"كما تشاء، يا قائد."

تركت هذه الكلمات تتدلى في الهواء البارد والمشحون، ثم استدرت.

لم أنظر إلى تعابير الأعضاء ، لقد أديت دوري .. قدمت العرض، وتم رفضه.

'هذا يكفي بالفعل ..'

مشيت مبتعدًا عن معسكرهم البائس، وتورو وكاي تبعاني بصمت، كظلين ملتصقين بي.

سرنا في ظلام ليل اليوم الثاني.

الغابة كانت مكانًا مختلفًا تمامًا الآن .. بعد العاصفة، كانت الأرض موحلة، والهواء ثقيل برائحة التربة الرطبة والأوراق المتعفنة. ضوء القمر كان بالكاد يخترق أغصان الأشجار الكثيفة، مما جعلنا نتحرك في شبه ظلام.

لم أكن بحاجة إلى ضوء. كنت قد حفظت هذا المسار عن ظهر قلب.

كنت أسير في المقدمة، وأستمع إلى أصوات الليل. صرير الحشرات، نداءات غريبة لمخلوقات مجهولة، وصوت خطواتنا الحذرة.

لكن كان هناك صمت آخر يقلقني.

الصمت الذي كان يأتي من خلفي.

صمت تورو وكاي.

كانا يسيران ورائي بصمت تام لما يقرب من عشر دقائق .. لم يكن صمتًا مريحًا. كان صمتًا مليئًا بالأسئلة غير المعلنة.

كنت أعرف أنه لن يدوم.

"إذن،" جاء صوت تورو الهادئ، وقطع الصمت كشفرة.

"هذا كان مثيرًا للإعجاب .. ومثيرًا للحيرة في نفس الوقت."

لم أرد … واصلت السير.

"لقد عرضت عليهم موارد لا تقدر بثمن،" تابع، وصوته يقترب، مما يعني أنه يسير الآن بجانبي. "ماء نظيف، طعام، دواء .. موارد يمكن أن تغير نتيجة هذا الاختبار بالكامل. والمقابل الذي طلبته ... كان 'معلومات'."

توقف للحظة، كأنه ينتظر مني أن أؤكد .. لكني لم أفعل.

"وهذا لا معنى له،" أكمل. "المعلومات التي يمكن أن يقدمها فريق ألفا-1 الآن، وهم في هذه الحالة، محدودة. أنت تعرف بالفعل أنهم أقوياء. أنت تعرف مهاراتهم الأساسية .. ما هي 'المعلومات' القيمة جدًا التي كنت تأمل في الحصول عليها منهم، والتي تساوي أكثر من بقائهم ؟ "

' داهية لعين ..' فكرت بصمت.

"المعلومات دائمًا قيمة،" أجبته ببرود، وعيناي لا تزالان على الطريق أمامي.

"ليس كل المعلومات متساوية،" رد على الفور. "هناك فرق بين معرفة أن الأسد جائع، ومعرفة متى وأين سيصطاد .. المعلومات التي كنت ستأخذها منهم كانت من النوع الأول. سطحية."

'تسك .. هذا الأحمق، إن لم أعطيه إجابة ترضيه، سيستمر بطرح الاسئلة إلى ما لا نهاية ..'

توقفت فجأة، والتفت لأواجهه.

كاي، الذي كان يتبعنا، توقف أيضًا على بعد خطوات قليلة، وظل يراقبنا دون كلام.

"وما الذي يجعلك تعتقد أنني كنت أبحث عن معلومات عن قوتهم؟" سألته كأنه شي بديهي.

رفع تورو حاجبًا خلف نظاراته. " وماذا هناك غير ذلك ؟ "

"ما هي 'المعلومات' القيمة جدًا التي كنت تأمل في الحصول عليها منهم، والتي تساوي أكثر من بقائهم ؟ "

توقفت فجأة، والتفت لأرى وجهه. لم تكن هناك ابتسامة على وجهي .. فقط نظرة فارغة ومباشرة .. أو حاولت جعلها هكذا.

"أنت تسأل السؤال الخطأ، تورو،" قلت بهدوء. "السؤال ليس ما الذي كنت سأحصل عليه منهم."

رأيت الحيرة في عينيه.

تابعت بنفس النبرة. "السؤال هو .. ما الذي كنت سآخذه منك ... لو قبلوا عرضي ؟ "

تجمد تورو في مكانه.

"لقد عرضت عليهم الخلاص .. لو قبلوا، لكنت قد أخذت منهم شيئًا بسيطًا .. كبرياء قائدهم. لكن هذا لم يكن الهدف الحقيقي."

اقتربت منه خطوة.

"الهدف ... كان أنت. لو تحالفوا معي، لكنت قد عزلتك أنت وكاي تمامًا .. كنت سأجعل أقوى فريق في الجزيرة يدين لي بالولاء، وكنتما ستصبحان مجرد فردين وحيدين ومزعجين يجب التخلص منهما. كنت سأجعل ليو يصطادكما من أجلي."

حاولت الأبتسامة أبتسامة باهتة .. كأبتسامة مختل، وجد ما يمتعه.

"لكن لحسن حظك ... كبرياء ليو كان أقوى من منطقه. لقد أنقذك دون أن يعرف .. لذا، أنا لم أحصل على أي شيء."

"في الوقت الحالي."

نظر ليو إلي بنظرة مذهولة لثانية، ثم ابتسم.

"تفسير جيد .. لكنه لا يفسر كل شيء."

"ماذا تريد بالضبط،؟" سألت، وبدأت أشعر بالانزعاج.

"أريد أن أعرف كيف حصلت على تلك الموارد،" قال مباشرة. "لقد اختفيت لأكثر من يوم. ثم عدت فجأة بكمية من الموارد تكفي لعدة فرق. هذا ليس 'حظًا'. وهذا ليس شيئًا تجده في 'السجلات القديمة'، لسنوات السابقة . "

"لقد كنت أستكشف،" قلت ببساطة.

"لقد كنا نستكشف أيضًا،" قال وأكمل. "أنا وكاي .. ولم نجد شيئًا كهذا. لقد وجدنا فقط وحوشًا، وأفخاخًا طبيعية، وفرقًا أخرى يائسة."

"ربما لم تبحث في الأماكن الصحيحة،" قلت، محاولاً أن أبدو غير مبالٍ.

"أو ربما،" قال وهو يقترب خطوة، "أنت تعرف أماكن لا يعرفها أي شخص آخر. أماكن ليست على الخريطة .. أليس كذلك، ليستر؟"

'ياله من تكتيك رخيص ..' فكرت لوهلة.

أنه يرمي بسهام في الظلام على أمل أن يصيب أحدها الهدف.

الهدف بالطبع هو ردة فعلي .. ولن أعطيه ما يريد.

"لا أعرف عما تتحدث،" قلت، وصوتي كان ثابتًا بشكل مدهش.

ضحك تورو ضحكة خافتة. "بالطبع لا تعرف."

تراجع خطوة. "لكن هذا لا يهم الآن. السؤال الأهم هو .. ما هو هدفك الحقيقي من كل هذا ؟ لماذا تساعد الفرق الأخرى؟"

"لقد أجبت على هذا السؤال بالفعل."

"لا، لم تفعل .. لقد أعطيتهم إجابة. لكنني أسألك أنت. لماذا تفعل هذا ؟ ... ما الفائدة من أن تكون كل الفرق في الجزيرة مدينة لك ؟، هذا يجعلك أقوى لاعب من الناحية السياسية، لكنه يجعلك أيضًا أكبر هدف. الجميع سيتحدون ضدك في النهاية. هذه ليست استراتيجية ذكية."

'إنه على حق.' فكرت. 'إذا كانت هذه هي خطتي الوحيدة، فستكون خطة غبية.'

لكنه لم يكن يرى الصورة الكاملة.

وهذا كان كل ما يهم.

تنهدت، واستدرت لأكمل السير.

"ستعرف قريبًا،" قلت، ولم أعد أهتم بإخفاء انزعاجي. "أو ربما لن تعرف .. هذا يعتمد على مدى ذكائك."

كانت هذه إهانة وتحديًا في نفس الوقت.

مشيت مبتعدًا، تاركًا إياهما في الظلام.

سمعت خطواتهما تبدأ في اتباعي مرة أخرى.

لم يسألوا أي أسئلة أخرى.

لكنني كنت أعرف أن عقليهما كانا يعملان بأقصى سرعة، يحاولان حل ما قلته.

'دعهم يفكرون.'

كلما فكروا أكثر في دوافعي الخفية، كلما ابتعدوا عن الحقيقة البسيطة والسخيفة التي كانت أساس خطتي بأكملها.

….

..

.

***

توالت الدقائق وتراكمت حتى اقتربنا من الساعة.

كنت أقودهم لمكان خطير.

كانت مخاطرة هائلة .. كشفه لهذين الاثنين كان أشبه بتسليم مفاتيح قلعتك لأخطر جاسوسين في العالم.

لكنها كانت مخاطرة محسوبة.

لقد أدركت خلال محادثتنا أن إخفاء قوتي (أو ضعفها) لم يعد كافيًا. لقد أصبحا مهووسين بي كلغز. وإذا لم أمنحهم قطعة من هذا اللغز بأنفسهم، فسيستمران في الحفر، والتنقيب، حتى يكتشفا كل شيء.

لذا، قررت أن أعطيهم قطعة. قطعة كبيرة ومثيرة للإعجاب، لكنها ليست القطعة الأهم.

سأريهم "كيف" أفعل الأشياء، لكنني لن أريهم أبدًا "لماذا".

سرنا بصمت لمدة من الزمن.

الغابة في الليل، بعد العاصفة، كانت مكانًا مختلفًا تمامًا.

كانت الأرض عبارة عن مزيج من الطين اللزج والأوراق المبللة، مما جعل كل خطوة صعبة وزلقة.

الأغصان المكسورة كانت كالأفخاخ في الظلام، والهواء كان ثقيلاً برائحة التربة الرطبة والنباتات المتعفنة.

لكن كان هناك جمال غريب في هذا الدمار.

النباتات المضيئة التي رأيتها في الليلة السابقة كانت الآن أكثر سطوعًا، كأنها شربت من طاقة العاصفة .. كانت تتوهج بلون أخضر زمردي باهت، وترسم أنماطًا سريالية على أرضية الغابة المظلمة، كأنها مجرة من النجوم سقطت على الأرض.

كنت أسير في المقدمة، وأتحرك بثقة عبر هذا المشهد الفوضوي كنت أتبع ذاكرتي.

أما هما، فكانا يتبعانني كشبحين .. خطواتهما كانت صامتة بشكل لا يصدق، وحواسهما في حالة تأهب قصوى.

كنت أستطيع أن أشعر بنظراتهما على ظهري ..

عندها وصلنا أخيرًا إلى وجهتنا.

كانت منطقة صغيرة تبدو عادية، مجرد جدار صخري ضخم مغطى بالطحالب والنباتات المتسلقة .: لكن من خلال الأشجار، كان بإمكاننا سماع صوت المياه الجارية.

تقدمت نحو الجدار الصخري، وشققت طريقي عبر بعض الشجيرات الكثيفة.

وظهر أمامنا .. شلال.

لم يكن شلالًا نظيفًا وجميلاً. كانت مياهه بنية اللون، مليئة بالطين والحطام الذي جرفته العاصفة من أعلى الجبل. كان يتدفق بقوة، ويصدر هديرًا مكتومًا وهو يرتطم بالبركة الموحلة في الأسفل.

كان يبدو كجزء طبيعي آخر من هذه الجزيرة المدمرة.

لا شيء مميز.

توقف تورو وكاي خلفي.

"شلال موحل،" تساءل تورو،

بدلاً من الرد، تقدمت ببطء نحو الشلال.

"ماذا تفعل؟" سأل كاي، وهذه كانت أول مرة أسمع فيها نبرة حيرة.

تجاهلتهما.

واصلت السير، حتى أصبحت على بعد خطوة واحدة من ستارة الماء الموحلة.

لم أتوقف.

"هوب .."

دون أن أنطق بكلمة، أخذت نفسًا، وخطوت مباشرة إلى داخل الشلال.

للحظة، غمرني الظلام والضغط. شعرت بقوة الماء وهي تضرب كتفي، وصوت الهدير يصم أذني.

ثم ... عبرت.

وجدت نفسي في الجانب الآخر.

لماذا قد يدخل أي شخص عاقل عمدًا في شلال موحل ؟ .. غالبًا هذا كان سؤالهم.

رأيت تورو يقول شيئًا لكاي، لكنني لم أستطع سماعه فوق صوت الماء.

ثم، بعد لحظة من التردد، لحقوا بي، وعيونهم مليئة بالفضول.

بمجرد أن خطوا عبر الشلال، تغير كل شيء.

صوت الهدير اختفى، وحل محله صمت الكهف المريح.

وجدوا أنفسهم في مساحة واسعة وجافة.

الأضواء الخضراء الباهتة من المصابيح الكيميائية التي كنت قد رميتها في كل مكان كانت تضيء الكهف، وتعطيه جوًا سرياليًا وغريبًا.

في أركان الكهف، كانت الصناديق المعدنية مكدسة بعناية.

وفي أحد الأركان، كان هناك سرير تخييم بسيط، مع كيس نوم وحقيبة ظهر. قاعدتي المتواضعة.

"كهف ... خلف الشلال ! ،" همس تورو، وهو ينظر حوله بدهشة. "خدعة كلاسيكية. لكنها فعالة."

كاي لم يقل شيئًا. كان يتفحص المكان بعينيه الحادتين.

"هذا ليس كل شيء،" قلت، ومشيت نحو مؤخرة الكهف.

هناك، في أعمق جزء من الملجأ، كان هناك شيء لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا.

ربما يمكن القول إنه جوهر هذا المكان.

نهر صغير يتدفق من شق في الصخر، ويشكل بركة صافية وبلورية، ثم يختفي مرة أخرى في شق آخر في الأرض.

كانت المياه نقية تمامًا، وصالحة للشرب.

كان مصدر مياه جوفي، لم يتأثر بالعاصفة، ولم يتأثر بالتلوث.

كان ... واحة في قلب هذا الجحيم.

ركع تورو بجانب البركة، وغمس يده فيها.

"نقية..." تمتم، كأنه لا يصدق.

"كيف؟" سأل كاي، وهو ينظر إلي.

"السجلات القديمة،" قلت، مستخدمًا نفس العذر. "أحيانًا، تحتوي القصص المنسية على خرائط للكنوز."

حدقا فيني بصمت .. كانا يفهمان الآن.

لم يكن حظًا .. لم تكن صدفة.

يدركون أنني لن أخبرهم كيف اكتشفته، لذا هزوا رؤسهم.

لقد عرفت بوجود هذا المكان .. لقد أتيت إلى هنا مباشرة.

وهذا ... جعلني أكثر خطورة وغموضًا في أعينهما.

"إذن،" قال تورو، وهو يقف. "هذا هو سرك. لديك قاعدة عمليات مثالية، ومصدر مياه لا ينضب .. يمكنك البقاء هنا للأبد، حتى ينتهي الأختبار. مرتاح البال."

"ربما،" قلت. "لكن البقاء وحيدًا ممل."

نظرت إليهما.

"وهذا ... ليس هو 'الشيء المثير للاهتمام' الوحيد الذي أعرفه عن هذه الجزيرة."

رأيت الجوع في أعينهما مرة أخرى.

الجوع للمعلومات.

لقد أريتهم قوتي الحقيقية.

ليست مهارة قتالية .. ليست طاقة سحرية ساحقة.

قوتي الحقيقية ... هي أنني أعرف أسرار المسرح الذي نقف عليه جميعًا.

والآن ... كانا يريدان معرفة المزيد.

لقد أصبحا مدمنين.

وهذا... كان بالضبط ما أريده.

"ما رأيكم أن اعقد معكم صفقة .." قلت أخيرًا، مظهرًا هدفي وأنيابي التي كنت اخفيها طوال الوقت.

"بالتأكيد سيثير هذا أهتمامكم .." أكملت بعد توقف قصير، وأنا أنظر لكومة الصناديق المتراكمة في زوايا الكهف.

"بالتأكيد … "

2025/07/26 · 298 مشاهدة · 1690 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026