الضوء الذي تسلل إلى وعيي هذه المرة لم يكن مصحوبًا بطنين حاد كصفارات الإنذار، بل بصداع خفيف، عنيد، ينبض بإيقاع ثابت خلف جفني.
'على الأقل هذا شعور مألوف'، فكرت بسخرية جافة، وأنا أجبر عيني على الانفتاح ببطء مؤلم.
السقف البيج الممل لغرفتي الجديدة - غرفة آدم ليستر، اليتيم ذو المهارة الغريبة والإحصائيات الهراء - السقف هو الوحيد الذي كان لا يزال هناك، يحدق بي بصمت كشاهد على مدى عبثية وضعي.
لم يكن كل شيء مجرد كابوس طويل ومحموم ناتج عن جرعة زائدة من الكافيين الرخيص أو تأثيرات جانبية لعملية عالم مجنون سيئة التنفيذ.
اللعنة!، لقد كنت آمل سراً في ذلك.
جلست على حافة السرير الذي كان لا يزال يشعرني بالصلابة كلوح اعترافات، وشعرت بثقل العالم، يستقر على كتفي النحيلين.
'رتبة F- في القوة'، ذكرتني شاشة الحالة اللعينة التي ظهرت في ذهني للحظة.
'شكرًا جزيلاً على التذكير الدائم بمدى تفاهتي الجسدية.'
ليلة أمس ... أو بالأحرى، ما تبقى من تلك الليلة الكارثية بعد اكتشافي المذهل والمقرف في آن واحد، قضيته أحدق في السقف كأحمق، وعقلي يعيد تشغيل مشهد شاشة الحالة مرارًا وتكرارًا، كشريط تسجيل معطوب.
[مخطط المهندس السردي (EX)].
حتى الآن، وبعد ساعات من التحديق الفارغ ومحاولات يائسة لإيجاد أي منطق، بدت الكلمات غير واقعية، كأنها مقتبسة من إحدى تلك الروايات الرديئة التي يسخر منها القراء في قسم التعليقات.
مهارة من رتبة EX. في عالم لم يعرف سوى SSS+ كأقصى حدود القوة.
وهي مهارة ... لتحليل القصص.
كأن القدر قرر أن يمنحني أقوى ملعقة فضية في الكون، ثم ألقاني في محيط من الحساء السام المصنوع من الكوابيس المتجسدة، بدون قارب، أو حتى سترة نجاة.
ربما مع عوامة مطاطية على شكل بطة صفراء ساخرة.
'ماذا يفترض بي أن أفعل بهذا بحق كل الجحيم؟' تساءلت وأنا أفرك صدغي الذي كان ينبض بشكل مزعج.
'هل يجب أن أبدأ بتقديم استشارات نقدية للأشباح قبل أن تقرر أي جزء مني ستلتهمه أولاً؟ '
'"عذرًا أيها الكيان الغريب ذو المجسات اللزجة المتعددة، بناء شخصيتك يفتقر إلى العمق، وحبكتك الثانوية حول أكل أرواح الأبرياء ضعيفة بعض الشيء من الناحية الموضوعية.'
'هل فكرت في إضافة بعض التوتر العاطفي، ربما بعض الدراما العائلية المعقدة؟ سيجعل التهامك لنا أكثر تأثيرًا دراميًا."'
هززت رأسي بعنف، محاولًا طرد هذه الأفكار السخيفة.
لا، السخرية، مهما كانت لاذعة، لن تنقذني من أن أكون مجرد وجبة خفيفة ذات إحصائيات متدنية في هذا المطعم المخصص للرعب.
نهضت وتوجهت نحو المكتب الصغير، ذلك النصب التذكاري لبساطة "آدم ليستر" الأصلي.
شاشة الحالة تلك ... هل يمكنني استدعاؤها بإرادتي مرة أخرى؟ ركزت قليلاً، محاولاً تذكر ذلك الشعور الغريب، ذلك الوخز الخفيف الذي سبق ظهورها بالأمس.
'حالة'، فكرت بقوة، كأنني أحاول إرسال أمر ذهني لجهاز كمبيوتر عنيد.
وكأنها استجابة لأوامري (أو ربما مجرد مصادفة أخرى في قائمة المصادفات الطويلة التي شكلت حياتي الجديدة)
ظهرت اللوحة الزرقاء النصف شفافة أمامي مرة أخرى، بنفس المعلومات الكارثية عن جسدي، ونفس المهارة الذهبية المتوهجة التي بدت وكأنها تسخر من ضعفي الجسدي بشكل شخصي.
***************************
[الاسم: آدم ليستر]
[العمر: 16]
[العرق: بشري]
[الرتبة: F-]
[الإحصائيات الجسدية]
القوة: [F-]
الرشاقة: [F]
التحمل: [F-]
الذكاء: [C+]
الإدراك: [B-]
المانا: [F-] (غير نشطة)
[المهارات]
[مخطط المهندس السردي (EX)]
(القدرة على تحليل وفهم البنية الأساسية والأنماط المنطقية لأي "سرد" أو "قصة" متجسدة. تكشف عن الشروط الخفية، الثغرات، والاحتمالات المتعددة داخل السرد.)
(ملاحظة: طبيعة هذه المهارة تتجاوز التصنيفات القياسية المعروفة. لا يمكن تقييمها أو فهمها بالكامل ولا يمكن ترقيتها بالوسائل التقليدية.)
***************************
'لا تزال هنا ..
لم تكن هلوسة ناتجة عن قلة النوم أو صدمة الانتقال إذن.'
تنهدت بعمق، وشعرت بخليط من اليأس والفضول المريض يتجدد في داخلي.
"القدرة على تحليل وفهم ... تكشف عن الشروط الخفية، الثغرات، والاحتمالات." بدأت أقرأ وصف المهارة مرة أخرى، ببطء هذه المرة، كأنني أحاول استخلاص معنى خفي بين السطور.
'هل هذا يعني ... أنني أستطيع رؤية "حلول" للقصص؟ ليس فقط تحليلها كنص أدبي كما كنت أفعل في حياتي السابقة، بل فهم آلياتها الداخلية كأنها آلة معقدة ذات تروس ومفاتيح سرية؟'
نظرت حولي في الغرفة.
هل يمكنني "تحليل" شيء بسيط، شيء لا يحاول أكلي؟ التقطت الكوب الفارغ الذي كان على المكتب، ذلك الذي يحمل بقع القهوة الجافة كدليل على صباح بائس آخر في حياة آدم ليستر الأصلي.
ركزت عليه، محاولاً تفعيل المهارة بشكل واعي
. 'مخطط المهندس السردي ... حلل هذا الكوب اللعين.'
لم يحدث شيء مرئي. لا خطوط متوهجة تحيط بالكوب، لا معلومات سرية تظهر في الهواء كأنها عرض هولوغرافي رخيص.
'هل أفعل هذا بشكل خاطئ؟' تساءلت بإحباط.
'أم أن المهارة لا تعمل إلا على "القصص المتجسدة" كما يقول الوصف؟ ماذا يعني "متجسدة" بحق الجحيم؟ هل يجب أن يكون للشيء وعي أو حبكة خاصة به؟ ..'
كنت اعرف داخليًا أنه يقصد قصص الرعب.
'هل يجب على هذا الكوب أن يكون لديه ماضٍ مأساوي أو أحلام لم تتحقق؟'
شعرت بخيبة أمل طفيفة، ولكنها حادة.
'كان سيكون من الرائع لو استطعت تحليل وصفات القهوة المثالية، أو ربما مخططات الثراء السريع .. على الأقل سيكون لها فائدة عملية في حياتي اليومية التي أصبحت فجأة أكثر بؤسًا مما كانت عليه.'
ثم، كالعادة، عادت أفكاري إلى المشكلة الأكثر إلحاحًا.
"كذبتي".
لا يمكنني أن أتجول في أروقة "أكاديمية الطليعة" وأنا أعلن بفخر أن لدي مهارة من رتبة EX لتحليل القصص بينما إحصائياتي الجسدية تجعل دودة الأرض تبدو كبطل في رفع الأثقال.
سيضحكون علي حتى الموت ... أو الأسوأ، سيعتبرونني تهديدًا غريبًا، شذوذًا يجب دراسته، تشريحه، أو ربما التخلص منه بهدوء.
لا شكرًا، لقد شاهدت ما يكفي من أفلام الخيال العلمي لأعرف كيف تنتهي هذه القصة.
'أحتاج إلى قصة تغطية'، قررت بحزم مفاجئ.
'مهارة تبدو معقولة لشخص بإحصائياتي الكارثية، ولكنها تفسر أيضًا أي "نجاحات" قد أحققها بالصدفة أو بالحظ الذي لا يصدق - أو بفضل هذه المهارة التحليلية اللعينة التي لا تزال لغزًا بالنسبة لي.'
ماذا لو ادعيت أن لدي مهارة من رتبة منخفضة تتعلق بالحظ أو الحدس؟
شيء مثل [حدس الناجي (D)] أو ربما [مكتشف الثغرات المحظوظ (C-)] إذا أردت أن أكون طموحًا بعض الشيء؟
قد يفسر ذلك كيف أجد "الحلول" أحيانًا، دون أن يشير إلى أي قوة قتالية حقيقية، وهو أمر جيد لأنني لا أملك أيًا منها.
أو ربما ... ربما يجب أن أذهب في الاتجاه المعاكس تمامًا.
الواجهة "السيكوباثية المجنونة" التي داعبت خيالي بالأمس.
إذا اعتقد الجميع أنني غير متوقع وخطير بعض الشيء، ربما، فقط ربما، سيتركونني وشأني.
'مهارتي؟' يمكنني أن أقول بابتسامة فارغة.
'إنها [همسات المختل (الرتبة: لم أحدد بعد]. أسمع أشياء. أشياء جميلة ومروعة. وأحيانًا ... أفعل ما تطلبه مني تلك الهمسات.'
ارتسمت ابتسامة باردة لا إرادية على شفتي وأنا أتخيل ردود أفعالهم.
'نعم، هذا قد ينجح في إبعاد المتطفلين ... أو قد يجعلهم يحجزون لي غرفة مبطنة في أقرب مصحة.'
لكن الحفاظ على هذه الواجهة سيكون مرهقًا بشكل لا يصدق .. وأنا بالفعل بالكاد أمتلك الطاقة لأبقى مستيقظًا وأفكر في مدى سوء وضعي.
'الأمر معقد'، تنهدت، وشعرت بالصداع الخفيف يعود لينبض بإصرار.
'كل شيء في هذا العالم الجديد معقد بشكل يثير الغثيان. لماذا لا يمكنني أن أكون مجرد شخصية جانبية مملة تموت في الفصل الخامس بهدوء وكرامة؟'
نظرت إلى الساعة الرقمية الصغيرة التي كانت جزءًا من ذلك الجهاز اللوحي الشفاف الذي لم أجرؤ على لمسه بعد.
كانت تشير إلى السابعة صباحًا. اليوم الدراسي الأول "الرسمي" في أكاديمية الطليعة .. بناءً على التاريخ الرسمي الذي وجدتها في الحاسوب.
يا للفرحة العارمة التي لا أشعر بها.
توجهت نحو خزانة الملابس الصغيرة، تلك التي تحتوي على خيارات محدودة بشكل يائس. كانت هناك بدلة رمادية داكنة معلقة بعناية، تبدو وكأنها لم تلمس من قبل.
'لا بد أن هذا هو الزي الرسمي للأكاديمية'، خمنت.
كان يبدو أنيقًا بشكل احترافي، ومملًا بشكل لا يصدق. تمامًا ما تتوقعه من مؤسسة تدرب المراهقين على محاربة كوابيس، بينما تحاول الحفاظ على مظهر من الرقي الزائف.
'كيف تم قبول شخص ضعيف مثل آدم الأصلي، في هذه الأكاديمية المرموقة. ' حككت رأسي بتساؤل، بينما نظرت لشهادة القبول الورقية مرمية في سريري.
ولماذا شهادة ورقية في عالم متطور كهذا؟ يمكنهم فقط ارساله بريديًا.
بدأت في ارتداء الزي، متجاهلًا كل هذه الأسئلة .. القميص الأبيض كان قاسيًا بعض الشيء عند الياقة، وربطة العنق الحمراء الداكنة شعرت وكأنها حبل مشنقة صغير يلتف حول عنقي.
السترة كانت مناسبة بشكل جيد لهذا الجسد النحيل ذي الستة عشر عامًا، والذي كان لا يزال يشعر بالغرابة كأنه بدلة مستعارة.
عندما نظرت إلى نفسي في المرآة مرة أخرى، بدأت مثل طالب نموذجي، جاد ومستعد لمواجهة تحديات العالم الأكاديمي ...
أو على الأقل محاولة إيجاد طريقة للبقاء على قيد الحياة.
"حسنًا أيها العالم اللعين،" قلت بصوت منخفض لانعكاسي الذي بدا جادًا بشكل مزعج.
"لقد حصلت على ليلة كاملة لأستوعب جنونك الخاص وتقبله. دعنا نرى ما هي الكوارث الجديدة والمثيرة التي أعددتها لي في قائمة اليوم."
أخذت نفسًا عميقًا، محاولًا جمع ما تبقى من شجاعتي (التي كانت على الأرجح في رتبة F-- إذا كان هناك شيء كهذا في الإحصائيات العقلية).
اخذت معي شهادة القبول، والقيت نظرة سريعة عليها.
________________________
أكاديمية الطليعة العليا
مكتب القبول والتسجيل - مدينة زينيث
تحالف الأرض الموحد (UTA)
إشعار قبول رسمي
إلى السيد: آدم ليستر
رقم التعريف الطلابي المؤقت: AL77-08272038
عزيزي السيد ليستر،
يسرنا بشكل رسمي ومقنن إبلاغكم بأنه بعد مراجعة دقيقة لملفكم وتقييم إمكاناتكم (المفترضة)، قررت لجنة القبول في أكاديمية الطليعة منحكم مقعدًا في دفعة السنة الأولى للعام الأكاديمي 2054-2055.
إن أكاديمية الطليعة، بصفتها المؤسسة التدريبية الرائدة عالميًا في مجال مواجهة الظواهر السردية وحماية مدنيي تحالف الأرض الموحد، تفخر باختيار الأفراد ذوي القدرات الاستثنائية.
قبولكم في هذا البرنامج المرموق هو شهادة على شيء ما، نحن على وشك اكتشافه معكم.
نتوقع منكم التفاني، الانضباط الصارم، والاستعداد لمواجهة تحديات قد تتجاوزما يمكن اعتباره "معقولًا" أو "آمنًا" وفقًا للمعايير التقليدية.
يرجى العلم بالبنود التالية كجزء من قبولكم:
معدل الاستنزاف: أكاديمية الطليعة لا تضمن التخرج.
في الواقع، الإحصائيات تشير إلى عكس ذلك تمامًا لمعظم الملتحقين. ننصحكم بتحديث وصيتكم (إذا كان لديكم واحدة، أو إذا كان لديكم ما تورثونه).
المخاطر الكامنة: التدريب يتضمن التعرض المباشر ل"قصص" وبوابات من مختلف الرتب.
الإصابات خطيرة، والموت، للأسف، خيار وارد ومسجل إحصائيًا.
الأكاديمية غير مسؤولة عن الأطراف المفقودة، الصدمات النفسية الدائمة، أو التحولات الوجودية غير المرغوب فيها.
السرية: أي معلومات تتعلق بالبوابات، "القصص"، أو القدرات التي يتم كشفها أو تطويرها داخل الأكاديمية تعتبر سرية للغاية.
أي خرق لهذه السرية سيواجه بأقصى درجات العقوبة.
الموارد: سيتم تزويدكم بسكن أساسي، وجبات، وزي موحد.
أي شيء آخر هو رفاهية يجب أن تكسبوها ... أو تسرقوها (لا ننصح بالخيار الأخير، لدينا كاميرات).
نطلب منكم الحضور إلى التجمع التعريفي لطلاب السنة الأولى في القاعة الكبرى، المبنى المركزي، في تمام الساعة التاسعة صباحًا يوم 28 أغسطس، 2054.
ملاحظة: التأخير غير مقبول ويعتبر دليلًا مبكرًا على عدم الكفاءة.
نحن نتطلع إلى رؤية ما إذا كنتم ستصبحون أصلًا قيمًا ل UTA، أو مجرد إحصائية أخرى في سجلاتنا.
بتحفظ،
مكتب القبول والتسجيل
أكاديمية الطليعة
"نصقل الأبطال ... ونحيي الأمم."
________________________
فتحت باب الغرفة، مستعدًا لمواجهة أول يوم لي في هذا السيرك المنظم بشكل مرعب، والذي يسمونه بفخر "أكاديمية الطليعة".
خرجت من تلك الشقة الكئيبة التي أصبحت بطريقة ما "بيتي" الجديد، وأغلقت الباب خلفي بصوت مكتوم.
الممر في المبنى السكني لم يكن أفضل حالًا من الغرفة نفسها .
إضاءة خافتة، رائحة غبار قديم، وصمت يوحي بأن الجيران إما موتى أو يتمنون لو كانوا كذلك.
'مكان مثالي لبداية حياة جديدة مليئة بالبهجة والمرح'، فكرت وأنا أهبط على الدرج البالي.
الآن، المشكلة التالية: كيف أصل إلى "أكاديمية الطليعة" المرموقة، هذا النصب التذكاري الذي يبني دروع بشرية، لرميها في القصص المختلفة.
من خلال بحثي المحموم على الإنترنت ليلة أمس، اكتشفت أنها تقع في الجانب الآخر من مدينة زينيث.
وهو ما يعني أنها ليست على مسافة قريبة يمكن قطعها سيرًا على الأقدام، خاصة بجسد ذي إحصائيات تحمل من رتبة F-.
لم يكن لدى "آدم ليستر" الأصلي أي مركبة خاصة، ولا حتى دراجة هوائية صدئة.
وبالتأكيد لم أجد أي أموال نقدية أو بطاقات ائتمان في الشقة.
'يتيم، مفلس، وعلى وشك أن يتأخر عن أول يوم له في أكاديمية الوحوش. يا لها من ثلاثية رائعة.'
الحل الوحيد كان المواصلات العامة … حافلة يا للفخامة.
توجهت إلى محطة الحافلات التي أشار إليها تطبيقي الخرائطي البدائي (الذي وجدته على الجهاز اللوحي الشفاف اللعين).
كانت المحطة مزدحمة بشكل معتدل، معظمهم من كبار السن أو أشخاص يبدو أنهم متجهون إلى أعمال لا يحبونها.
لم أر أي طلاب آخرين يرتدون الزي الرمادي الممل.
'ربما طلاب أكاديمية الطليعة لديهم سائقون خاصون أو ينتقلون آنيًا. أو ربما هم أذكى مني بما يكفي ليعيشوا بالقرب من المكان الذي سيدرسون فيه.'
صعدت إلى الحافلة عندما وصلت، محاولًا أن أبدو واثقًا وكأنني أعرف ما أفعله.
السائق، رجل ضخم بتعبير وجه يوحي بأنه رأى كل شيء ولم يعجبه أي شيء منه، نظر إلي بنظرة سريعة.
"الأجرة، أيها الفتى."
تجمدت للحظة !
'الأجرة. بالطبع. الأشياء ليست مجانية في هذا العالم المستقبلي أيضًا، على ما يبدو.' لم يكن لدي أي شيء.
لا عملات معدنية، لا بطاقات ذكية. مجرد جيوب فارغة ومهارة EX لتحليل القصص، والتي لا أعتقد أنها وسيلة دفع مقبولة.
ابتسمت ابتسامة متوترة، محاولًا أن أبدو بريئًا ومربكًا.
"آه، عذرًا، يبدو أنني نسيت محفظتي في المنزل. هل يمكنني الدفع عند النزول أو شيء من هذا القبيل؟ لدي يوم مهم في أكاديمية الطليعة، ولا أريد أن أتأخر." ذكرت اسم الأكاديمية على أمل أن يثير بعض الاحترام.
السائق رفع حاجبًا كثيفًا. "أكاديمية الطليعة، هاه؟" قال بنبرة لا تحمل أي إعجاب.
"حسنًا، يا بطل المستقبل. اجلس في الخلف. وسنتحدث عن الأجرة لاحقًا."
'لاحقًا؟ ماذا يعني ب "لاحقًا"؟' شعرت بالقلق.
هل سيقوم بتسليمي للشرطة عند المحطة الأخيرة؟ هل سأبدأ مسيرتي "البطولية" في سجن مدني بسبب التهرب من أجرة الحافلة؟
جلست في الخلف، وقلبي يخفق قليلاً.
الرحلة كانت طويلة ومملة.
المباني السكنية الكئيبة تفسح المجال تدريجيًا لمناطق تجارية أكثر حداثة، ثم بدأت أرى لمحات من تلك الهندسة المعمارية المستقبلية المبهرة التي ميزت مركز مدينة زينيث.
كلما اقتربنا، كلما زاد توتري بشأن "لاحقًا" مع السائق.
عندما بدأت الحافلة تقترب من محطة تبدو قريبة من المجمع الضخم الذي يجب أن يكون أكاديمية الطليعة، بدأت خطتي اليائسة تتشكل.
لم تكن خطة ذكية، ولا حتى جيدة.
كانت خطة "آدم" النموذجية: ارتجل واهرب.
راقبت الأبواب. عندما توقفت الحافلة وبدأ الركاب في النزول، استجمعت كل ما لدي من رشاقة (رتبة F، تذكروا) واستعددت.
"هوفف !" في اللحظة التي فتحت فيها الأبواب الخلفية، اندفعت للخارج كأن حياتي تعتمد على ذلك - وهو ما قد يكون صحيحًا إذا كان السائق من النوع الذي يحمل ضغائن.
"أيها الفتى! الأجرة!" سمعت صوت السائق الغاضب خلفي، لكنني لم ألتفت.
ركضت .. وركضت بأسرع ما يمكن لجسدي ذي ال16 عامًا وإحصائياته البائسة أن يحملني.
لحسن الحظ، لم يكن هناك الكثير من الناس في هذه المنطقة، ويبدو أن السائق لم يكن مهتمًا بما يكفي ليترك حافلته ويطاردني.
توقفت أخيرًا عندما شعرت بأن رئتي على وشك الانفجار، وأنا ألهث وأتكئ على جدار زجاجي بارد.
نظرت حولي.
"هوف .. هف، هاف .. هوف هف! "
بعد التقاط انفاسي اخيرًا .. نظرت حولي.
كنت في ساحة واسعة، تؤدي إلى مدخل ضخم لمبنى يبدو وكأنه معبد مستقبلي مخصص للعلم ... أو للتضحية بالشباب.
شعار الشعلة الزرقاء داخل الدرع الفضي كان معلقًا فوق المدخل.
لقد وصلت. أكاديمية الطليعة. وبدأت يومي الأول كهارب من العدالة.
'يا لها من بداية ملحمية لمسيرتي كطالب.'
"مرحبًا بكم، أيها الطلاب الجدد، في أكاديمية الطليعة!"
دوى نفس الصوت القوي والمعدني الذي سمعته في بحثي على الإنترنت، ولكن هذه المرة بدا وكأنه يأتي من كل مكان حولي.
"نرجو من جميع طلاب السنة الأولى التوجه فورًا إلى القاعة الكبرى لحضور التجمع التعريفي … اتبعوا اللافتات الضوئية."
ظهرت الأسهم الزرقاء المتوهجة على الأرضيات وفي الهواء، ترشدني نحو مصيري المحتوم. تنهدت.
'حسنًا يا آدم. لقد نجوت من السائق. الآن، الجزء الصعب .. النجاة من الأكاديمية نفسها.'
انضممت إلى تيار الطلاب الآخرين، الذين كانوا يتدفقون الآن من اتجاهات مختلفة.
جميعهم يرتدون نفس الزي الرمادي الموحد الذي يجعلنا نبدو كجيش من النمل العامل المستعد للتضحية من أجل الملكة.
القاعة الكبرى كانت ... حسنًا، كانت كبيرة بشكل يبعث على السخافة.
سقف مقبب يرتفع إلى ما لا نهاية، جدران مزخرفة بتاريخ الأكاديمية البطولي (أو المأساوي، حسب وجهة نظرك)، وعدد لا يحصى من المقاعد التي كانت تمتلئ بسرعة.
وجدت مقعدًا في الخلف، محاولًا أن أذوب في الخلفية.
'لا تلفت الانتباه … القاعدة الأولى للبقاء على قيد الحياة في أي قصة رعب: الشخص الذي يلفت الانتباه يموت أولاً، أو يصبح البطل. وكلاهما يبدو خيارًا سيئًا الآن.'
بينما كنت أتظاهر بالاندماج مع ورق الحائط، بدأت أبحث عن الوجوه المألوفة من "سجلات أكاديمية الطليعة".
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً.
في مكان ليس ببعيد، في وسط مجموعة من الطلاب الذين يبدون وكأنهم يعبدون الأرض التي يمشي عليها، كان إيثان ريدل.
شعره الأبيض الساطع كان يبدو أكثر إشراقًا في الحياة الواقعية، وعيناه الزرقاوان تحملان تلك الشرارة من الثقة التي تميز الأبطال عادة.
كان يضحك بصوت عالٍ على شيء قاله أحد اصدقائه.
'لا يزال نفس الأحمق الساحر الذي أتذكره'، فكرت، وقاومت رغبة في دحرجة عيني.
'أتساءل ما إذا كان لا يزال يصرخ باسم تقنياته القتالية قبل أن يطلقها. يا له من إحراج.'
وعلى النقيض تمامًا، في زاوية أخرى، كان يجلس دريك مالوري بمفرده، كذئب يراقب قطيعًا من الخراف الغبية.
شعره الأسود الأنيق وعيناه الداكنتان الحادتان كانتا تعطيانه مظهرًا خطيرًا ومغريًا في نفس الوقت.
كان يتفحص القاعة بنظرة تحليلية باردة، وكأنه يقيم نقاط ضعف الجميع.
'هذا الوغد يبدو وكأنه ولد وهو يرتدي سترة جلدية سوداء ويستمع إلى موسيقى الميتال الحزينة'، سخرت داخليًا.
'أتساءل من سيكون أول ضحاياه في لعبة الأكاديمية هذه.'
ثم، لفتت انتباهي سيرينا فاليريان.
كانت تجلس بالقرب من إحدى النوافذ الضخمة، والضوء ينساب على شعرها الفضي الطويل، مما يجعله يبدو كأنه هالة صادرة من القمر.
عيناها بلون العنبر كانتا مركزتين على كتاب أو جهاز لوحي في يدها، وتعبير وجهها هادئ ومركز.
كانت تبدو كشخص يعرف بالضبط ما يفعله، وهو أمر نادر في هذا المكان المليء بالمراهقين المرتبكين.
'على الأقل هناك شخص واحد هنا لا يبدو وكأنه على وشك الانهيار أو ارتكاب جريمة قتل'، اعترفت لنفسي.
'ربما يمكنني أن أتعلم منها شيئًا عن كيفية البقاء عاقلاً ... أو على الأقل التظاهر بذلك.'
هؤلاء هم الثلاثة الكبار.
النجوم، المنافسون، والمواهب التي من المفترض أن تشكل مستقبل هذا العالم المريض .. وهناك شخصيات رئيسية لم تظهر بعد.
وأنا؟
أنا آدم ليستر، الهارب من أجرة الحافلة، والذي يجلس في الخلف ويأمل ألا يكتشف أحد أنه لا يملك أي فكرة عما يفعله هنا.
فجأة، خفتت الأضواء في القاعة، وساد صمت مشوب بالترقب.
ظهر رجل في منتصف العمر على المنصة المرتفعة، يرتدي زيًا رسميًا أكثر فخامة من زينا، ووجهه يحمل تعبيرًا صارمًا كأنه منحوت من الجرانيت.
"أيها الطلاب الجدد،" دوى صوته الجهوري في أرجاء القاعة، مصحوبًا بصدى خفيف.
"أنا العميد هارغروف، عميد أكاديمية الطليعة. مرحبًا بكم في بداية ما سيكون، بالنسبة للكثيرين منكم، أكثر السنوات تحديًا وإثارة ... "
'يا له من خطاب ترحيبي مفعم بالأمل والتفاؤل'، فكرت، وشعرت بأن الصداع الخفيف الذي كان يراودني قد قرر أن يستقر بشكل دائم.
'أنا بالتأكيد، بالتأكيد، في المكان المناسب تمامًا.'
*****
اخر فصل لليوم.
اذا ما قاطعني شي، بيكون كل يوم ثلاثة فصول او فصلين(حتى نصل لنهاية الفصول المخزنة)