بعد مدة …

في غرفة عبارة عن قبة زجاجية مصفحة، توفر رؤية بانورامية بزاوية 360 درجة للمحيط الأزرق اللامتناهي والجزيرة المعزولة أمامهم ..

عشرات الشاشات الهولوغرافية كانت تعرض بيانات معقدة .. سرعة الرياح، عمق المياه، قراءات الرادار، وحالة المحرك.

طاقم من الضباط المدربين تدريبًا عاليًا كانوا يجلسون في محطاتهم، يعملون بهدوء ودقة، وأصواتهم كانت مجرد همسات من الأوامر والتأكيدات.

كانت الأستاذة أورورا فينكس تقف في وسط هذا المشهد، ويداها خلف ظهرها، تحدق في جزيرة أركاديا.

"كل الأنظمة تعمل بكفاءة، أستاذة فينكس،" قال رجل طويل القامة وذو أكتاف عريضة يقف بجانبها.

كان الكابتن "ماركوس ثورن"، قائد هذه السفينة ورجل عسكري متمرس .. وجهه كان محفورًا بالندوب والتجاعيد، وعيناه كانتا تحملان حكمة شخص رأى الكثير من المعارك.

"لقد قمنا بمسح أولي للمنطقة، ولا توجد أي تهديدات غير متوقعة."

أومأت أورورا برأسها إيماءة خفيفة، دون أن تلتفت إليه. "جيد."

"لقد تم تزويد السفينة بموارد تكفي لشهر كامل،" أضاف الكابتن، محاولاً كسر صمتها. "يمكننا البقاء لمدة أسبوعين إذا لزم الأمر .. . لا تقلقي من ناحية الموارد اللوجستية. الأكاديمية، تأخذ هذا الاختبار على محمل الجد."

"أنا لا أقلق بشأن الموارد، كابتن ثورن،" قالت أورورا أخيرًا، وصوتها كان باردًا كالهواء فوق قمة جبل.

نظرت إليه لأول مرة، وعيناها الياقوتيتان كانتا تحملان حدة جعلت حتى الكابتن المتمرس يشعر بعدم الارتياح.

"توششش !"

قبل أن تتحدث، انفتحت أبواب جسر القيادة بصوت هسهسة هوائية.

"أورورا ! ها أنت !"

دخلت امرأة ذات شعر سماوي قصير وحيوي، وابتسامة دافئة على وجهها. كانت ترتدي زيًا رسميًا للأكاديمية، لكنها كانت ترتديه بطريقة أقل صرامة من أورورا

. كانت هذه "صوفيا رينولدز"، معلمة الفصل "ثيتا".

"صوفيا،" قالت أورورا، ونبرتها لم تتغير، لكن حدة نظرتها خفت قليلاً. "كنت أتوقع وصولك."

"هذه السنة مرعبة حقًا" قالت صوفيا وهي تقف بجانبها، وتنظر إلى الجزيرة التي تقترب.

"اختبار مشترك لسنوات الأولى. في بداية الترم .. هل تعتقدين أنهم جادون حقًا بشأن 'إعادة تقييم' نظام الفصول؟"

كان هذا هو السؤال الحقيقي الذي كان يدور في أذهان جميع المعلمين.

"الأكاديمية لا تفعل شيئًا بدون سبب،" ردت أورورا ببرود.

تنهدت صوفيا. "أتمنى فقط ألا يكون 'ما هو قادم' شيئًا يشبه التقارير التي قرأتها عن البوابات الأخيرة. 'التمزقات' أصبحت أكثر ... غرابة. و أكثر تعقيدًا."

نظرت إلى أورورا. "هل أنتي قلقة على فصلك؟ سمعت أن السجال الجماعي كان ... عنيفًا بعض الشيء."

"الفصل ألفا قادر على التعامل مع نفسه،" قالت أورورا بلا مبالاة.

"القلق هو عاطفة غير فعالة. أنا أركز على التحليل والتخفيف من المخاطر."

ضحكت صوفيا ضحكة خفيفة. "دائمًا ما تكونين هكذا. باردة ومنطقية كآلة. أنا، على الناحية الأخرى، قلقة حتى الموت. لدي بعض الطلاب الموهوبين في فصلي. هذا الاختبار ... قد يكون قاسيًا ."

"القسوة هي أفضل معلم،" ردت أورورا. "الضعفاء إما أن يصبحوا أقوى، أو ينكسروا. في كلتا الحالتين، يتعلمون درسًا."

"أحيانًا أعتقد أنكِ تستمتعين بهذا،" قالت صوفيا، ونبرتها أصبحت أكثر جدية.

"أنا لا أستمتع بأي شيء،"

ثم أكملت .. "أؤدي واجبي. لا أكثر ولا أقل ."

"وهل راعية آدم جزء من واجبك؟" سألت صوفيا فجأة، وعيناها تلمعان بفضول. "الشائعات عنه تنتشر كالنار في الهشيم. الناجي من الكرنفال، الرجل الذي صفى القصة بمفرده، ثم اختبأ في التدريب الأخير .. إنه لغز."

حدقت أورورا في الأفق للحظة قبل أن تجيب.

"آدم ليستر ... لم يتم تحديده بعد،" قالت ببطء. "قد يكون مفتاحًا ... أو قد يكون القنبلة التي ستفجر كل شيء."

"وهل من الحكمة إرسال قنبلة غير مستقرة إلى جزيرة معزولة مع بقية الطلبة ؟"

"أحيانًا،" قالت أورورا، وابتسامة باهتة وباردة، بالكاد مرئية، ظهرت على شفتيها. "أفضل طريقة لمعرفة ما إذا كانت القنبلة ستنفجر ... هي أن تهزها قليلاً."

كانت هذه أحدى سبل أكتشاف المتعاقدين مع كيانات الرعب.

صوفيا هزت رأسها بأسف. "أنت لم تتغيري أبدًا، يا أورورا."

آمل ذلك،" رددت على صوفيا، وعدت بنظري نحو الأفق.

***

[وجهة نظر: أورورا فينكس]

وقفت على جسر قيادة ، ونظرت إلى الشاشات التي أمامي.

المرحلة الثانية من العملية، مرحلة النقل، قد اكتملت لتو.

أمامي، كانت شاشة هولوغرافية ضخمة مقسمة إلى مربعات عديدة. كل مربع كان يعرض بثًا مباشرًا من طائرة مراقبة بدون طيار تحوم بصمت فوق شواطئ جزيرة أركاديا.

في كل مربع، كان المشهد مشابهًا.

مجموعة صغيرة من الطلاب، حوالي 13 طالبًا، ملقون على الرمال أو بين أعشاب الشاطئ، لا يزالون فاقدين للوعي.

بجانب كل مجموعة، كانت هناك صناديق إمدادات أساسية تم إنزالها معهم.

مشهد هادئ …

أصابعى تحركت بسرعة على الشاشة، وقمت بتصفية العرض. تجاهلت المربعات التي تعرض فرق الفصول الأخرى، وركزت على فصلي.

فريق ألفا-1 وفريق ألفا-2.

كانوا على طرفي نقيض من الجزيرة.

فريق ألفا-1، بقيادة ليو، كان على شاطئ صخري وعر في الساحل الشمالي.

فريق ألفا-2، بقيادة إيزي، كان على شاطئ رملي هادئ تحده غابة كثيفة في الساحل الجنوبي.

رأيتهم جميعًا. ... فاقدين للوعي.

لم يكن هذا هجومًا.

كان هذا إجراءً قياسيًا، وإن كان سريًا.

قبل ساعة، على متن السفن، تم توزيع زجاجات مياه معززة بالإلكتروليتات على جميع الطلاب كجزء من "إجراءات الترطيب" قبل النزول.

ما لم يعرفوه هو أن هذا الماء كان يحتوي على 'سكون-7'.

مركب كيميائي عصبي معقد، عديم اللون والرائحة والمذاق.

إنه ليس سمًا، ولا يجبر الجسد على النوم .. بل يقنع الجهاز العصبي بذلك.

آلية عمله دقيقة وقاسية.

عند شربه، تدخل جزيياته النانوية إلى مجرى الدم وتتجه مباشرة إلى الدماغ. هناك، ترتبط بمستقبلات معينة في جذع الدماغ، وتطلق مثبطًا عصبيًا قويًا يسبب فقدانًا فوريًا وشبه كامل للوعي.

إنه ليس منومًا بالمعنى التقليدي، بل هو أشبه بمفتاح إطفاء مؤقت للجهاز العصبي المركزي.

سيستيقظون جميعًا قريبًا. لقد مرت الآن حوالي ساعة منذ بدء العملية.

التأثير مصمم ليتلاشى تمامًا بعد ساعة ونصف .. عندها سيستيقظون في بيئة غير معروفة، مع فجوة في ذاكرتهم، وسيتلقون التعليمات عبر الكاردينال.

الهدف من هذا الإجراء هو هو ضمان تكافؤ الفرص.

لا تحضيرات مسبقة، لا خطط موضوعة على متن السفينة … الجميع يبدأ من الصفر، في حالة من الارتباك.

كانت هذه هي الفلسفة وراء هذه المرحلة من الاختبار.

إزالة ميزة الأستعداد النفسي .. عندما يستيقظون، لن يكون لديهم سوى عقلهم.

هذه هي الطريقة الأنقى لاختبار إمكاناتهم الحقيقية.

مررت بنظري على الشاشات مرة أخيرة قبل إعطاء الأمر بإرسال إشارة الإيقاظ.

كانت عيناي تتفحصان كل مربع يعرض طلابي …

نظرت إلى فريق ألفا-1 على الشاطئ الصخري.

ليو، سيرينا، إيثان، كلوي ... كانوا جميعًا هناك، ملقين على الصخور الداكنة.

عددتهم بسرعة بعيني.

'واحد، اثنان، ثلاثة ... سبعة ... عشرة ... ثلاثة عشر.'

العدد صحيح. كل القطع في مكانها.

ثم انتقلت نظرتي إلى المربع الآخر. المربع الأخر.

فريق ألفا-2.

كانوا على شاطئ رملي هادئ، تحده غابة كثيفة ومظلمة.

إيزي دي لونا، قائدتهم، كانت قريبة من الماء، وشعرها الأرجواني ينتشر على الرمال البيضاء.

تورو وكاي، كالعادة، كانا قريبين من بعضهما البعض حتى في نومهما، كظلين لا ينفصلان.

لونا كانت قد استقرت بالقرب من حافة الغابة، كأنها انجذبت غريزيًا إلى الطبيعة.

بدأت أعدهم.

'واحد، اثنان ... أربعة ... سبعة ... عشرة ...'

توقفت.

شعرت بوخزة باردة … شعور بوجود خطأ.

أعدت العد مرة أخرى، ببطء أكبر هذه المرة، وعيناي تتفحصان كل جسد ملقى على الرمال.

'واحد ... اثنان ... ثلاثة ... أربعة ... خمسة ... ستة ... سبعة ... ثمانية... تسعة ... عشرة ... أحد عشر ... اثنا عشر.'

اثنا عشر !

تجمدت.

فريق ألفا-2 يتكون من ثلاثة عشر طالبًا.

فريق ألفا-1 يتكون من ثلاثة عشر طالبًا.

لقد تأكدت من القوائم بنفسي.

أحد عشر ... اثنا عشر.

هناك شخص غير موجود !

"أورورا؟ هل كل شيء على ما يرام؟"

صوت صوفيا القلق قطع تركيزي. لم ألتفت إليها.

كانت عيناي مثبتتين على الشاشة، على ذلك العدد الخاطئ.

بدلاً من الرد عليها، ضغطت على زر الاتصال الداخلي بحدة.

"مشغل كاميرا الدرون-7،" قلت، وصوتي خرج قاطعًا وباردًا كطرف شفرة. "كبر شاشة فريق ألفا-2 حالًا. قم بمسح محيطي واسع للمنطقة."

"مفهوم … " جاء الرد بشكل فوري.

على الشاشة الرئيسية، تم تكبير المربع الذي يعرض فريق ألفا-2 ليحتل الشاشة بأكملها .. بدأت صورة كاميرا الدرون، التي كانت تحوم عاليًا، في النزول والتحرك، ماسحة الشاطئ والغابة المجاورة بدقة.

وقفت صوفيا بجانبي، وشعرت بفضولها. "ماذا يحدث؟ .. هل فقدتم طالبًا؟"

"اصمتي وراقبي،" قلت، ولم أرفع عيني عن الشاشة.

مرت الكاميرا فوق الطلاب النائمين. عدتهم مرة أخرى في عقلي. اثنا عشر. لا يزال العدد خاطئًا.

ثم، بدأت الكاميرا في التحرك بعيدًا عن الشاطئ، نحو حافة الغابة الكثيفة.

وعندما اتسعت الرؤية ... رأيته.

"هذا ! …"

على بعد حوالي خمسين مترًا من بقية فريقه، كان يقف هناك شخص ما.

كان شابًا نحيلاً، يرتدي زي الأكاديمية الأسود. كان يقف بهدوء تحت ظل شجرة نخيل عملاقة، وظهره مسنود على جذعها. شعره الأسود الداكن كان يبدو فوضويًا قليلاً بفعل نسيم المحيط.

يده اليسرى كانت في جيب بنطاله، في وضعية مرتاحة بشكل يثير الغيظ.

آدم …

لم يكن فاقدًا للوعي .. لم يكن مرتبكًا.

بيده اليمنى، كان يحمل كتيبًا صغيرًا … كتيب قوانين الاختبار.

كان يقرأه بتركيز شديد، يمرر إصبعه على السطور، ويتوقف أحيانًا ليفكر، كطالب يراجع ملاحظاته قبل امتحان.

كان هادئًا تمامًا.

هادئًا بشكل غير طبيعي.

كأنه كان ينتظرنا لننتهي من مسرحيتنا السخيفة.

حتى كاميرا الدرون، التي كانت قد اقتربت منه الآن وتصدر أزيزًا خافتًا، لم تشتت انتباهه.

ثم، ببطء، رفع رأسه.

نظر مباشرة إلى عدسة الكاميرا.

لم تكن في عينيه صدمة أو ذهول.

كان هناك فقط ... ملل … لامبالاة بشكل أدق.

نظر إلى الكاميرا التي تمثل عيونهم، عيون مشرفي الاختبار، كأنها مجرد حشرة مزعجة.

ثم، وبدون أي تعبير، أعاد نظره إلى الكتيب، وأكمل قراءته.

"….."

ساد صمت مطبق على جسر القيادة.

حتى الموظفون توقفوا عن عملهم للحظة، وهم يحدقون في الشاشة الفارغة الآن.

****

"إذن، هل استيقظ للتو؟" قالت صوفيا بارتياح. "ربما لديه مقاومة طبيعية أعلى من الآخرين."

"……"

أورورا لم تجب.

كانت تحدق في الشاشة، وعقلها يعمل بأقصى سرعة، يحاول معالجة هذا المستحيل.

ثم بعد لحظات من الصمت تحدثت أخيرًا.

"لا،" قالت بحدة، وعيناها لم تفارقا المكان الفارغ الذي كان فيه آدم قبل لحظات. "لو كان قد استيقظ للتو، لكان قد أظهر علامات الارتباك. كان سينظر حوله، يتفقد فريقه، يحاول فهم أين هو …"

هذا كان ردة الفعل الطبيعية.

توقفت للحظة، وصوتها أصبح أهدأ وأكثر برودة.

"لكنه ... لم يفعل. لقد وقف، والتقط الكتيب، وبدأ في قراءته. كما لو أنه كان يعرف بالضبط ما يحدث .. كأنما كان ينتظر أن يغادر الجميع ليبدأ."

بدأت القطع تتجمع في عقلها، لتشكل صورة مثيرة للإعجاب.

"إما لم يشرب الماء من الأساس .. أو شربه ولم يتأثر بالمنوم على الإطلاق،" قالت أورورا بصوت خافت، كأنها تتحدث مع نفسها.

"في الغالب ... تظاهر بفقدان الوعي."

نظرت إلى صوفيا، ورأت الارتباك المطلق في عينيها.

"آدم كان مستيقظًا طوال الوقت .. على السفينة، وأثناء النقل، وعلى الشاطئ. لقد خدع الجنود، وخدع كاميرات المراقبة، وخدعني أنا .. لقد انتظر حتى غادر الجميع، ثم تصرف."

"….."

ساد الصمت مرة أخرى.

"لكن... لماذا؟" سألت صوفيا. "لماذا يفعل كل هذا؟ لماذا لا يظهر قوته أو مقاومته؟ .. أعني محاولة لأبراز عضلاته."

"لأنه يعرف،" قالت أورورا، وشعرت بالانزعاج. "لأنه يعرف أننا نراقبه .. وكأنه يريد أن يرسل لنا رسالة."

محتواها كان واضحًا.

[يمكنكم وضع قواعدكم .. يمكنكم إعداد أفخاخكم.]

[لكنني سأسبقكم دائمًا بخطوة.]

[أنتم لا تراقبونني .. أنا من أسمح لكم بمراقبتي.]

أو هكذا فهمته أورورا.

في تلك اللحظة، أغلق آدم الكتيب، ووضعه في جيبه.

نظر لدرون الطائر في الهواء .. ولوح لها بأبتسامه، ثم استدار، ليسير ببطء داخل الغابة المظلمة، متجاهلاً الكاميرا تمامًا.

حتى أختفى بين الشجيرات …

"تسك ! …" نقرت أورورا على لسانها.

"كيف فعلها ؟ .."

لقد خرج دائمًا من فقاعة توقعاتها … منذ أن عرفت الشاب المسمى "آدم" لم تعد ظنونها تصيب كما كانت من قبل.

"هذا مزعج .." تنهدت في النهاية، وتقبلت الأمر على مضض.

****

أعتقد إن أورورا تبالغ في التفكير

2025/07/18 · 320 مشاهدة · 1811 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026