"درينغ-درينغ-درينغ-!!"

"امم …"

استيقظت على صوت المنبه الإلكتروني الخافت لجهاز الكاردينال.

لم يكن صوتًا مزعجًا، بل كان نغمة هادئة ومنظمة، تمامًا مثل كل شيء في هذه الأكاديمية.

فتحت عيني، وحدقت في السقف الأبيض لغرفتي في السكن الطلابي. كان سقفًا مثاليًا، لا تشوبه شائبة، لا صدع فيه، لا بقعة واحدة.

كان مملاً بشكل لا يطاق.

للحظة، شعرت بأنني لا أزال في ذلك العالم الأبيض الفارغ داخل اللوحة، قبل أن تعود إلي ذكريات اليوم السابق كصفعة باردة.

السجال الجماعي. فريق غاما. سيرينا، إيثان، كلوي ... وكاي مورغنستيرن.

["هل تشعر بالملل؟"]

تردد صوته الهادئ والبارد في ذهني. لم يكن سؤالاً، بل كان تشخيصًا.

نهضت من السرير، وشعرت بثقل غريب في جسدي.

لم يكن إرهاقًا جسديًا، بل كان إرهاقًا ذهنيًا. الشعور بأنك مراقب، ليس فقط من قبل الأساتذة، بل من قبل "اللاعبين" الحقيقيين في هذه القصة، كان مرهقًا.

باقي الامس كانت محاضرات دراسية، ثم بقيت في غرفتي بقية اليوم.

'كاي مورغنستيرن ...'

هذا الاسم وحده كان كافيًا لإثارة قشعريرة خفيفة.

في الرواية الأصلية، كان شخصية ذات وزن هائل، كشخصية رئيسية. شاب ذو مزاج معقد لم يحصل على راعية جيدة .. وحقيقة أنه أظهر اهتمامًا بي ... لم تكن علامة جيدة بالتأكيد.

"تشش ! .."

توجهت إلى الحمام الصغير الملحق بغرفتي وغسلت وجهي بالماء البارد، محاولاً طرد بقايا النوم وهذه الأفكار المقلقة.

نظرت إلى انعكاسي في المرآة. وجه آدم ليستر. وجه غريب لا يزال يبدو وكأنه قناع أرتديه. شعر أسود فحمي فوضوي، عينان رماديتان تحملان تعبيرًا ناعسًا.

'يجب أن أحافظ على هذا القناع.' فكرت. 'سوء فهم كاي لقوتي هو درعي الوحيد في الوقت الحالي. إذا تم الأكتشاف بأنني مجرد شخص عادي، سيكون هذا سيء لحياتي الأكاديمية.

خرجت من الحمام وتوجهت إلى المطبخ الصغير. لا يوجد شيء هنا سوى آلة صنع قهوة رخيصة وبعض الأكواب.

'قهوة سوداء مرة أخرى.' تنهدت. 'ما الذي لا أفعله للحصول على جرعة إسبريسو حقيقية الآن.'

وضعت بعض مسحوق القهوة في الفلتر، وشغلت الآلة، واستمعت إلى صوتها المزعج وهي تبدأ في تقطير سائل أسود مر.

"شوشش …"

'هدف مستقبلي: عندما أصبح غني وأجني بعض المال، أول شيء سأشتريه هو آلة إسبريسو إيطالية فاخرة. هذا إذا لم أمت قبل ذلك، بالطبع.'

وبينما كنت أنتظر قهوتي، بدأت أفكر في المستقبل الأوسع.

الكرنفال الملتوي. مصعد بهو .. معرض اللوحات اللعينة.

كلها كانت "قصص رعب" جانبية لم تظهرت في الرواية الأصلية.

حوادث صغيرة في الصورة الكبيرة، لكنها كانت مميتة لمن هم مثلي.

'لقد نجوت منها جميعًا بفضل مهارتي ليس إلا.'

لكن ماذا عن المستقبل؟

هناك المزيد من هذه القصص القادمة كما في الرواية الأصلية .. "مستشفى الأشباح"، "لعبة الدمى"، "قطار منتصف الليل". كل واحدة منها كانت فرصة ومأساة في نفس الوقت.

فرصة للحصول على مكافآت نادرة، ومأساة لأنها كانت تقتل شخصيات ثانوية وحتى بعض الشخصيات المهمة.

'يمكنني استغلالها.' فكرت، وأنا أصب القهوة السوداء في كوبي. 'إذا تمكنت من حل هذه "القصص" قبل أن تتفاقم، يمكنني الحصول على مكافآت النظام، وربما ... إنقاذ بعض الحمقى في هذه العملية.'

لكن هذا كان طريقًا خطيرًا. كل تدخل مني يغير مسار القصة الأصلية. كل تغيير يخلق متغيرات جديدة لا أعرفها.

أنا أسير على حبل مشدود فوق هاوية من الشبكات.

هذا ما يسمى نظرية "الفراشة" وفكرتها إن حتى رفرفة جناح فراشة في البرازيل قد تؤدي إلى إعصار في تكساس.

قرأت وشاهدت ما يكفي من قصص منتقلين وعائدون بالزمن، لمعرفة إن محاولة العبث بالتدفق الطبيعي للأحداث، قد يكون اقرب لألم المؤخرة.

لا انت تستطيع الحراك بشكل طبيعي ولا الوقوف بشكل مستقيم، ولا حتى المشي بثبات.

'لكن البقاء ساكنًا ليس خيارًا أيضًا.' ارتشفت من قهوتي.

كانت مرة، تمامًا كما توقعت. 'إذا بقيت ساكنًا، فإن القصة ستأتي إلي .. كما حدث مع الكرنفال ... ووجودي في الفريق غاما .. الأستاذة فينكس وضعتني هناك عمدًا.'

لا أعرف لماذا ولكنه بالتأكيد لغرض المراقبة.

انتهيت من قهوتي، وشعرت بأن الكافيين الرخيص يبدأ في العمل. حان وقت مواجهة اليوم.

***

توجهت إلى قاعة الفصل ألفا.

عندما دخلت، شعرت به على الفور. الانخفاض الملحوظ في مستوى الضوضاء. الأحاديث الجانبية تحولت إلى همسات، والهمسات توقفت عندما التقت أعينهم بي.

ثم، أشاحوا بنظرهم بسرعة، كأن النظر إلي مباشرة يعتبر وقاحة أو خطرًا.

لقد أصبح هذا روتين يومي.

النظرات الغريبة مستمرة.

كانوا لا يزالون يحاولون فهم ما حدث، وكيف نجوت، وما هي طبيعة قدراتي.

بالنسبة لهم، أنا مجرد شخص غريب ومقلق يجب كرهه. لا حاجة لتحليل معقد.

عدت إلى مقعدي في الخلف، وتجاهلت كل النظرات.

لكن قبل أن أجلس، رأيتها.

كلوي جانسن.

كانت تجلس مع بعض أصدقائها، لكنها كانت تنظر في اتجاهي.

عندما التقت أعيننا، لم تشح بوجهها. بدلاً من ذلك، ابتسمت ابتسامة عريضة ومشاكسة، ثم غمزت لي.

بدأت الغمزات تكثر في الفترة الأخيرة.

'ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟'

هذه الفتاة كانت فوضى متحركة. هل أثار إعجابها "هروبي"؟ أم أنها رأت فيي كيس ملاكمة وسيم؟ في كلتا الحالتين، كان هذا مقلقًا.

ثم نظرت سيرينا فاليريان نحوي. كانت تجلس بهدوء، كتمثال من الرخام. نظرتها كانت باردة، فارغة، وتجاهلتني تمامًا، كأنني غير موجود.

التجاهل التام من قائدة الفريق كان يعني شيئًا واحدًا: لقد تم تصنيفي كعنصر فاشل وغير موثوق به.

وهذا ... كانت علامة جيدة في نظري، ان تتجاهلك شخصية رئيسية .. ولكن من السيء ان تكسب ضغينة ضدك.

هذا سيء بطريقة أخرى.

في تلك اللحظة، دخلت الأستاذة فينكس إلى القاعة، وصمت الجميع على الفور.

وقفت أمامنا، ووجهها كالعادة لا يظهر أي تعبير.

"صباح الخير، أيها الطلاب،" قالت بصوتها الجليدي. "قبل أن نبدأ درس اليوم، سيتم إعلان نتائج وتقييمات السجال الجماعي الذي جرى بالأمس."

ساد توتر خفيف في الهواء.

بدأت شاشة كبيرة خلفها تعرض النتائج.

"تم تقييم جميع الفرق بناءً على العمل الجماعي، والتنفيذ، والقدرة على تحقيق الهدف. العديد من الفرق أظهرت أداءً جيدًا .. مثل فريق ثيتا."

رأيت زين وائلدر يميل رأسه قليلاً، كأنه يتقبل المدح ببرود.

"فريق دلتا، على الرغم من الصعوبات الأولية، أظهر قدرة على التحمل وإعادة تجميع الصفوف."

ليو أومأ برأسه، وتعبير جاد على وجهه.

"لكن الفريق الذي حصل على أعلى تقييم ... هو فريق غاما."

همسات مفاجئة انتشرت في القاعة.

"فريق غاما؟"

"لكنهم خسروا عضوًا في البداية!"

"سمعت أن كلوي وإيثان كانا على وشك الانهيار."

رفعت فينكس يدها، وعاد الصمت.

"الفوز في مواجهة ليس هو المقياس الوحيد للنجاح. فريق غاما واجه وضعًا غير مؤاتٍ (3 ضد 4)، ومع ذلك، تمكن من التكيف، وتحقيق النصر من خلال القوة الساحقة لأعضائه، والقتال الأستراتيجي وتوزيع الفريق."

نظرت نحو سيرينا، التي لم يتغير تعبيرها.

ثم، توقفت عيناها علي.

"ومع ذلك، كان هناك أداء لبعض الأفراد ... غير تقليدي."

شعرت بأن كل العيون في القاعة تتجه نحوي.

'أنتظر هذا ظلم .. ألم يفعل كاي نفس الشيء ؟؟'

"القدرة على تقييم الموقف، وفهم حدود القوة، واتخاذ قرار استراتيجي بالانسحاب التكتيكي لحماية المؤخرة وتجنب أن تصبح عبئًا ... هي أيضًا مهارة قيمة، وإن كانت غير مألوفة."

لم تكن تمدحني. لم تكن توبخني.

كانت تتحدث عني كأنني مشكلة رياضية معقدة. كانت تصف أفعالي بمصطلحات ارقى لتجعلها تبدو مقبولة.

لكنني فهمت الرسالة.

'لقد رأيت ما فعلت. وأنا أراقبك.'

"هذا كل شيء،" أنهت حديثها. "سيتم إرسال التقييمات التفصيلية إلى أجهزتكم. الآن، لنبدأ درس اليوم."

عندها، تنفست الصعداء. لقد نجوت ... في الوقت الحالي.

لكن عندما استدرت، رأيت ريكس بارنز يهمس لرفاقه وهم يضحكون بصوت خافت.

"انسحاب تكتيكي؟ إنها تسمي الجبن اسمًا آخر."

تجاهلته. لا فائدة من الرد على الحمقى.

لكنني شعرت بنظرات أخرى.

نظرة سيرينا الباردة أصبحت أكثر حدة، كأنها تحاول فك شفرة تقييم الأستاذة فينكس .. وإيثان ... كان ينظر إلي بخيبة أمل واضحة، كأنه لا يصدق أن "الجبن" يمكن أن يكافأ.

جلست في مقعدي، وأنا أشعر بأن العزلة من حولي تزداد كثافة.

'انتهت معركة،' فكرت، وشعرت بوخزة من القلق. 'لكن يبدو أن الحرب الاجتماعية قد بدأت للتو.'

والسؤال الأهم الذي كان يدور في ذهني: 'هل ستشتكي سيرينا علي للأستاذة فينكس بعد أن تجاهلت أوامرها بشكل صارخ؟ هل ستحمل ضغينة، وتضعني في القائمة السوداء ؟'

بالنظر إلى شخصيتها، كنت متأكدًا من أن الجواب هو نعم.

مستقبلي في هذه الأكاديمية، أصبح الآن أكثر تعقيدًا ..

***

كما توقعت، لم يمر "انسحابي" مرور الكرام.

في نهاية اليوم الدراسي، الذي قضيته أتلقى نظرات تتراوح بين العداء والفضول، استدعتني الأستاذة فينكس مرة أخرى.

لم يكن استجوابًا هذه المرة، بل كان حكمًا.

"ليستر،" قالت ببرودها المعتاد، "بينما أقر المجلس الأكاديمي بأن أفعالك لم تعرض الفريق للخطر المباشر، فإن عدم اتباع الأوامر بشكل صريح يتطلب إجراءً تأديبيًا."

'ترجمة: سيرينا اشتكت، لكنني دافعت عنك قليلًا، والآن يجب أن أبدو كأنني أفعل شيئًا حيال ذلك.'

"عقوبتك ستكون المساعدة في أرشفة السجلات في مكتبة الأكاديمية الرئيسية لمدة أسبوعين، بدءًا من اليوم."

أومأت برأسي دون أي تعبير.

"هل هذا كل شيء، أستاذة؟"

"انصرف،" قالت، وعادت إلى أوراقها.

لم أكن منزعجًا. في الواقع، كنت أشعر ببعض الارتياح.

عقوبة في المكتبة؟ هذا ليس عقابًا، بل هو مكافأة. مكان هادئ، بعيد عن البشر، ومليء بالمعلومات. بالنسبة لشخص مثلي، كان هذا أفضل من قضاء عطلة في منتجع فاخر … حسنًا مستحيل.

الأهم من ذلك، كان فرصة. فرصة للتأكد من بعض الحقائق، لملء الفجوات التي تركتها الرواية الأصلية.

معرفتي كانت واسعة، لكنها كانت معرفة "قارئ"، تركز على الأحداث الرئيسية والشخصيات. التفاصيل الدقيقة، التاريخ، القوانين... كانت لا تزال ضبابية.

كنت أخطط لستخدام الحاسوب الذي في غرفة سكني .. ولكن بما أن المكتبة أتت إلي فمرحبًا بها.

مكتبة أكاديمية الطليعة لم تكن مجرد مكتبة .. كانت صرحًا.

مبنى ضخم ومنفصل عن بقية المباني الأكاديمية، ذا تصميم كلاسيكي مهيب، كأنه معبد قديم مخصص للمعرفة.

[مكتبة لورين]

نظرت لأسم المكتبة من اللافتة البرونزية.

من الخارج، كانت تبدو وكأنها لا تنتمي إلى هذا العالم المستقبلي، لكن من الداخل، كانت مزيجًا مذهلاً بين القديم والحديث.

رائحة الورق القديم والجلد كانت تمتزج مع همهمة خافتة للخوادم الإلكترونية وأنظمة تنقية الهواء. رفوف خشبية داكنة تمتد لارتفاع عشرات الأمتار، مليئة بكتب حقيقية ذات أغلفة جلدية، وفي نفس الوقت، كانت هناك شاشات هولوغرافية تعرض بيانات رقمية، وروبوتات صغيرة تتحرك بصمت بين الممرات، تعيد الكتب إلى أماكنها.

"عقاب ؟ … حسنًا يا بني ."

كانت أمينة المكتبة، وهي امرأة عجوز ذات نظارات نصف قمرية وبدت وكأنها ولدت بين هذه الرفوف، قد أعطتني تعليمات بسيطة.

"هذه السجلات من 'عصر الفوضى' تحتاج إلى مسح ضوئي وأرشفة رقمية. معظمها تالف. كن حذرًا."

ثم تركتني وشأني.

'مثالي.'

بدأت العمل. كانت السجلات عبارة عن مجلدات ورقية قديمة، هشة، ورائحتها كرائحة الغبار ... ولكن دون أن يصيبني بالحساسية بالطبع.

كانت تحتوي على تقارير ميدانية، مذكرات شخصية لمستكشفين أوائل، قصاصات صحف من عالم ما قبل الانهيار.

وبينما كنت أقلب الصفحات وأمسحها ضوئيًا من الجهاز الأسود الذي يبدوا ككاميرة، بدأت الصورة التي أعرفها بشكل مبهم من الرواية تتضح أمامي، وتكتسب تفاصيل أوضح.

الحدث الرئيسي: ظهور "التمزقات السردية" أو "بوابات القصص".

لم يكن الأمر مجرد ظهور مفاجئ للبوابات. السجلات الأولى، التي يعود تاريخها إلى حوالي عام 1920 ميلادي، تحدثت عن "ظواهر غريبة".

قصص من قرى نائية عن "أطفال يتحدثون مع وحوش غير مرئية"، أو "غابات تتغير فيها المسارات كل ليلة"، أو "أغانٍ غريبة تجعل من يسمعها يفقد عقله".

كانت هذه هي البداية. كانت "القصص" تتسرب إلى واقعنا ببطء، كحبر ينتشر على ورقة.

ثم جاء الانفجار !

في يوم واحد والذي سمي فيما بعد ب "يوم السقوط" كما أطلقت عليه السجلات، انفتحت آلاف "التمزقات السردية" في جميع أنحاء العالم.

لم تكن بوابات نظيفة ومستقرة كما هي الآن. كانت جروحًا مفتوحة في نسيج الواقع، تتقيأ الفوضى.

قصص رعب لم يتم تصفيتها لفترة … عندها خرج ما فيها إلى الخارج.

من تمزق في لندن، خرج "جاك السفاح"، يطارد أزقة المدينة .. ويضحك بخنجر من دماء.

من تمزق في غابات الأمازون، بدأت "حكايات شعبية ملتوية" تتجسد، وأشجار تسير، وأنهار تهمس بلعنات قديمة.

ومن تمزق في المحيط الهادئ، استيقظ شيء لم تصفه السجلات إلا ب "الرعب النائم"، شيء وجوده وحده كان يسبب الجنون.

هذه البوابات لم تكن تؤدي إلى أماكن، بل إلى "سيناريوهات". كانت تجسيدًا لأساطير، وكوابيس، ومفاهيم مجردة.

السجلات التي تلت "يوم السقوط" كانت كابوسًا.

صور لمدن مدمرة، وتقارير عن انهيار الحكومات القائمة.

الأسلحة التقليدية في ذالك العصر كانت عديمة الفائدة ضد وحش مصنوع من الخوف، أو ضد قصة تغير قوانين الفيزياء.

لم تكن "قصص الرعب" مجرد ممرات، بل أنهيار في الواقع، أدت إلى تسرب "السيناريوهات" . أساطير تجسدت، وأفكار تحولت إلى لحم ودم. لا أحد يعرف من فتحها أو لماذا.

إمبراطورية بريطانيا العظمى … سقوط العرش عبر الضباب

سقطت لندن أولاً.

من مختلف الرعب المتجسد هناك، كان هناك القصة الأكثر تفردًا بينهم.

لم تكن قصة حرب، فقط حكاية. قصة طفلة تاهت في الضباب، وصار الضباب يأكل البشر.

جيش الإمبراطورية، الذي حكم نصف العالم، حاول القتال، لكن الرصاص لم يصيب الضباب.

عندما اختفت الملكة في مرآة من الكلمات، عرف أن التاج قد كسر.

الولايات المتحدة …

في نيويورك، ظهرت أولى البوابات على شكل ناطحة سحاب لا تنتهي، كل طابق فيها يحكي نتيجة مختلفة للحلم الأمريكي.

كل من صعدها لم يعد.

في واشنطن، دخل كيان يسمى "المفهوم الخامس" الكونغرس، وجعل كل القوانين بلا معنى.

الاقتصاد انهار حين أصبحت الأموال تتحول إلى فساد لمن يحملها.

فرنسا ...

في باريس، تمزقت اللغة. كل جملة تقال كانت تستكمل بقصة تعاد بشكل مميت.

قصيدة قديمة خرجت من المتحف، وتمشت في الشوارع، وكل من سمعها صار جزءًا من مقطع موسيقي لا نهاية له.

الجنود أطلقوا النار على "المعنى"، لكنه لم يكن موجودًا فيزيائيًا.

روسيا السوفيتية ..

كانت لا تزال تتشكل كدولة … لكنها واجهت بوابة تدعى

"الأيديولوجيا المجسدة"

كل من نطق بكلمة "ثورة" أصبح قائدًا، ثم ضحية، ثم تمثالًا ناطقًا.

موسكو تحولت إلى متحف حي للأفكار المتصارعة.

لم ينجوا أحد من النقاش الأخير.

في برلين، ظهرت قصة في صورة معادلة رياضية تحل نفسها بلا نهاية.

من قرأها جن، ومن تجاهلها اختفى.

العلماء جربوا مواجهتها، فذابت المختبرات وتحولت إلى مفارقات زمنية متكررة.

لم تسقط ألمانيا بل أعيد تشغيلها مرارًا حتى تآكلت.

لم تسقط القوى العظمى بقوة أعظم .. بل سقطت أمام ما لا يمكن تعريفه.

أمام فكرة، حلم، كذبة قديمة … خرجت من البوابات كقصص.

انهارت الحضارة في غضون عقد واحد.

خسائر بشرية هائلة. صفحات كاملة من السجلات كانت مجرد قوائم لأسماء الموتى.

البشرية كانت على وشك الانقراض.

لكن وسط هذا الدمار، حدث شيء آخر.

بدأ بعض الأفراد، معظمهم من الأطفال والمراهقين الذين ولدوا بعد "يوم السقوط"، يظهرون قدرات فطرية استثنائية، الذين كانوا يقولون أنهم يروون شاشة زرقاء تطفوا.

"المهارات".

كانت السجلات الأولى عنهم فوضوية. "فتى يحرك الحجارة بعقله." "فتاة تشعل النار بيديها." "رجل يختفي في الظل."

في البداية، كان ينظر إليهم على أنهم وحوش، جزء من الفوضى. تم مطاردتهم وقتلهم.

لكنهم كانوا الأمل الوحيد.

تعلموا استخدام قوتهم، وبدأوا في مقاومة القصص.

كانوا أول .. المستكشفين.

مع مرور الوقت، تمكن العلماء والباحثون القلائل الذين نجوا من دراسة هذه الظواهر.

قاموا بتصنيف كل شيء.

المهارات، الوحوش، وحتى التمزقات نفسها.

تم إنشاء نظام الرتب، من F- (الأدنى) إلى SSS+ (الأقوى).

فقط شخص واحد في التاريخ وصل لرتبة SSS

وكذالك المهارات .. أسست على نفس البناء .. F إلى SSS (كانت شاشة الحالة هي الأساس في التصنيف)

الرتبة لم تكن تقيس القوة التدميرية فقط، بل التعقيد، الندرة، والإمكانات.

مهارة من رتبة C قد تكون قادرة على تدمير مبنى.

لكن مهارة من رتبة A، مثل مهارة كاي، قد تكون قادرة على تغيير نتيجة معركة بأكملها دون إطلاق طلقة واحدة.

بعد فترة طويلة من الفوضى، التي استمرت لما يقرب من قرن، تمكن قادة ذوو مهارات عالية (معظمهم من الرتبة S وما فوق) من توحيد ما تبقى من البشرية.

شكلوا "تحالف الأرض الموحد" (UTA)

لم تكن حكومة عالمية مثالية، لكنها كانت بداية. بنوا مدنًا محصنة، وأنشأوا فرق مستكشفين منظمة، وبدأوا في استعادة بعض مظاهر الحضارة.

نحن نعيش الآن في عصر من "الاستقرار النسبي".

التهديد من البوابات مستمر. تظهر بشكل عشوائي، وتطلق العنان لكوابيس جديدة.

ولمواجهة هذا، تم إنشاء مؤسسات مثل الأكاديميات لتدريب الأجيال الجديدة من ذوي المهارات.

"أكاديمية الطليعة" كانت الأولى والأهم. تم تسميتها بذلك لأنها تأسست في أحلك أيام "عصر الفوضى"، بهدف واحد: إنشاء وتربية جيل يكون "طليعة" البشرية في حربها التي لا تنتهي ضد القصص.

كنت غارقًا في هذه الأفكار، وأنا أقلب صفحة صفراء هشة، عندما سمعت صوتًا هادئًا بجانبي.

"هذا سجل نادر. 'تأريخ الفوضى، المجلد الثالث'. كنت أبحث عنه."

"ها ؟ .." رفعت رأسي مندهشًا.

كانت تقف هناك فتاة ذات شعر أسود طويل ينسدل على كتفيها، وعيناها الأرجوانيتان الغامضتان تحدقان في المجلد الذي في يدي.

لم أشعر باقترابها على الإطلاق.

"أوه، آسفة، لم أقصد إخافتك،" قالت بصوت ناعم. "لكن هذا المجلد ... هل يمكنني إلقاء نظرة عليه بعد أن تنتهي؟"

"بالتأكيد،" قلت، وأغلقت المجلد ووضعته جانبًا. "كنت قد انتهيت منه للتو."

هذه كذبة، ولكن يمكنني توقع ما سيتحدث عنه الكتاب تاليًا، بناءً على ذكرياتي من الرواية.

أخذت المجلد بتردد، ويداها تتحركان بعناية فائقة.

"شكرًا لك."

جلست على الطاولة المقابلة لي، وبدأت في قراءة السجل باهتمام شديد.

"…."

ساد الصمت للحظات، لم يقطعه سوى صوت تقليب الصفحات الهش.

لم أستطع منع نفسي من مراقبتها. كانت تبدو كشخص لا ينتمي إلى هذا الفصل الصاخب. كانت هادئة، ومنعزلة، ويبدو أنها تفضل صحبة الكتب على البشر.

'ربما نحن متشابهان في هذه النقطة.'

"هل تبحث عن شيء معين؟" سألت فجأة، دون أن ترفع عينيها عن الكتاب.

تفاجأت بسؤالها المباشر.

"فقط ... أحاول فهم بعض الأشياء،" أجبته بغموض.

"مثل كيفية امتلاك شخص واحد لمهارات من تصنيفات مختلفة تمامًا؟" قالت، ورفعت عينيها الأرجوانيتين نحوي لأول مرة.

تجمدت في مكاني .. لقد ذهلت.

'هل هي تعرف بهذا الشأن ؟'

رأت الذهول يغمرني للحظة قبل أن يعود تعبيري لطبيعته، فابتسمت ابتسامة خفيفة. "لا تقلق، أنا لا أهتم بذلك. لكنه لغز مثير للاهتمام من الناحية النظرية. قوانين المانا الحالية تقول إن هذا مستحيل. لكن 'تأريخ الفوضى' يذكر بعض الحالات الشاذة، 'الشذوذات' التي كانت تكسر هذه القواعد."

"شذوذات؟" كررت الكلمة.

"نعم. أفراد لا تتبع مهاراتهم أي تصنيف معروف. كانوا نادرين، وأغلبهم اختفى أو قتل. كان ينظر إليهم على أنهم خطرون، لأنهم كانوا ... غير متوقعين."

نظرت إلي مباشرة. "عدم القدرة على التنبؤ ... هو أكبر تهديد لأي نظام."

لم أكن أعرف ماذا أقول. كانت هذه الفتاة ... ذكية بشكل مخيف.

لقد ربطت بين أداء تورو في السجال، وبين سجلات تاريخية غامضة .

'هل كانت شاهد على معركة الفرق ؟ … هذا مثير للأهتمام.'

حزمت أغراضي، وهمست "أراك لاحقًا"، وغادرت المكتبة .. كنت قد أنهيت المهمة التي أعطيت لي من قبل أمينة المكتبة.

"….." لم ترد … كانت غارقة تمامًا في كتابها.

خرجت من المبنى المهيب، وشعرت بأنني أحمل على كتفي ليس فقط ثقل معرفتي من الرواية، بل ثقل تاريخ هذا العالم المأساوي.

لقد أكدت المعلومات التي كنت أعرفها بشكل مبهم.

'هذا جيد للأن.'

****

أعذروني على الأخطاء.

2025/07/05 · 368 مشاهدة · 2869 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026