بعد اعتراف نور، ساد صمت من نوع مختلف.

لم يعد مجرد غياب للصوت، أستغراب واضح.

شبح صديقتها، شبح ذنبها، وشبح خوفها من مهارتها التي كانت من المفترض أن تكون هبة.

شعرت بثقل كلماتها يستقر على أكتافنا جميعًا، كطبقة أخرى من الغبار في هذا المتحف الملعون الذي يجمع أرواحنا كتحف.

وكما توقعت، استجابت اللوحة. يد الفتاة الصغيرة، التي كانت قد توقفت للحظة، تحركت مرة أخرى.

لقد أدت نور دورها، وقدمت قربانها. والآن، استدار "إصبع الاتهام" ببطء شديد، ليستقر على آخر عضو في فرقتنا لم يقدم عرضه بعد.

سام أوينز.

الشاب الذي كان دائمًا جزءًا من الظل، لم يتحرك.

كان مجرد صورة ظلية هادئة في نهاية الرواق، صامتًا، هادئًا بشكل غير طبيعي.

'والآن، دور الصندوق الأسود.' فكرت.

ليو كان عن الكبرياء والفشل. نور كانت عن الذنب والخوف. وأنا ... كنت عن الهوية الضائعة.

كل منا كان لديه وحش داخلي واضح، قصة يمكن أن تروى. لكن سام؟

يظهر دائمًا كأنطوائي .. هل خوفه هو من التحدث؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟ هل يمكن أن يكون سره ... أنه لا يملك سرًا على الإطلاق؟

"الدور عليك الآن، سام،" قال ليو بصوت هادئ، محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه كقائد، حتى بعد أن حطم قناعه بنفسه. كانت كلماته تحمل وزنًا، دعوة للانضمام إلى نادي "المعترفين المكسورين".

لم يرد سام فورًا.

ظل واقفًا في مكانه، وظله يمتد أمامه على الأرضية الخشبية المتصدعة، كأنه سيف أسود طويل.

ثم، وببطء شديد، رفع رأسه قليلاً، ونظر ليس إلى لوحة الفتاة، ولا إلى انعكاسه المشوه الذي كان لا يزال يحدق به من على الحائط، بل نحوي أنا.

كانت نظرته غريبة ... فارغة، ولكنها في نفس الوقت تحمل عمقًا لا يمكن تفسيره.

ثم، فعل شيئًا لم يتوقعه أحد منا.

"كهيهي …"

بدأ يضحك.

لم تكن ضحكة عالية أو هستيرية.

كانت ضحكة خافتة، مكتومة، وجافة، كحفيف أوراق شجر ميتة في رياح خريفية باردة.

ضحكة بالتأكيد لم تكن تحمل أي أثر للمرح أو السخرية.

توقفنا جميعًا عن التنفس للحظة، ونحن نحدق فيه بفضول، لقد كان هذا أغرب رد فعل حتى الآن.

"سام؟ هل أنت بخير؟" سأل ليو بقلق، وهو يتقدم نحوه بخطوة.

توقف سام عن الضحك فجأة، وعادت ملامحه إلى ذلك الهدوء المخيف الذي اعتدنا عليه.

ثم، وبصوت خافت، قال ..

"تسألون عن خوفي؟"

نظر إلينا، وعيناه خلف نظاراته السميكة بدت كبئرين لا قرار لهما.

"هذا مثل أن تسألوا المحيط عن خوفه من المطر. الظلال لا تخاف من الظلام."

تجمدنا ..

"ماذا... ماذا يعني ذلك؟" سألت نور بقلق.

تجاهل سام سؤالها، وبدأ يسير ببطء نحو لوحته.

تلك التي عرضت وجهه كقناع من الظلام والأنياب. كانت اللوحة تنبض بقوة خفية، كأنها تستعد للقائه.

"هذه اللوحة..." قال، وصوته يتردد في الصمت.

"ليست مرآة لخوفي. إنها ... شاهد قبر. شاهد قبر للفتى الذي كان هنا من قبلي."

'يتحدث عن نفسه في صيغة الماضي.' فكرت واضعًا هذه المعلومة في مؤخرك ذهني.

توقف أمام لوحته، ولم يلمسها.

"أنتم جميعًا ولدتم بألوانكم الخاصة. أما أنا ... فقد ولدت قماشًا فارغًا. صفحة بيضاء تركها والداي، المستكشفان الفاشلان، في أحلك المكتبات، على أمل أن يكتب عليها شيء ما."

رأيت ظلًا من الألم يمر على وجهه، لكنه اختفى بسرعة، كأنه مجرد ذكرى بعيدة لا تخصه حقًا.

"وفي ذلك الظلام ... جاء الفنانون. الأشياء التي لا أسماء لها، والتي تزحف بين السطور. لم يكتبوا قصة ... بل لووني بسوادهم. لقد ملأوا فراغي بوجودهم."

"لم أمت ذلك اليوم. بل ... تمت ترجمتي. إلى لغتهم."

رفع يده ببطء.

الظلال في الغرفة، التي كانت مجرد غياب للضوء، بدأت تتصرف بشكل غريب. أصبحت أكثر كثافة، أكثر حضورًا.

شعرت ببرودة تنبعث منها. بدأت تتجمع حول أصابع سام، تتراقص وتتشكل كأنها كائنات حية تستجيب لسيدها.

"مهارتي ليست 'تعتيمًا'. هذا هو الاسم الذي أعطاه لي النظام ليقرأه أمثالكم. الحقيقة هي ... أنها 'همس'. أنا لا أخلق الظلام. أنا فقط ... أهمس باسمه، وهو يأتي. لأنه يعرفني. لأنني لست سوى إحدى كلماته."

نظر إلينا، كانت نظرة تبدوا فارغة للوهلة الأولى.

"أنا لا أخاف من الظلام. أنا أخاف ... من أن أتذكر كيف كان شعور الضوء. أخاف من أن أتذكر الفتى الذي كان قماشًا فارغًا. لأن تذكره ... هو الألم الحقيقي الوحيد المتبقي."

شعرت بالحرارة ترتفع على وجهي.

هذا محرج … شعرت بالأحراج بدلًا عنه.

ثم، مد يده ببطء، ووضعها على لوحته.

"هذا ليس قناعًا. هذا هو ... النص المكتمل."

في اللحظة التي لمست فيها يده اللوحة، ابتلعت الظلال التي كانت حول يده الصورة بأكملها.

لثانية واحدة، أصبحت اللوحة سوداء بالكامل، سوداء أعمق من أي شيء رأيته من قبل. ثم، بدأ السواد يهدأ، ويتشكل من جديد.

الوجه المرسوم لم يعد يحمل تلك الابتسامة الخبيثة.

الظلال والأنياب لم تختف، بل اندمجت مع الوجه، وأصبحت جزءًا طبيعيًا منه، كوشم قديم. أصبح الوجه يحمل تعبيرًا ساكن.

لقد قبل اللوحة، واللوحة قبلته.

أغمضت عيني بتفهم ..

تنهدت.

'أنه بالتأكيد مصاب بمتلازمة الصف الثامن.' كان هذا حكمي الأخير بعد سماع هراءه.

إذًا حتى في العوالم الأخرة يوجد ويب مثله.

وبانتهاء عرضه، تحركت يد الفتاة الصغيرة في لوحتها للمرة الأخيرة.

أشارت ببطء وثبات نحو ... أبواب المصعد النحاسية في نهاية الرواق.

وفي نفس اللحظة، سمعنا صوتًا.

"دينغ-!"

صوت جرس المصعد. واضح .. نقي.

دعوة للرحيل.

ومع الجرس وبدأت أضواء لوحة الأزرار بجانب المصعد تومض بضوء أخضر دافئ.

"المصعد ... إنه يعمل!" صاح ليو، وصوته ممزوج بالبهجة ..

لم ينتظر .. بدأ يتحرك بصعوبة، ونحن خلفه. الخوف مما قد يحدث إذا بقينا هنا للحظة أخرى كان دافعًا كافيًا.

لكن ما إن بدأنا في الركض، حتى حدث شيء لم يكن في الحسبان.

شيء أسوأ من الصمت .. شيء أسوأ من الوحوش.

اللوحات... بدأت تتكلم.

ليس بصوت واحد، بل بألف صوت.

مزيج مرعب من التوسلات، والاتهامات، والشتائم، والبكاء الهستيري.

["لا تتركونا! خذونا معكم!"]

["أنقذونا! نحن عالقون هنا!"]

["لماذا أنتم وليس نحن! لماذا؟"]

الوجوه المرسومة على القماش بدأت تتلوى وتتشوه مرة أخرى، وهذه المرة، انفتحت الأعين.

أعين سوداء فارغة، تحدق فينا مباشرة، تخترق أرواحنا.

'الأرواح النائمة...' أدركت بسرعة ..

كانت قاعدة جديدة وقاسية. لكي ننجو نحن، كان علينا أن نغرقهم في يأس أعمق.

"لا تستمعوا! استمروا في الركض!" صاح ليو، ووجهه بدأ شاحب كالموتى.

كان الأمر أشبه بالركض عبر حقل من الألغام النفسية .. نور وضعت يديها على أذنيها، ودموعها تنهمر. سام كان لا يزال هادئًا، لكنني رأيت التوتر في كتفيه المشدودتين.

ثم، أصبحت الأصوات أكثر ... شخصية.

صوت امرأة عجوز من لوحة قريبة همس ..

["لتلعنك الجروح! أتمنى أن تنزف حتى الموت"]

صوت طفل من لوحة أخرى بكى ..

["يا ذات الشعر الناري! هل ستتركيننا في الظلام كما تركت صديقتك؟!!"]

صوت مشوه من لوحة سام صرخ ..

[ "سألعنكم للأبد؟!!"]

وصلنا أخيرًا، وتدافعنا إلى الداخل.

"أغلق الباب! أغلق الباب بحق الجحيم!" صرخت، وأنا أضغط بشكل محموم على زر الإغلاق.

"كلاك-كلاك-كلاك!"

ولكن لم تغلق مهما فعلت !!.

'تبًا ! تبًا تبًا !!'

"لماذا لا يتحرك؟" تمتم ليو، وهو يحاول النهوض.

بدافع من قلق مفاجئ، التفت لأنظر من خارج المصعد امامي.

وتجمد الدم في عروقي.

الرواق لم يعد كما كان.

كل اللوحات... كلها ... تحولت.

لم تعد هناك وجوه مختلفة .. لم تعد هناك مشاهد متنوعة.

كل إطار على طول الجدار الآن يحمل نفس الصورة بالضبط.

لوحة الفتاة الصغيرة !!

جيش من الفتيات الصغيرات المتطابقات يحدقن بنا من على الجدران .. كلهن يبكين دموعًا من دم، وكلهن يشرن بأيديهن الصغيرة.

لكنهن لم يعدن يشرن إلى أماكننا الفارغة.

لقد استدرن جميعًا، وأصابعهن المرسومة كانت تشير الآن ... نحو المصعد.

نحونا.

"ما هذا ... بحق الجحيم؟" همست، والصوت بالكاد خرج من حنجرتي.

التفت للبقية ..

هذا …

وجيههم شحبت كأنما سحبت كل الدماء من على وجيههم.

"اللعنة !!" لعنة مكتومة خرجت من فم ليو.

ثم فجأة ! …

بشكل متزامن، كفرقة أوركسترا ... فتحت كل الفتيات الصغيرات في كل اللوحات أعينهن.

لا توجد أعين.

مجرد فراغين أسودين في كل وجه، تجويفين حالكين يبدوان كأنهما عينان تم اقتلاعهما بوحشية.

بدأ اقرب لثقوب سودا، تمتص كل الضوء.

جيش من الدمى المكسورة يحدقن فينا بلا أعين.

وبصوت واحد، صوت جماعي لم يكن بشريًا، صوت هادئ وبارد كالقبر، تحدثت كل اللوحات في انسجام تام.

كلمة جماعية ترددت في عظامنا ..

[ وداعًا ]

عندها استعدت وعيي !

نظرت إلى لوحة الأزرار.

الضوء الأخضر الدافئ اختفى .. عادت الأضواء الصفراء الباهتة والمقلقة. والمؤشر لا يزال يشير إلى رمز العين المغلقة بالأشواك.

لكن الآن ... كان هناك زر جديد.

زر لم يكن موجودًا من قبل.

كان زرًا أبيضًا ناصعًا، وعليه رسم بسيط ... لحمامة بيضاء تفرد جناحيها.

"كلاك !!" دون تردد ضغطته ..

"كلاااك-تشانك!"

انغلقت الأبواب النحاسية الثقيلة، وحجبت عنا تلك الدمى المروعة.

"……"

ساد صمت مفاجئ ومريح داخل المقصورة، لم يقطعه سوى صوت أنفاسنا اللاهثة والمتقطعة.

"بام !"

"هااااف … هوف هوف هاف !!"

سقطنا جميعًا على أرضية المصعد، منهكين جسديًا ونفسيًا .. ليو كان يتأوه من الألم، ونور كانت تخدش ساعد ذراعها الأخرى، وسام كان فقط يحدق في السقف.

إلى الجانب.

تحرك المصعد أفقيًا، كأنه ينزلق على سكة غير مرئية.

"كلييييك !!"

سمعنا صوت احتكاك معدني حاد، وشعرنا بالمصعد يتحرك أخيرًا !!

كان المصعد يتحرك أفقيًا، مبتعدًا عن الذي تركناه خلفنا.

ولكن وفجأة !

"كااااااككك !!!"

بدأ المصعد يهتز بعنف.

"تبًا .. ماذا يحدث الأن !!!" صيحة خرجت مخ فمي دون إدراك.

انطفأت كل الأضواء …

غرقنا في ظلام دامس، لم يقطعه سوى صوت احتكاك معدني عالٍ، كأن المصعد يتمزق.

شعرت بقوة هائلة تضغط على جسدي.

لم نكن نسقط.

كنا ... نطوى.

شعرت بأن الفضاء نفسه ينحني من حولنا .. بأن قوانين الفيزياء تنهار. شعرت بأن جسدي يتمدد ويتقلص في نفس الوقت.

كانت تجربة تتجاوز الألم، تتجاوز الخوف ...

'إلى أين ...؟' كانت آخر فكرة واضحة في ذهني.

"كياااااااااااه !!" وكانت صرخة نور هي أخر ما أسمعه.

ثم، ابتلعني الظلام بالكامل.

كل شيء ... أصبح باللون الأسود.

*****

وهكذا نغلق الصفحات عن آرك [مصعد بهو] بقيمة 15 فصل … لقد كان آرك ممتع.

2025/06/26 · 363 مشاهدة · 1524 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026