في منتصف الليل …
"دوم ! … دوم ! .. دوم !"
بدأت كمجرد قطرات.
قطرات مطر دافئة وكبيرة، تسقط ببطء على الصخور السوداء الحادة للساحل الشمالي. كانت مصحوبة بنسيم لطيف، يحمل معه رائحة المحيط.
في البداية، رحب بها فريق ألفا-1. كانت استراحة منعشة بعد حرارة ورطوبة النهار الاستوائي.
"أخيرًا بعض الهواء النقي،" قال إيثان، وهو يمد ذراعيه نحو السماء المظلمة.
لكن بعد ذلك، لم تتوقف القطرات.
أصبحت أثقل. وأسرع.
"فوووششش !!! "
تحول المطر اللطيف إلى وابل عنيف، والقطرات الآن تضرب خيمتهم المكونة من خشب، وبعض الأوراق الكبيرة، بصوت يشبه قرع طبول محموم.
تحول النسيم اللطيف إلى رياح عاصفة، تئن وتصفر وهي تمر بين شقوق الصخور.
السماء، التي كانت قبل ساعة مجرد سماء غائمة، أصبحت الآن كتلة سوداء غاضبة، لا يضيئها سوى ومضات البرق المتقطعة التي كانت تمزق الأفق، وتكشف عن بحر هائج يضرب الشواطئ بأمواج وحشية.
العاصفة الاستوائية التي كانت مجرد تحذير ... أصبحت الآن حقيقة مرعبة.
"تمسكوا بالخيمة ! "
صرخ ليو، وصوته بالكاد يسمع فوق هدير الرياح وصوت المطر الذي كان يضرب القماش كآلاف الحجارة الصغيرة.
"دوم-دوم-دوم-دوم-دوم !!!" أنهال المطر كالرصاص .
"بوممم !!" وضرب البرق كالسوط.
كان هو وليام يضغطان بكل ثقلهما على أحد أعمدة الخيمة الرئيسية، الذي كان ينحني بشكل خطير تحت ضغط الرياح.
كانت الخيمة، التي أقاموها ببراعة بين صخرتين كبيرتين للحماية، تتعرض الآن لهجوم مباشر من العاصفة.
الرياح كانت تدخل من الجوانب، وتهدد بتمزيق بقذف وتحويل ملجأهم الوحيد إلى مجرد خردة.
"لا أستطيع التمسك أكثر ! " صرخ إيثان من الجانب الآخر.
كان هو وريكس بارنز يحاولان تثبيت الجانب الآخر من الخيمة، لكن قوة الرياح كانت هائلة، وكانت تجذب القماش من بين أصابعهم.
"لا تستسلموا !!" زأر ليو، وعضلاته متصلبة من الجهد.
"إذا فقدنا الخيمة، فسنفقد كل شيء ! .. سنقضي الليلة في هذا الجحيم!"
في الجهة الأخرى كانت الفوضى لا تقل عن الخارج.
سيرينا وكلوي كانتا تحاولان يائستين حماية مواردهما.
إحدى الحقائب التي تحتوي على حصص الطعام قد تمزقت، والمطر البارد كان يتدفق إلى الداخل، محولاً الطعام الجاف إلى عجينة مثيرة للشفقة.
"تبًا تبًا ! " شتمت كلوي، وهي تحاول استخدام جسدها كدرع لحماية الصناديق المتبقية. "هذا أغبى اختبار على الإطلاق ! "
كانت سيرينا، كانت تحاول استخدام وإنشاء نار صغيرة جدًا لتبخير الماء الذي يتسرب، لكن الرطوبة كانت شديدة لدرجة أن نيرانها كانت تتلاشى بسرعة، تاركة وراءها سحابة من البخار والهسهسة.
لم تكن تستطيع إنشاء نيران كبيرة، لأن ستحرق أوراق الشجر فوقها.
ةكراااااااااك !!"
صوت تمزق عنيف.
أحد الأعمدة الخشبية الرئيسية التي كانت تثبت الخيمة في شق صخري ... انخلع.
"فوووش !!"
تحرر ركن كامل من الخيمة، وبدأ يرفرف بعنف في الهواء، كشراع سفينة محطمة في قلب إعصار.
المطر البارد والرياح العاصفة اقتحموا ملجأهم بقوة، وأطفأوا نارهم الصغيرة في لحظة، وأغرقوا كل شيء في الظلام والبرودة.
"الجميع إلى الخارج !، سنفقدها!" صرخ ليو، ولم يعد هناك مجال للتردد.
خرجوا جميعًا إلى قلب العاصفة.
كان المشهد كابوسيًا.
المطر كان يهطل بشكل أفقي تقريبًا، والبرق كان يضيء المشهد كل بضع ثوانٍ، كاشفًا عن وجوههم الشاحبة واليائسة.
الرياح كانت قوية لدرجة أنها كادت تطرحهم أرضًا.
كانوا يصارعون للحفاظ على خيمتهم، يمسكون بالقماش الممزق والمبلل، ويحاولون إعادة تثبيت الأوتاد الخشبية في الصخور الزلقة.
صوت الرعد كان يصم الآذان، وكل ومضة برق كانت تظهر لهم مدى ضآلتهم وعجزهم أمام هذه القوة الهائلة.
كانت هذه هي ليلتهم الأولى .. ليلة طويلة جدًا.
***
على الساحل الجنوبي الهادئ، حيث كان فريق ألفا-2 قد بدأت راحته، لم يكن الهدوء ليدوم.
الغيوم السوداء التي تجمعت في الأفق لم تكن مجرد وعد بالمطر، بل كانت نذيرًا بعنف قادم.
إيزابيلا، التي كانت لا تزال تشعر بمرارة فشلهم في مهمتهم الأولى، نظرت إلى السماء المتغيرة بقلق متزايد.
"يجب أن نجد ملجأ،" قالت بصوت عالٍ، محاولة أن تخترق الصمت المحبط الذي كان يخيم على فريقها.
"هذه عاصفة."
لم يكن هناك استجابة فورية.
تورو وكاي كانا لا يزالان منعزلين، يراقبان كل شيء ببرود تحليلي. وجاسبر ... كان جاسبر.
لكن لونا فيريس، التي كانت أقربهم إلى الطبيعة، أومأت برأسها.
"إنها قادمة بسرعة،" قالت، وهي تشم الهواء. "أستطيع أن أشم رائحة البرق."
"هل للبرق رائحة ؟" سألت إيزابيلا بفضول.
أومأت لونا برأسها، "رائحة حريق بلاستيكي أنه الأوزون ."
أثناء الحوار الفارغ بين الفتاتين.
"فووشش !!"
بدأت الرياح تهب بقوة أكبر، وتحمل معها قطرات المطر الأولى.
"هناك كهوف على طول هذا الساحل،" قالت لونا، مشيرة إلى المنحدرات الصخرية التي تحد الشاطئ. "يجب أن نبحث هناك."
"…."
لأول مرة منذ بداية الاختبار، كان هناك إجماع صامت.
الخوف من العاصفة القادمة كان أقوى من أي انقسامات داخلية أو كبرياء.
"حسنًا لننطلق ." أمرت إيزابيلا بحذر وهي ترى الاتجاه التي اشارت له لونا.
بدأوا في التحرك على طول الشاطئ، والرياح تدفعهم، والمطر بدأ يبلل ملابسهم.
أثنا عشر طالبًا يتحركون سويًا، بحذر من الكمين، وبسرعة من خوفًا من العاصفة.
بعد حوالي عشرين دقيقة من البحث البائس .. وجدوها.
لم يكن كهفًا كبيرًا أو مريحًا. كان مجرد شق ضيق في الصخر، بالكاد يتسع لشخصين ليمرا عبره.
"هل هذا هو؟" سألت مايا هورثون، وصوتها يرتجف من البرد الذي كونته العاصفة.
"إنه أفضل من لا شيء،" قالت إيزي، ودخلت أولاً.
تجاهلت إيزي التراب، الكهف من الداخل كان ضيقًا ورطبًا، ورائحة العفن تملأ الهواء.
كان المكان بالداخل بالكاد يتسع لأثنى عشر فردًا ليجلسوا فيه بشكل متلاصق. لكنه كان جافًا، وكان يحميهم من الرياح العنيفة التي بدأت تعصف في الخارج.
"المكان آمن !!" صاحت إيزي، ليسمعها البقية.
ببطء، بدأوا بقية الطلبة بالدخول، مباشرة من لونا، حتى اخر من دخل وهو جاسبر.
تجمعوا في الظلام، يستمعون إلى صوت العاصفة وهي تزداد قوة. صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور، وصوت الرياح وهي تئن كروح معذبة.
"….."
ساد الصمت لعدة دقائق.
صمت مشحون بالتوتر والإحباط.
ثم، كسر تورو الصمت.
"إذن، هذه هي خطة القائدة العظيمة؟" قال بسخرية جافة، وصوته يتردد في الكهف الصغير.
"الاختباء في حفرة وانتظار أن نموت من الجوع؟"
"لدينا طعام يكفي ليومين،" ردت إيزي بحدة. "وهذا أفضل من أن نكون في الخارج الآن!"
"حقًا؟" قال تورو. "فريق ألفا-1 على الأرجح في ملجأهم المريح، يخططون لخطوتهم التالية .. ونحن هنا، عالقون. لقد خسرنا بالفعل معركة الموارد، والآن نخسر معركة الوقت."
"وماذا كنت تقترح أن نفعل؟!" صرخت إيزي، وفقدت هدوءها أخيرًا. "أن نرقص تحت المطر؟ لقد تخليت عن الفريق في أول فرصة ! .. ماذا كنت تفعل ؟!"
"كنت أجمع البيانات،" رد تورو غير مكترث بغضبها.
"على عكس الاندفاع الأعمى، كنت أقيم الوضع."
"تقيم الوضع؟!" ضحكت إيزي بمرارة. "بينما كنا نحن نفشل في مهمتنا ؟"
"مهمتكم كانت فاشلة منذ البداية،" قال تورو. "لقد كانت طعمًا .. والأسماك الغبية فقط هي التي تبتلعه."
الجو في الكهف أصبح أثقل من العاصفة في الخارج.
كانت هذه هي اللحظة التي كان يخشاها الجميع.
الانفجار.
"إذن، ماذا الآن، أيها العبقري ؟" قالت إيزي، وهي تقف وتواجهه.
"بما أنك تعرف كل شيء، ما هي خطتك أيها اللعين ؟! "
نظر تورو إلى كاي، وتبادلا نظرة سريعة.
ثم نظر تورو إلى إيزي.
"الخطة بسيطة،" قال ببرود. "نحن ننتظر."
"ننتظر ماذا؟"
"ننتظر أن يرتكب الأقوياء أخطاء. ننتظر أن تنهكهم العاصفة. ننتظر أن يستهلكوا مواردهم. ثم ... نضرب."
"نضرب؟" سخرت إيزي. "بماذا ؟ كل شخص هنا لا يفعل شي ! آدم ليستر غالبًا هرب، ونحن منقسمون !"
"لم يهرب .." تحدث شخص وقاطع حديثها.
كان كاي، تحدث أخيرًا منذ ساعات من البقاء صامتًا.
"حدسي يخبرني .. لا يمكنني توقع افعاله، ولكنها بالتأكيد ليست أفعال مثيرة لشفقة كالهروب."
ساد الصمت مرة أخرى، لكن هذه المرة، كان صمتًا مختلفًا.
كان صمت تفكير.
كلمات تورو كانت باردة وقاسية، لكنها كانت تحمل منطقًا غريبًا.
وجملة كاي التي بدأت، مثل اللغز، لم تفارقها.
'ربما ... ربما لم تكن هذه الكارثة نهاية المطاف.ظى
ربما كانت... فرصة.
فرصة للفوضى ... لكي تزدهر.
جلست إيزي مرة أخرى، وشعرت بأن غضبها بدأ يهدأ.
لم تكن تحبهم. لم تكن تثق بهم.
لكنها أدركت شيئًا.
لكي تنجو في هذا الاختبار، ولكي تقود هذا الفريق من "الغرباء" …
كان عليها أن تتعلم كيف تفكر مثلهم.
كان عليها أن تتعلم كيف تقودهم ...
نظرت إلى الظلام خارج الكهف، حيث كانت العاصفة لا تزال تعصف.
لأول مرة، لم ترَ فيها تهديدًا.
رأت ... حليفًا محتملاً.
***
***
بينما كان "الجيل الذهبي" يرتجف في الظلام، إما يصارعون للحفاظ على خيمتهم الممزقة أو يتشاجرون في كهف رطب، كنت أنا في عالم آخر تمامًا.
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بالفعل.
العاصفة في الخارج كانت في ذروتها.
كنت أستطيع سماعها.
هدير الرياح العاتية وهي تصطدم بالجبل، صوت الرعد الذي كان يهز الأرض من وقت لآخر، والهدير المستمر للشلال الذي تحول إلى طوفان غاضب، والذي كان يخفي مدخلي عن العالم.
كانت سيمفونية تلحن غضب الطبيعة …
وبالنسبة لي ... كانت أجمل موسيقى سمعتها منذ وصولي إلى هذا العالم.
كنت جالسًا بالقرب من نار صغيرة ومحكومة في أحد أركان الكهف، ودفئها يغمرني.
الضوء البرتقالي الدافئ كان يرقص على الجدران الصخرية، ويطرد أي أثر للبرودة أو الرطوبة.
فتحت صندوقًا آخر من الصناديق المعدنية القديمة، وأخرجت حصة طعام عسكرية مجففة.
لم تكن طعامًا فاخرًا كطعام السفينة، لكنها كانت أفضل بألف مرة من أي شيء يأكله الآخرون الآن ... هذا إذا كانوا يأكلون.
أضفت إليها بعض الماء النظيف من قربتي، التي ملأتها من النبع الصافي في الكهف، وحركتها. في غضون دقائق، تحولت إلى وجبة تشبه يخنة اللحم الساخنة.
حككت معدتي التي كانت تقرقر.
بدأت في تناول الطعام ببطء، مستمتعًا بكل قضمة دافئة.
أكلت وشربت، وأنا أستمع إلى أصوات العذاب في الخارج.
"هيهيهي …" وضحكت.
ضحكة هادئة وصامتة، لكنها كانت حقيقية.
ضحكت على حالهم.
ضحكت على فريق ألفا-1، الذين على الأرجح يرتجفون من البرد الآن، وطعامهم الثمين قد تحول إلى عجينة مبللة.
كل تلك القوة، كل ذلك التنسيق ... وعديمو الفائدة أمام بضع قطرات من المطر.
وضحكت أكثر على فريقي.
فريق ألفا-2.
'فريق النحس.'
تخيلتهم كما حدث في الرواية محشورين في كهف صغير ورطب، يلومون بعضهم البعض، و إيزابيلا تحاول يائسة أن تفرض سلطتها على مجموعة من الذئاب المنفردة.
'يجب أن يكونوا في حالة يرثى لها الآن.'
رفعت كوبي المعدني المليء بالماء النظيف، كأنني أقيم نخبًا.
"في صحتكم أيها الأبطال." قلت، جملة قد تسمعها، في حانة موجود في أي عالم فانتازي سحري, من العصور الوسطى.
ثم، اتكيت على كيس نوم قديم لكنه جاف وجدته في أحد الصناديق.
وضعت ظهري على الجدار، وأغمضت عيني، وأنا أستمع إلى سيمفونية العاصفة، بينما أشرب المياه المنعشة.
في تلك اللحظة، وأنا آمن، ودافئ، وشبعان .. كان الجميع في الخارج يعانون ...
فكرت في القرار الذي اتخذته في اليوم الأول.
القرار بالابتعاد عن فريقي، بالاعتماد على نفسي فقط، بتنفيذ خطتي الخاصة.
'أفضل فكرة خطرت لي منذ أن وجدت في هذا العالم ... هي الهروب من فريق النحس، ألفا-2.'
لم يكن هناك أي شعور بالذنب.
فقط ... رضا خالص وهادئ.
في لعبة البقاء هذه، لم أكن الأقوى، ولا الأسرع.
لكنني ... كنت الأكثر راحة بالتأكيد.