تجسدت من جديد شمس اليوم الرابع، ولم تكن مجرد دورة فلكية أخرى. كانت إعلاناً.
شمس ساطعة، تكاد تكون غاضبة. لهيبها الحارق كان يجفف الأرض الموحلة بسرعة، ويحول الهواء إلى حساء ثقيل من الرطوبة، كأن الجزيرة نفسها تحبس أنفاسها تحت وطأة الحر.
لكن التغيير الحقيقي لم يكن في المناخ، بل في "البيئة السياسية" للاختبار.
الفرق التي تعافت، عادت اللعبة. لكنها لم تعد كما كانت.
القطاع الغربي … برج المراقبة
كان "برج المراقبة" أكثر من مجرد بناء .. كان عرش القطاع الغربي. هيكل معدني قديم، يقف على قمة تل أصلع كجمجمة عملاق، يمنح من يسيطر عليه نظرة الحاكم.
من هنا، يمكن للمرء أن يرسم خريطة التحركات، أن يتنبأ بالهجمات، وأن يرى خيوط القدر وهي تنسج في الغابات بالأسفل.
لهذا السبب، كان تحت قبضة فريق "ثيتا-1"، أحد الفرق القوية التي التي تكبدت أضرار أقل من العاصفة بفضل استعداداتهم المنهجية. ومساعدة شخص ما .
لقد حولوا الموقع إلى قلعة صغيرة، زرعوا محيطها بأفخاخ خبيثة، وكانوا يراقبون عالمهم بثقة من يظن أنه قد حسم اللعبة.
قائدهم، "فيكتور"، كان أشبه بملك صغير على عرشه، يمسح مملكته بنظراته من خلال منظار عالي التقنية.
"كل شيء هادئ،" قال لزملائه، وصوته يحمل ثقة زائدة.
"يبدو أن الجميع لا يزالون يلعقون جراحهم .. لدينا بضع ساعات من السلام على الأقل."
المثير لسخرية كونه كان مخطئاً بشكل مأساوي.
فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهم !
لم يكن اهتزازاً عنيفاً، بل كان أشبه بنبضة قلب عملاقة قادمة من أعماق الجزيرة.
"زلزال؟" سأل أحدهم.
لكن فيكتور، الذي كان لا يزال ملتصقاً بمنظاره، اتسعت عيناه.
"هذا ! … ."
من حافة الغابة، كأنهم يخرجون من رحم الأرض نفسها، ظهر فريق "بيتا-1".
لم يكونوا يركضون. كانوا يسيرون.
خطواتهم كانت متزامنة، ثابتة، ومنظمة بشكل مرعب. كانت مسيرة جيش لا يعرف الهزيمة.
قائدهم، آرثر دويل، كان في المقدمة. وجهه كان قناعاً من الحياد. لم يعد هذا هو القائد الذي كان على وشك الانهيار بالأمس.
لقد عاد.
وعاد ... ليسقط الفاتورة.
"استعدوا للهجوم!" صرخ فيكتور، محاولاً إخفاء الرجفة في صوته. "إنهم أربعة فقط ! يمكننا سحقهم ! "
لكن فريق بيتا-1 لم يهاجم بشكلٍ مباشر.
توقفوا على بعد عشرات الأمتار، كفرقة إعدام تنتظر الأمر.
ثم، رفع آرثر يده ببطء.
"منطقة الملك .. " تمتم أرثر بصوت منخفض.
"فوشش ! "
فور نطقه بالكلمة انتشرت هالة غير مرئية منه، لم تكن ضوءاً ولا صوتاً، بل كانت تغييراً في فيزياء الواقع .. غطت التل بأكمله.
شعر فريق ثيتا-1 بها على الفور. شعورٌ مفاجئ بالثقل، كأن جاذبية الأرض قد تضاعفت من أجلهم فقط. تسلل الشك إلى عقولهم كسم بطيء المفعول، والخوف، الذي كانوا يظنونه تحت السيطرة، بدأ ينمو كفطر سام في قلوبهم.
في المقابل، شعر أعضاء فريق بيتا-1 بجرعة من القوة النقية، وبتصميم فولاذي حاد.
لقد غير آرثر قواعد اللعبة قبل أن تبدأ أولى حركاتها.
"الآن،" قال أرثر بهدوء.
وانطلق الجحيم.
لم يكن هجوماً، بل كان عملية جراحية دقيقة.
انطلق اثنان من فريقه من الجانبين، كشفرتي مقص، بهدف تشتيت المدافعين وتفريق قوتهم. بينما تقدم آرثر ومساعدته، صوفيا، مباشرة نحو قلب العاصفة.
"فوششش ! "
"بااااام !! "
أطلق فريق ثيتا-1 وابلاً من الهجمات السحرية اليائسة.
لكن صوفيا، بلمسة من يدها، كانت تجعل الأرض ترتفع لتستقبل الهجمات، كأم تحمي أبناءها. وما اخترق تلك الجدران ... كان آرثر يتفاداه برشاقة، كأنه يقرأ المستقبل قبل ثانية من حدوثه.
سرعان ما وصلوا إلى قاعدة التل.
بدأت المعركة الحقيقية، معركة وحشية من المعدن واللحم والمانا.
كان فريق ثيتا-1 لا يزال قوياً، لكنهم كانوا يقاتلون في "منطقة الملك". كانوا يقاتلون ضد عدو خارجي ... وعدو داخلي. كل حركة كانت أثقل، وكل قرار كان ملوثاً بالتردد.
كانت أفكارهم مشوشة. بسبب ضغط غير مرئي.
وبعد خمس دقائق، بدت وكأنها دهر من القتال العنيف ... انهاروا.
تم إقصاء جزء من فريق ثيتا-1 بسرعة. بينما هرب الباقين عندما شعروا بالكفة تقلب ضدهم.
وقف آرثر على قمة البرج، والريح تلاعب بشعره. لم يكن هناك أي أثر للانتصار في عينيه.
لا يزال يتذكر مساعدة آدم له. وإن لم يكن يعرف هدفها.
لكنه كان يعرف ... أنه مدين بهذا ل"شبح الأوبرا" الذي يتحرك خلف الكواليس.
[إشعار: فريق بيتا-1 قد سيطر على "برج المراقبة". +150 نقطة بقاء. +30 نقطة/ساعة.]
الرسالة التي ومضت على كل أجهزة الكاردينال في الجزيرة ... كانت أكثر من مجرد تحديث.
لقد كانت... إعلاناً.
إعلاناً بأن الوحوش التي كانت نائمة ... قد استيقظت، وهي جائعة.
وإن الاحتكاكات قد بدأت بالفعل ...
اليوم الخامس …
كان فجر اليوم الخامس يرتدي وشاحاً من الضباب البارد.
على قمة برج المراقبة، الذي أصبح الآن عرش آرثر .. كان القائد الشاب يقف كتمثال حي، يراقب بحر القطن الكثيف الذي ابتلع الوادي تحته.
لم يعد فريقه مجرد مجموعة من الناجين.
كانوا الآن قوة يحسب لها ألف حساب. قضوا اليوم السابق في فرض إرادتهم على القطاع، عززوا دفاعاتهم، وأطفأوا شعلة فريقين صغيرين آخرين ببرود. كانوا الآن القوة الثانية المهيمنة على هذه الجزيرة الملعونة، مجرد خطوة خلف الأشباح التي تسمى "ألفا-1".
لكن آرثر لم يكن يشعر بالرضا. هذا الشعور كان غريباً على روحه.
كان يعرف أن كل هذا مجرد أداء مسرحي، طالما أن المخرجين الحقيقيين لهذه الدراما لا يزالون في الصدارة.
'ليو فون فالكنهاين ...' كان الاسم يتردد في عقله كلحن لا يهدأ. 'أين اختفيت ؟ '
لقد تبخر فريق ألفا-1 من على الخريطة.
لم يهاجموا، لم يسيطروا، لم يتركوا أي أثر. هذا الصمت من خصم بمثل قوتهم ... كان أكثر إزعاجاً من أي هجوم صريح.
هل كانوا يجهزون لضربتهم القاضية ؟
"قائد."
صوت "صوفيا" الهادئ، الذي كان دائماً كمرساة في عواصفه الداخلية، قطعه من تأملاته. "فرقة الاستطلاع الثالثة عادت. لديهم ما تريد."
التفت آرثر نحو الباب .. دخل شابان إلى غرفة القيادة الصغيرة، كانا تجسيداً للإرهاق. ملابسهما ممزقة ومغطاة بالطين، لكن أعينهما كانت تلمع ببريق محموم.
"تحدثا،" أمر آرثر ببرود.
"وجدناهم،" قال أحدهما وهو يلهث، كأنه ركض طوال الطريق من هناك. "فريق ألفا-1. اتبعنا أثراً غريباً، وقادنا إلى الساحل الشمالي."
"الموقع بالضبط ؟ "
"إنهم ... في كهف. خلف شلال."
رفع آرثر حاجباً. "كهف؟" لم تكن الإجابة التي توقعها.
"نعم، يا قائد .. ليس مجرد كهف. إنه أشبه بقلعة طبيعية، مخفية. ورأينا شيئاً آخر ... لديهم نبع يتدفق من داخل الكهف. مصدر مياه ... لا ينضب."
ساد صمت ثقيل في الغرفة، أثقل من الضباب في الخارج.
ماء ... لا ينضب.
في هذا العالم المصغر حيث أصبح الماء النظيف هو العملة الصعبة، كانت هذه المعلومة بمثابة إعلان حرب.
هذا يفسر كل شيء. هدوءهم. ثقتهم التي تصل حد الغطرسة. هم ليسوا بحاجة للقتال من أجل الموارد. لقد وجدوا ... واحة. جنة عدن في قلب الجحيم.
"عندما تتبعناهم .. رأينا 'إيثان ريدل' يسحق وحشاً ضخماً عند المدخل بيد واحدة،" أضاف المستكشف الآخر، ورجفة من الرهبة في صوته.
"وهناك اثنان من الطلاب يحرسان المدخل باستمرار. دفاعاتهم ... أقرب إلى الكمال."
نظر آرثر إلى صوفيا. رآها في عينيها. هي تفكر في نفس الشيء.
لقد وجد فريق ألفا-1 .. قاعدة عمليات مثالية. عرين الأسد الذي يمكنهم الانطلاق منه لسحق أي خصم، بينما هم آمنون تماماً. إذا تُركوا وشأنهم، فسيفوزون بالاختبار ليس فقط ... بل سيسحقونه.
"هل نهاجم ؟ "سأل قائد فرقة الاستطلاع، والحماس يلمع في عينيه. "هل نضربهم الآن، قبل أن يتوقعوا ذلك؟"
نظر الجميع إلى آرثر، حبسوا أنفاسهم. كانوا ينتظرون قرار القائد.
كان هذا هو القرار الذي سيحدد خطواتهم القادمة. هل يهاجمونهم ؟ أم يتجنبونهم، ويقبلون بالمركز الثاني ؟
غاص آرثر في محيط أفكاره.
'الهجوم الآن ... '
كان يعلم ذلك. فريق "ألفا-1" في ذروة قوته، في موقع دفاعي مثالي. سيكون هجوماً دموياً ومكلفاً. قد يخسر نصف فريقه، وحتى لو نجحوا، فسيجدون وحوشاً كإيثان وسيرينا في انتظارهم بالداخل.
الاحتمالات كانت ضدهم. المنطق، العقل البارد الذي كان يعتز به، كان يصرخ به للتراجع.
'لكن ... '
'هل أتيت إلى هنا لأكون منطقياً ؟ أم لأكون الملك ؟ '
'هل أنا، آرثر دويل، سأهرب من تحدي لمجرد أنه صعب ؟ '
لقد عاش حياته الأكاديمية كلها في ظل فصل ألفا.
دائما يقارن بهم. دائما ما يعتبر "الثاني الأفضل".
هذه الجزيرة ... كانت فرصته ليحطم تلك الصورة النمطية.
فرصته ليهزم "ليو فون فالكنهاين" وفريق ألفا ككل.
فرصته ليثبت للعالم، ولنفسه، أنه ليس مجرد "الثاني".
رفع رأسه، وعيناه البلاتينيتان، التي كانت دائماً باردة كالفولاذ، أصبحت الآن تلمع بلهب أبيض.
لم يعد هناك شك. لم يعد هناك تردد.
"صوفيا،" قال بصوت هادئ ومخيف، صوت الهدوء الذي يسبق العاصفة.
"اجمعي الفريق."
"كل أعضاء فريق بيتا-1 "
"سنذهب في رحلة صيد."
نظر من النافذة نحو الساحل الشمالي البعيد.
"سنذهب ... لنصطاد الأسود في عرينها."
***
***
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، راسمةً خطوطاً طويلة من الضوء الذهبي والظل البنفسجي عبر الغابة.
بالنسبة لمعظم سكان الجزيرة، كان هذا وقتاً للترقب، للحذر من وحوش الليل أو مكائد الخصوم.
أما بالنسبة لآدم، فكان وقتاً للملل.
ملل نقي، صاف، ومطلق. ملل يكاد يكون شكلاً من أشكال الفن.
كشخص كان يتجرع الدوبامين يوميًا، هذا ملل سام وقاتل بالنسبة له.
جلس على صخرة ملساء تطل على جدول ماء صغير، يراقب حشرة مائية وهي ترسم دوائر لا معنى لها على سطح الماء.
لم تكن هناك أي أجهزة حوله، ولا شاشات، ولا أي مصدر للضوء الأزرق الاصطناعي، وجهاز الكاردينال لم يكن يستخدم لترفيه. فقط هو، والطبيعة في حالتها الخام، البدائية، والمملة بشكل لا يصدق.
'اليوم الخامس ...' فكر في نفسه، وهو يرمي حصاة صغيرة في الماء، لا لشيء سوى لمشاهدة الدوائر التي ستصنعها وهي تقطع رتابة دوائر الحشرة.
'مر قرابة الشهر يوم بدون معالج رباعي النواة. بدون إنترنت فايبر. بدون لوحة مفاتيح ميكانيكية ذات صوت مرض.'
تنهد تنهيدة عميقة، تنهيدة رجل حرم من ضروريات الحياة الحقيقية.
" آه ... يا سيربيروس " كان هذا هو الاسم الذي أطلقه على حاسوبه الشخصي. وحش من الكروم والسيليكون والإضاءة الحمراء، قادر على تشغيل ثلاث شاشات بدقة 4K دون أن يرتفع صوت مراوحه.
"أراهن أنك تشتاق إلي أيضاً .. من غيري سيزيل الغبار عن مراوح تبريدك السائل ؟ من غيري سيقوم بتحديث تعريفات بطاقة رسومياتك الأسطورية ؟ "
نظر ليده لكنها، كانت مجرد يد تشعر بالضجر.
'هنا، أقصى ما يمكنني فعله هو ... إزعاج حشرة.' رمى حصاة أخرى، فأخاف الحشرة التي طارت مبتعدة. 'عمل بطولي، حقاً.'
'تبًا … الهروب من السجال وإن كان بدافع الخوف لم يكن مملًا أبدًا .. '
'حتى الدراما هنا ... بدائية.' استلقى على ظهره، ووضع يديه خلف رأسه، وحدق في أوراق الشجر التي كانت تتراقص في الأعلى.
'آرثر المتوهم. ليو الغبي الذكي. كلوي المسترجلة. شخصيات نمطية مأخوذة مباشرة من كتيب كتابة القصص للمبتدئين. على الأقل في ألعاب الفيديو .. تكون دوافع الشخصيات أكثر تعقيداً. '
'في عالمي، كنت أستطيع أن أكون إمبراطوراً يحكم مجرة بأكملها قبل الإفطار، ثم أقود غارة ملحمية في لعبة MMORPG بعد الظهر، وأنهي اليوم ببناء مدينة فاضلة في لعبة محاكاة.'
'هنا ؟ .. هنا ألقي الحصى على الحشرات. وأنتظر. أنتظر أن يقرر هؤلاء الNPCs (الشخصيات غير القابلة للعب) أن يفعلوا شيئاً مثيراً للاهتمام أخيراً. '
'لقد أعطيتهم كل الأدوات. أعطيت آرثر الدفعة التي يحتاجها. أعطيت جاسبر المفتاح الذي سيفتح قفصه. لقد أعددت المسرح، ووزعت الأدوار، والآن كل ما علي فعله هو انتظار أن يبدأ الفصل التالي.'
ابتسم ابتسامة ساخرة. 'من كان يظن أن دور الحاكم ... سيكون مملاً إلى هذا الحد ؟ '
شعر بوخز خفيف. عندما بدأ يرى من بعيد. نقطة سوداء تبدأ تتوضح تدريجيًا.
'أوه ... انظروا ماذا لدينا هنا.'
جلس ببطء، ونفض الغبار الوهمي عن ملابسه. 'يبدو أن أحد الممثلين قد خرج عن النص.'
كان ينمو، يقترب .. بعد فترة من التركيز، تعرف عليهم.
'فريق دلتا. يا للشفقة .. ما زالوا على قيد الحياة ؟ '
تنهد مرة أخرى، لكن هذه المرة، كانت تنهيدة متفائلة.
'حسناً . وقت العمل .. لنرى ما إذا كان بإمكاننا جعل هذه القصة أكثر إثارة للاهتمام قليلاً. '
'ما دمت لا أتعرض لضرب، حري بي فعل ما أشاء. '
وقف، وبدأ يسير بهدوء نحو هذا الشخص، كانت مشيته خالية من أي عجلة.
' ربما إذا أعطيت أحد الفرق الضعيفة قاذفة صواريخ نووية ... مجازياً بالطبع ... قد تتسارع الأحداث قليلاً. '
فكرة اللعب بالكومبارس، ومنحهم دوراً أكبر من حجمهم، كانت هي الشيء الوحيد الذي أثار اهتمامه في هذه الجزيرة، بعد عدم التعرض لضرب بالتأكيد.
'لعبة موازنة القوى .. إنها ليست بمستوى متعة "Starcraft II"، لكنها ... أفضل من لا شيء.'
****
أعذروني على الأخطاء