الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.

كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.

نظر ليو إلى لوحته الجديدة، وجه إنساني مرهق يحدق به.

كان يعلوه تعبير أرتياح خفيف، لكنه ارتياح شخص نجا من حريق ليجد أن منزله قد تحول إلى رماد.

كان يمكن سماع صوت أنفاسنا فقط في الرواق الطويل.

أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.

اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.

من التالي؟

ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.

ببطء، تجاوزت لوحتي ولوحة ليو.

واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.

ذلك الوجه المذعور، تلك ما بدأ انها صرخة صامتة محبوسة خلف طبقة من الطلاء.

التفتنا جميعًا نحو نور.

تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.

الهلع النقي شل حركتها. اتسعت عيناها، ورأيت انعكاس لوحتها فيها.

بدأت تتراجع خطوة، ثم أخرى، كحيوان محاصر.

"أسف .."

الكلمة خرجت منها بصعوبة.

وضعت يدها بكتفها بتوتر.

"لا، هذا صعب ..."

ليو، الذي كان لا يزال يتعافى من جلسته العلاجية القسرية، نظر إليها بنظرة معقدة.

"نور،" قال بهدوء، وصوته يحمل وزنًا جديدًا. "يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج."

"لا تفهمون!"

صرخة مكتومة خرجت منها، ممزوجة باليأس. اهتز جسدها بالكامل.

" أمري صعب .. ليس مثلكم! إنه ليس حزنًا أو ضعفًا يمكن إصلاحه باعتراف نبيل!"

بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.

"إنه ... قذارة. شيء لا يمكن قوله ... لن أسامح نفسي."

"هذا معقد،" قال ليو بعدم فهم.

كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.

'إنها خائفة.' أدركت.

ماذا يكون سبب الخوف؟ …

'' لن أسامح نفسي''

حدقت في لوحتها، في تلك الصرخة الصامتة، وكأنها ترى شبحًا تعرفه جيدًا.

'تأنيب ضمير؟ .. هذا غير متوقع من فتاة مبهجة.'

وأخيرًا، وكأنها أدركت أنه لا مفر، توقفت عن التراجع.

توقف كتفيها عن الارتجاف.

وحل محل كل ذلك هدوء …

رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.

"حسنًا..." همست، والصوت كان باردًا.

"تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم الحقيقة."

****

****

قبل عام ...

الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.

وجوه ليو وآدم وسام تلاشت، وتستبدل بوجوه أخرى.

وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.

أنا لم أعد هنا .. أنا هناك.

***

في ذلك الخريف البارد، في السنة التي تغير فيها كل شيء.

كان هناك نوعان من الصمت في حياتي.

الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.

والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.

إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.

كنا في الخامسة عشرة .. في ذلك العمر، العالم إما أبيض أو أسود، وأنت إما صديق أو عدو.

بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.

كانت مثل زهرة شتوية رقيقة تتفتح في عاصفة ثلجية، جميلة بشكل مؤلم، ومحكوم عليها بالذبول.

شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.

كانت هدفًا مثاليًا.

الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.

كلمات كالزجاج المكسور، تقطع بعمق وتترك ندوبًا لا تراها العين، لكنها تنزف في الداخل.

"انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت."

"هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح."

"لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار."

كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.

كنت أرى نظرات الازدراء، وأسمع الضحكات المكتومة.

كنت أشعر بثقل كلماتهم وهو يهبط على كتفي إيلينا المنحنيين. كنت أشعر بالغضب يغلي في داخلي، حارقًا، عاجزًا.

لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.

كنت جبانة.

أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.

كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.

كانت إيلينا تجلس أمامي، تأكل بصمت، وكتفاها منحنيان قليلاً، كأنها تحاول أن تجعل نفسها أصغر، غير مرئية.

لكنهم رأوها. إنهم دائمًا يرونها.

مرت "سارة" وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.

توقفت، ونظرت إلى طبق إيلينا بنظرة اشمئزاز.

"أوه، إيلينا، هل تأكلين هذا حقًا؟" قالت بصوت عالٍ بما يكفي ليلتفت الجميع. "لا عجب أن بشرتك تبدو ... هكذا."

ضحك أصدقاؤها.

شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.

"اتركيها وشأنها، سارة،" قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.

نظرت إلي سارة، ورفعت حاجبها. "أوه، انظروا، المحامية تتكلم. لماذا تدافعين دائمًا عن هذه الغريبة الأطوار، نور؟"

لم أجد كلمات للرد. فتحت فمي، لكن لم يخرج شيء.

لقد تجمدت.

ضحكت سارة مرة أخرى، ثم مضت في طريقها.

في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.

كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.

كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.

"لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟" سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.

"لم أكن أعرف ماذا أقول،" اعترفت، وشعرت بالخجل يحرقني.

"أنت دائمًا هكذا،" قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. "أنتي ترين كل شيء، نور. لكنكِ لا تنظرين حقًا."

تصاعدت القسوة …

لم تعد مجرد كلمات. أصبحت أفعالاً. بدأوا يأخذون أغراضها، يسكبون المشروبات على كتبها "عن طريق الخطأ".

وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.

جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.

دموع حقيقية، حارة. "لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير."

في تلك اللحظة، شعرت بموجة من الغضب تتغلب على خوفي. "سأجده لك،" قلت بحزم.

"سأستخدم مهارتي."

في تلك الفترة كانت مهارتي قد أستيقظت لتو ولم تكن مستقرة.

"لا،" قالت وهي تمسك بذراعي. "إنه يؤلمك."

"لا يهمني!"

أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.

انفجر الألم في رأسي !

"اغغ !" وضعت يدي في فمي.

ضجيج أبيض، طنين حاد .. لكنني تجاهلته.

بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.

وفي النهاية وجدته.

كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.

عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.

نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط ... أبتسامة خافتة.

في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.

منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.

كنت أراها تتلاشى يومًا بعد يوم. كنت أرى الظلال تحت عينيها تزداد قتامة.

فكرت في استخدام مهارتي مرة أخرى. "لأرى" ما يحدث داخل منزلها. "لأسمع" ما تقول والدتها ..

لكنني لم أفعل.

كنت خائفة .. خائفة مما قد أجده.

كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.

كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.

'إنها مجرد فترة صعبة،' كذبت على نفسي.

سوف تتجاوزها.

اخترت راحتي على ألمها. كانت تلك هي الخيانة الأولى.

ثم جاءت تلك الليلة.

صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.

[سأذهب لمكان يمكنني أن أرتاح به قليلًا.]

[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.

صمت.

الخط مات، وقطعة من روحي ماتت معه.

الذعر كان كالصقيع، يجمد أطرافي.

أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة بكل ما أوتيت من قوة.

الألم كان كالانفجار .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.

طعم الدم والكهرباء ملأ فمي .. العالم من حولي لم يعد موجودًا، فقط محيط هائج من الأصداء الصارخة.

"أين أنت .. أرجوك .."

دفعت مهارتي عبر المدينة، متجاهلة صراخ جسدي.

ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.

الصدى الأول: من سطح مبنى المنسوجات المهجور.

حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.

شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص. ..

الصدى الثاني: من محطة الحافلات القديمة على الطريق السريع.

فوضوي، مليء بضجيج المحركات، باهت، ومشوش. لكنه كان ... محتملًا. لم يكن يمزق رأسي بنفس القسوة.

اين ستذهب يا ترى ؟ … في الأساس لماذا ستذهب لسطح مهجور.

نظرت إلى الخيارين في عقلي.

واتخذت قراري .. اخترت نفسي.

هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟

تشكلت كذبة على شفتي. سم اخترت أن أبصقه لأنقذ نفسي.

"إنها في محطة الحافلات!" قلت لوالدة إيلينا عبر الهاتف، وصوتي كان ثابتًا بشكل مرعب، ثابتًا بأنانية.

"أنا متأكدة. لقد رأيتها …"

جلست في ظلام غرفتي، وتلاشى الألم في رأسي ببطء.

شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.

بعد ساعة، رن هاتفي.

صوت شرطي بارد، ورسمي.

"وجدناها ... لقد قفزت من مبنى المنسوجات المهجور."

صمت.

"لقد فات الأوان."

في تلك اللحظة، لم أبكي .. لم أصرخ.

شيء ما في داخلي تجمد وأصبح صامتًا إلى الأبد.

الصرخة التي كان يجب أن أطلقها ... حبست في حنجرتي.

وهي هناك، منذ ذلك اليوم

***

***

***

الصمت الذي تبع نهاية قصة نور كان مختلفًا.

لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.

الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.

فتحت نور عينيها، ولم تعد الفتاة الخجولة التي تحاول المساعدة. كانت شيئًا آخر .. كانت شاهدة على جريمتها الخاصة، وحكمًا على نفسها، وجلادًا. لم تكن هناك دموع.

كان هناك فقط برودة.

نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة ... إدراك.

جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.

حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.

لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.

شعرت بشيء أقرب إلى ... تفهم بارد ومقيت.

'لقد اختارت نفسها.' فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.

في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟

الحقيقة هي أن البطولة شيء نقرأ عنه في القصص.

في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط ... إنسانًا بشكل مخيب للآمال.

حدقت فينا، ونظرتها كانت حادة كشظية زجاج.

"أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى ... لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة."

في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.

"كيااااااااااااااااااااا !!!!"

لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.

شعرت بها في عظامي.

ثم، تغيرت اللوحة.

الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.

بدلاً من ذلك، ظهرت صورة جديدة.

فتاة تقف في الظلام، ويداها تغطيان أذنيها بقوة .. ليس لمنع الصوت من الدخول، بل لمنع الحقيقة من الخروج.

حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.

لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.

لم يتكلم أحد.

ماذا يمكن أن يقال؟ "أنا آسف"؟ "أتفهم"؟

كل الكلمات بدت رخيصة ومجوفة أمام حقيقة قبيحة كهذه.

التفتنا جميعًا لننظر إلى لوحة الفتاة الصغيرة. الشاهد الصامت على كل اعترافاتنا.

تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.

ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.

لوحة سام أوينز.

ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.

لكن الآن، الشقوق الدقيقة التي كانت عليه بدأت تتسع، كأن الجليد على وشك التحطم.

التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.

ولأول مرة منذ أن دخلنا هذا الطابق، رأيت شيئًا في عينيه.

ليس خوفًا. ليس يأسًا.

بل... استسلامًا.

استسلام شخص كان ينتظر دوره طوال هذا الوقت.

****

العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.

2025/06/25 · 349 مشاهدة · 1825 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026