ليس تمامًا،" قلت، والابتسامة المرهقة لم تفارق وجهي.
لم تكن ابتسامة سخرية، بل ابتسامة شخص نظر إلى الهاوية وردت إليه الهاوية التحية.
"لا أعتقد أن جلسات العلاج النفسي ستجدي نفعًا مع هذا المكان. إنه لا يبحث عن 'تفاهم' .. إنه يريد شيئًا ... أكثر مباشرة. أكثر ... صدقًا."
نظرت إلى الإطار الفارغ الذي كان يحمل انعكاسي المبتسم.
صفحة بيضاء باهتة.
'ماذا لديك لتقدمه يا هذا؟ قناع آخر؟ كذبة أخرى؟'
"هذا الفراغ ..." تمتمت، وأنا أشير إليه.
إنه لا يريد صورة جديدة لآدم ليستر، الطالب الغامض.
"لقد شبع من الأقنعة. أعتقد ... أنه يريد الحقيقة. حقيقة ما يكمن خلف كل هذه الواجهات اللعينة التي نرتديها."
"….."
ساد صمت غريب في الرواق.
صمت مشحون بالترقب. ليو ونور وسام كانوا يحدقون في.
ربما كانوا يفكرون أنني فقدت عقلي أخيرًا.
من يلومهم؟
"وما هي هذه 'الحقيقة' التي تتحدث عنها، ليستر؟"
صوت ليو كان هادئًا .. اختفت السخرية، وحل محلها شيء آخر.
ربما كان مجرد فضول، أو ربما ... كان يائس، مستعد لتجربة أي شيء.
أخذت نفسًا عميقًا.
شعرت بثقل كل الأكاذيب. ليس فقط كذبة آدم ليستر، بل كل الأكاذيب التي سبقتها.
'لا يمكنك ملء فراغ الكذب بفعل ذكي.' همس صوت في داخلي.
صوت المنطق البائس الذي يظهر فقط عندما تنهار كل الدفاعات. 'يمكنك فقط ملؤه بالحقيقة .. مهما كانت مثيرة للشفقة.'
لطالما كرهت هذا النوع من قصص الرعب، الذي يجبرك على الإعتراف.
"لا أعرف ما يريده منكم،" قلت، ونظرت في أعينهم واحدًا تلو الآخر. "ولكنني أعتقد أنني أعرف ما يريده مني."
بخطوات بطيئة، تقدمت نحو الإطار الفارغ.
وقفت أمامه .. أحدق في اللاشيء.
لم أحاول أن أتخيل صورة. لم أحاول أن أكون ذكياً.
فقط ... استسلمت.
أغمضت عيني للحظة، ثم، بصوت هادئ وواضح، صوت بدا وكأنه ليس لي، قدمت قرباني لهذا الحاكم الفني المريض.
أغمضت عيني للحظة.
استجمعت كل ما تبقى لدي من شجاعة، والتي لم تكن كثيرة. ثم، بصوت هادئ وواضح، صوت بدا وكأنه خرج من أعماق روحي المنهكة، قدمت قرباني.
"أنا ... أنا لست آدم ليستر."
الكلمات خرجت مني كأنها اعتراف أخير على فراش الموت.
شعرت بعبء ثقيل يزاح عن صدري. عبء لم أكن أعرف حتى أنني أحمله بهذا الثقل.
فتحت عيني، وابتسامة ساخرة ومرهقة ارتسمت على شفتي.
لأنني أدركت الحقيقة المضحكة.
الخلاص ليس معركة ملحمية .. إنه ببساطة، الوقوف أمام مرآة فارغة والاعتراف بأنك لا تملك وجهًا لتريه لها من الأساس.
لهذا يريد العجائز البوح بذنوبهم قبل الموت، فهم لا يريدونه ان يدفن معهم.
"أنا ... " ترددت، وأنا أحدق في الفراغ الأبيض.
أنا لست بطلاً. ولست شريراً. أنا لست حتى شخصية في هذه القصة.
أنا شخص يعيش حياة مسروقة، يتنفس رئتين ليست له، ويرى بعينين شخص أخر.
تابعت، والصوت يخرج مني الآن كأنه همس.
"أنا فقط ... آدم."
في اللحظة التي أنهيت فيها كلماتي، في اللحظة التي اعترفت فيها بانزعاجي ، حدث شيء.
"وششش !!"
اللوحة التي تحمل الأبتسامة الشيطانية البيضاء أمامي ... لم تعد فارغة
لكنها لم تعرض وجهي. لا وجه 'آدم ليستر' هذا، ولا وجهي القديم.
بدلاً من ذلك، وببطء، كأن يدًا خفية ترسم بحبر من الضوء، بدأت تظهر عليها سلسلة من الصور الرمزية.
مشاهد عابرة.
رأيت ... يدًا تمتد نحو يد أخرى، ثم تتردد في اللحظة الأخيرة، وتنسحب، تاركة اليد الأخرى ممدودة في الفراغ.
تغيرت الصورة. ظل باهت يقف أمام مرآة محطمة .. كل شظية تعكس جزءًا مختلفًا ومشوهًا من وجهه.
لا توجد صورة كاملة.
أخيرًا، استقرت الصورة على مشهد بسيط، ولكنه مؤثر بشكل لا يصدق.
ظل وحيد، يقف على حافة جرف شاهق، وينظر إلى بحر من الضباب الرمادي الذي لا نهاية له.
لم تكن لوحة جميلة. كانت لوحة صادقة بشكل مؤلم.
كانت لوحتي.
"……"
ساد صمت مطبق في الرواق.
ليو ونور وسام كانوا يحدقون في اللوحة، ثم في. لم يفهموا الصور، لكنهم شعروا بثقلها.
'كيف يمكنهم فهم معضلتي؟ هم الذين يقاتلون من أجل السمو، بي أنا الذي يقاتل من أجل البقاء.
ببطء، التفت لأنظر إلى لوحة الفتاة الصغيرة.
ولأول مرة ... توقفت دموع الدم.
اليد الصغيرة التي كانت تشير ... بدأت تتحرك ببطء شديد، كعقرب ساعة متعب.
استقرت أخيراً، وهي تشير الآن ... نحو لوحة ليو.
قناعه الذائب والمشوه.
'ليو...' همست نور، وهي تنظر إليه.
فهم ليو على الفور.
نظر إلى لوحته المشوهة، ثم إليّ رأيت صراعًا واضحًا في عينيه والتردد من تقديم قربانه.
ولكنني رأيت شيئًا آخر أيضًا.
إدراك.
لقد فهم قواعد اللعبة الجديدة.
'هل هذا هو الحل حقًا؟' فكرت، وقلبي يتسارع. 'هل مواجهة حقيقتك ... هي الطريقة الوحيدة للخروج؟'
لقد قدمت قرباني.
والآن ... كان على الآخرين أن يقرروا ما إذا كانوا مستعدين لدفع الثمن.
بعد اعترافي، ساد صمت أثقل من أي وقت مضى في الرواق.
قنبلة صامتة انفجرت، والجميع لا يزال يحدق في شظاياها المتناثرة على لوحتي الفارغة الآن.
ليو، نور، وسام ... كانوا مرتبكين.
كيف يمكنهم فهم أزمة هوية شخص ما وتفكيرهم الشاغل هو النجاة.
ثم، وكأنها حكم قاض خفي، تحركت يد الفتاة الصغيرة في لوحتها.
لقد توقفت عن الإشارة إلى الفراغ حيث كنت، وببطء شديد، كعقرب ساعة، استقرت وهي تشير الآن ... نحو لوحة ليونارد فون فالكنهاين.
تلك اللوحة المروعة التي تعرض وجهه وهو يذوب كالشمع، كاشفاً عن عظام رمادية تحته.
التفت ليو ببطء نحو لوحته، وجهه شاحب كالشبح.
رأيت الصراع في عينيه الزرقاوتين. كبرياء القائد في مواجهة الحقيقة المؤلمة التي تصرخ بها تلك اللوحة.
ذراعه المصابة كانت لا تزال تنزف، لكن من الواضح أن الألم الجسدي أصبح مجرد ضوضاء في الخلفية أمام هذا الثقل النفسي.
"ليو..." همست نور، ويدها تمتد نحوه، كأنها تحاول منعه من الاقتراب من مرآة روحه المشوهة.
لكنه لم ينظر إليها. كان في مواجهة مباشرة مع نفسه.
"هل ... هذا ما فعلته أنت، ليستر؟"
سأل ليو أخيراً، صوته أجش ومبحوح، وعيناه لم تفارقا لوحته. "كل ما علي فعله هو الأعتراف للوحة؟"
"لم أعترف للوحة، أيها القائد،" قلت بهدوء.
"لقد اعترفت لنفسي ... بصوت عالٍ. ويبدو أن هذا المكان يقدر الحقيقة، مهما كانت مثيرة للشفقة."
"…."
صمت طويل مرة أخرى.
كان ليو يخوض معركة داخلية عنيفة. رأيت فكه يتصلب، وقبضته السليمة تشتد حتى ابيضت مفاصلها.
'إنه يقاتل.' فكرت. 'يقاتل كبرياءه، خوفه، وكل الجدران التي بناها حول حصنه الداخلي المنيع.'
ثم، ببطء شديد، كأنه يحمل وزن العالم كله على كتفيه، بدأ ليو فون فالكنهاين يسير نحو لوحته.
كل خطوة بدت تتطلب منه جهدًا هائلاً.
وقف أمام انعكاسه الذائب، وذلك الوجه المروع الذي كان يمثل كل فشل شعر به. للحظة، بدا وكأنه على وشك أن يستدير ويهرب.
لكنه لم يفعل.
أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا ومرتعشًا، ثم، بصوت منخفض ولكنه يحمل قوة مفاجئة، بدأ يتكلم.
"أنا ... لست فاشلاً لأنني أخطئ،" قال، والكلمات تخرج ببطء، كحجارة ثقيلة يرفعها عن صدره.
"أنا فاشل ... لأنني توقفت عن المحاولة منذ زمن. لأنني سمحت لتوقعات الآخرين، لتوقعات والدي، أن تسحق ما كنت أريده حقًا."
توقف، وابتلع ريقه بصعوبة.
"لطالما ... كرهت هذا الاسم، 'فون فالكنهاين'. كرهت ثقله، ومسؤولياته. كرهت أن أكون دائمًا تحت المراقبة، وأن يُتوقع مني أن أكون مثاليًا."
فتح عينيه، ونظر مباشرة إلى وجهه الذائب.
"ولكن الحقيقة هي ... أنني لست حصنًا. أنا مجرد ... شخص خائف."
"خائف من الفشل. خائف من خذلان من وثقوا بي. وخائف أكثر من أي شيء آخر ... من أن أكون مجرد نسخة باهتة من والدي. الرجل الذي لم أستطع إرضاءه أبدًا."
صوته كان يرتجف الآن، ليس من الخوف، بل من ثقل الاعتراف.
'الكبت النفسي ... أعتقد أن هذا ما يسمى.' فكرت.
'حتى القائد العظيم يحتاج إلى جلسة علاجية.'
"نعم ... أنا أكره والدي." قالها أخيراً، وكأن السد قد انهار.
"أكره ما فعله بي، وما جعلني عليه. وأكره نفسي أكثر لأنني سمحت له بذلك. لأنني استسلمت، وتوقفت عن القتال من أجل ما أؤمن به، واكتفيت بارتداء هذا القناع اللعين من البرود والسيطرة، بينما في داخلي ... كنت أذوب، تمامًا مثل هذه الصورة."
تخاف ما تكره.
قائدنا العزيز أكثر شعرية مما أعتقدت.
في اللحظة التي أنهى فيها كلماته، وفي اللحظة التي اعترف فيها بتلك الحقيقة المؤلمة التي كان يحملها في قلبه لسنوات، حدث شيء مذهل.
"وششش !! .."
الوجه الذائب في لوحة ليو ... توقف عن الذوبان.
التقشير توقف.
والعظام الرمادية البارزة بدأت تختفي ببطء، كأن يدًا خفية تعالج الجروح. لم يعد الوجه مشوهًا أو مرعبًا.
بدلاً من ذلك، استقر على صورة رجل شاب، وجهه يحمل آثار الإرهاق والحزن، ولكن عينيه ... عينيه كانتا صافيتين وثابتتين.
لم يكن وجه بطل لا يقهر. كان مجرد ... وجه إنسان، بكل ما يحمله من ضعف وقوة.
مهما كان دوره كشخصية رئيسية ... لا يزال إنسانًا بعد كل شيء.
نظر ليو إلى لوحته المتغيرة، وفي عينيه كان هناك مزيج من الدهشة، وعدم التصديق و ... لمحة من ارتياح خفيف.
ثم، وكما حدث مع لوحتي، تحركت يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية مرة أخرى.
هذه المرة، لم تعد تشير إلى ليو.
بل أشارت ببطء وثبات نحو ... لوحة نور أكيم.
تلك التي كانت تعرض وجهها المذعور وهي تطلق صرخة صامتة.
التفتنا جميعًا نحو نور، التي كانت تحدق في لوحتها، ثم فينا، وعيناها متسعتان ...
لقد حان دورها.