير في هذا الآن!" قلت بحزم.
يجب أن نعود للمصعد قبل أن يحدث شيء أسوأ.
***
***
[منظور: آدم ليستر]
ليو كان قد بدأ بالفعل في التحرك نحو نهاية الرواق، حيث كان من المفترض أن يكون المصعد ينتظرنا.
"لا وقت للأسئلة الآن!" صاح وهو يشير إلينا لنتبعه. "كل ثانية نقضيها هنا هي خطر إضافي!"
كان محقًا. الأولوية كانت للوصول إلى ذلك المصعد اللعين، والهرب من هذا المعرض الفني المسكون.
وتبعًا لأوامره بدأت بالركض، أو بالأحرى، التعرج والتعثر، في الرواق الطويل والمظلم.
لا يزال جسدي يؤلمني من الإرهاق، لكن الخوف مما قد يكون ينتظرني إذا بقيت هنا كان دافعًا أقوى من أي ألم.
ليو كان في المقدمة، يده السليمة تتحرك باستمرار، يتفحص كل زاوية وكل ظل، بينما يده المصابة كانت مضمومة إلى صدره، ووجهه متيبس.
نور وسام كانا خلفه مباشرة، يلقيان نظرات قلقة خلفهما بين الحين والآخر.
وكنت أنا في المؤخرة، أحاول مواكبة سرعتهم، وجسدي كله يصرخ من الإجهاد.
"اللعنة ..." الرواق يبدو أطول بكثير مما تذكرته.
اللوحات الفارغة ذات الانعكاسات المشوهة كانت تمر بجانبنا، وابتساماتها الخبيثة أو تعابيرها المشوهة بدت وكأنها تتبعنا.
"هل ... هل نحن نقترب؟" سألت نور بصوت لاهث، وهي تنظر إلى نهاية الرواق التي كانت لا تزال تبدو بعيدة بشكل محبط.
"لا أعرف،" أجاب ليو، وتركيزه لم يهتز.
وهكذا واصلنا الركض.
صوت أنفاسي وخطواتنا المتعثرة كانت هي الأصوات الوحيدة التي تكسر الصمت المطبق لهذا المكان.
"هوف ! .. هف هاف !! .. "
بدأت أشعر بأن رئتي على وشك الانفجار، وأن ساقي بالكاد تحملانني.
'هذا غريب'، فكرت وأنا أحاول تنظيم أنفاسي. لقد كنا نسير في هذا الاتجاه لعدة دقائق الآن. كان من المفترض أن نصل إلى المصعد منذ وقت طويل.
ممر … ممر طول … ممر مستمر اطول مما ييدوا .
أنتظر !!
هل يمكن أن يكون ... ؟
فكرة مقلقة بدأت تتشكل في ذهني، ولكنها في هذا المكان الملعون، بدت ممكنة بشكل مرعب.
"ليو!" صحت، وتوقفت فجأة، مما جعل نور وسام يصطدمان بي تقريبًا.
"ماذا هناك، ليستر؟" سأل ليو، وهو يلتفت إلي بنفاد صبر.
"انظر ... انظر إلى تلك اللوحة،" قلت، وأنا أشير بيدي المرهقة إلى لوحة معينة على الجدار الأيسر.
كانت لوحة الفتاة الصغيرة ... تبكي دمًا، ويدها تشير إلى الأمام.
"وماذا في ذلك؟" سأل ليو. "لقد رأيناها من قبل."
"نعم، لقد رأيناها من قبل،" قاطعته، وصوتي يحمل نبرة أعلى وأنا ألتقط أنفاسي.
"لقد مررنا بها للتو ... عندما بدأنا الركض من ذلك الطرف من الرواق .. أليس كذلك؟"
نظر ليو إلى اللوحة، ثم إلي، ثم عاد لينظر إلى اللوحة مرة أخرى. رأيت الارتباك، ثم عدم التصديق، ثم ... الفهم يرتسم على وجهه الشاحب.
"لا... لا يمكن،" همس. "كنت أعتقد أن تكرر اللوحات جزء من سلطة هذا الطابق ..."
"هل نحن ندور في حلقة مفرغة؟"
"أو بمعنى .. الرواق نفسه يتلاعب بنا،" قلت، وشعرت بالهواء البارد يعود ليخيم علي.
"كلما ركضنا نحو المصعد، كلما اتسع الممر، وكلما ابتعد المصعد عنا .. كأننا نجري في مكاننا على شريط متحرك لا نهاية له."
"هذا ... هذا مستحيل!" قالت نور، وصوتها ينكر الأمر.
'حلقة مفرغة ... أو ممر يتمدد'، فكرت.
'كلا الخيارين سيئ.'
"دعنا نجرب شيئًا آخر،" قال ليو، وصوته يحمل تصميمًا مثيرًا للإعجاب.
"بدلاً من الركض نحو المصعد ... دعنا نسير ببطء. ودعنا نحاول أن نسير في الاتجاه المعاكس للحظة."
كان اقتراحًا غريبًا، ولكنه كان أفضل من الاستمرار في الركض بلا هدف.
كان شيء سأفكر به أنا أيضًا ... وهذا يروقني.
قد تكون خطة ليو غبية، لكنها من وجهة نظر أخرى تكون ذكية ومنطقية.
في هذا المكان الذي يلتهم المنطق على الإفطار، ربما كانت خطوة غبية مثل السير عكس التيار هي المفتاح الوحيد الذي لم نجربه.
'فكرة ليست سيئة،' اعترفت لنفسي.
'على الأقل، القائد المصاب لا يزال يمتلك خليتين دماغيتين تعملان، على عكسي أنا الذي لا يزال عقلي يعرض إعادة لفيلم رعب عن فتاة سيكوباثية قتلت والديها. '
أومأت له بالموافقة. أي شيء أفضل من الاستمرار في هذا الركض المذعور.
بدأنا المسير.
خطواتنا بدت خافتة بشكل مقلق على الخشب القديم، الذي كان يئن تحت أقدامنا وكأنه على وشك أن يتخلى عنا.
الهواء كان بارداً وثقيلاً، يحمل رائحة غبار قديم وعفن ورطب. من على الجدران، كانت لوحاتنا المشوهة تتبعنا بأعينها الميتة، ووجوهنا الملتوية تزداد بشاعة مع كل خطوة، كأنها مرايا تمتص أرواحنا قطرة بقطرة.
سرنا لما بدا وكأنه دهر، ولكنها في الواقع لم تكن سوى دقائق معدودة من هذا العذاب المركز.
الممر لم يتغير، لا يزال يمتد أمامنا كحلق وحش مفتوح.
ثم، توقف ليو فجأة، وتصلب جسده.
همس بصوت خرج كحشرجة، "لا ... هذا مجرد .. مزحة سيئة."
تتبعت نظرته، وشعرت بأن معدتي تتقلص إلى عقدة باردة.
هناك. على الجدار الأيسر، تحدق فينا.
لوحة الفتاة الصغيرة. تبكي دمًا، وتشير بيدها إلى الأمام.
ليست شبيهة. ليست نسخة. إنها هي. نفس المكان اللعين الذي هربنا منه للتو.
'اللعنة!' صرخت في ذهني، والصوت يتردد في جمجمتي.
'حلقة. إنها حلقة لعينة. نحن مجرد هامستر في عجلة هذا الجحيم.'
"مستحيل!" شهقت نور، ويدها تكتم صرخة كانت على وشك الخروج. "كيف ... كيف عدنا إلى هنا؟"
الإدراك يجعل الأمر أشد خطورة مما هو عليه.
سام أوينز أطلق أنيناً مكتوماً، بدأ منزعج هو كذالك.
ليو، من ناحية أخرى، كان يحدق في اللوحة والفراغ حيث كانت صورتي، بنظرة جاد ..
"لا يوجد مخرج،" تمتم، وبدأ يترنح. "هذا المكان ... أكثر تعقيدًا مما أعتقدت."
في تلك اللحظة، بينما كان ليو يشعر بالعجز يستعد لإطفاء آخر شعلة فينا، ومض شيء ما في رأسي.
ليس فكرة، بل .. إشعار.
[ما لا تراه قد يكون أكثر أهمية مما تراه.]
أنتظر ! ..
بدأت أخيرًا بجمع الخيوط .. ليليا على الرغم من فضاعة ماضيها … لم تكذب علي قط.
انفجرت الصور في عقلي.
لذا نظرت ببطء إلى لوحاتنا المشوهة.
ليو يذوب كشمعة سائحة.
نور تصرخ صرخة لا صوت لها.
سام يتشقق كمرآة قديمة.
وابتسامة آدم الأصلي ... تلك الابتسامة الشيطانية التي كانت تخفي ... ماذا بالضبط؟
والفتاة الصغيرة ... لماذا تبكي بحق الجحيم؟
'نحن لا نقاتل مكانًا.' ومضة إدراك باردة وحادة كشفرة اخترقت ضباب رأسي.
نظرت لليو، ببطء وأنا أسترجع خلفيته.
نظرت للوحته الذائبة …
"لقد فهمت الآن،" قلت بصوت هادئ بدا غريبًا ومنفصلاً، كأن شخصاً آخر يتحدث من خلالي.
التفت إلي الثلاثة، وفي عيونهم نظرة الكلاب الضالة التي تنتظر إما ركلة أو قطعة خبز.
"لقد وجدتها ."
نظر إلي ليو بستغراب.
"ماذا تقصد؟"
عند سماع سؤاله .. نظرت إليه بشكل جاد، تليها أبتسامة منمقة.
"هذا الطابق،" واصلت، "يبدوا أكثر لهوًا مما أعتقدت."
توقفت، ونظرت إلى وجوهنا المشوهة على الجدران.
"إنه يكره النفاق."
عبس ليو، والألم يجعله أكثر انفعالاً. "ليستر؟ .. هل جننت؟"
توقعت سؤالًا كهذا ..
"انظر للوحتك، ليو،" قلت، وصوتي يحمل حدة لم أكن أعرف أنني أمتلكها.
"أنت لا تذوب .. لكنك تشعر بأنك تذوب، أليس كذلك؟ تشعر بأن قناع 'الابن المثالي' و'القائد المسؤول' يجعلك تتلاشى .. ستصاب قريبًا بالاحتراق الوظيفي. "
هذا أكيد.
"ها ؟ .." نظر إلي بذهول بمفاجأة.
نور .. تصرخ صرخة لا صوت لها …
التفت إليها . "وتلك الصرخة الصامتة، نور ... ما هو السر الذي تصرخين به في داخلك كل يوم، وتخافين أن يسمعه أحد؟"
"ما هذا ؟!" بشكل مريب احمر وجهها وأشاحت بنظرها، ويداها ترتجفان بعنف.
تجاهلتها .. لا يبدوا إنها ستجاوب.
"وهذه الشقوق، سام ..." نظرت إلى الرجل الذي كان يحاول أن يصبح واحداً مع الظل من جديد.
"أنت أكثر رهفة مما أعتقدت"
"…." أكتفى بإغماض عينيه.
لم يرد، لكنني رأيت كتفيه يرتجفان.
"وذلك الانعكاس ..." قلت، وأنا أنظر إلى الإطار الفارغ الذي كان يحمل لوحتي.
"تلك الابتسامة ... يالها من أبتسامة فارغة."
تنهدت. "الفتاة الصغيرة لا تبكي علينا. إنها تبكي ... لأننا نكذب .. منافقون. لأننا نرتدي أقنعة حتى في قبورنا."
"……"
ساد صمت مطبق، ثقيل، ومشحون بالحقيقة المرة.
"ما لا نراه،" كررت بصوت خافت، "هو حقيقتنا النتنة."
"إذن... ما العمل يا فيلسوف زمانك؟" سأل ليو بانزعاج .. إنزعاج مهزوم.
"هل يجب أن نجلس ونغني كومبايا ؟ "
ابتسامة باهتة ومرهقة ظهرت على شفتي.
"ليس تمامًا." قلت.
"ولكن ... أعتقد أنني أعرف ما يجب أن أفعله. أو على الأقل ... ما يجب أن أفعله أنا أولاً."
********
أغنية كومبايا هي أنشودة روحية شعبية باللغة الإنجليزية، تعود أصولها إلى الثقافة الإفريقية.
وتغنى غالبًا في الكنائس، المعسكرات الكشفية، أو التجمعات الهادئة. تعتبر من الأغاني البسيطة والرمزية التي تحمل رسالة سلام، وحدة، ودعاء
يبدوا أنني بدأت أحب شرح المصطلحات التي استخدمها.