الليل.
أكره الليل.
إنه ليس فارغاً، بل هو ممتلئ بالصمت .. وهذا أسوأ. لا يوجد شيء لفعله، لا شيء لقتل الملل .. فقط هذا السكون اللزج الذي يلتصق بالروح، ويجبرك على الإصغاء إلى الأصوات التي تحاول دفنها في ضجيج النهار.
كنت جاثماً على جذر شجرة ضخم ورطب، أشبه بوحش خشبي نائم. الشجيرات الكثيفة من حولي كانت ستارة طبيعية، تخفيني عن عالم لم أكن أرغب في رؤيته على أي حال.
على بعد أمتار، كان الشلال يعزف لحنه على أذني، ستارة مائية تخفي عريننا. نقطة المراقبة الخاصة بي. الدور الذي وقع علي.
يا للسخرية. أنا ..
قاعدتنا مخبأة خلف وهمٍ مائي لا يخطر على بال أحد، ومن يجرؤ على مهاجمة "ألفا-1" في عقر داره ؟ .. الأمر برمته أشبه بوضع حارس على فوهة بركان خامد. مضيعة للوقت.
تثاءبت للمرة المئة، وشعرت بأن الملل بدأ يتحول إلى غشاء رقيق يغطي عيني العسليتين. من مكاني، كنت أرى وهج النار الخافت يرقص خلف حجاب الماء، يمكنني تخيل ظلال زملائي تتحرك كأشباح في كهف أفلاطون.
معظمهم نائمون الآن، يحلمون بأحلام لا أعرفها.
'أفضل ألف مرة أن أكون في الخارج الآن، أقتفي أثر شخص ما شخص ما على عدم فعل شيء ..
تنهدت مرة أخرى، وأسندت رأسي على لحاء الشجرة البارد.
هذا الهدوء ... إنه يفتح أبواباً لذاكرة.
صوت قطع لا يمكن السيطرة عليه.
صوت شيء ... يتصدع. ليس في الخارج، بل في الداخل.
صوت صرخة عالية ومرعوبة.
هززت رأسي بعنف، ككلب يطرد الماء من فرائه. الصور تتبخر، لكن الشعور يبقى كبقعة باردة على جلدي. 'لا تفكر في ذلك. ليس الآن.'
"….."
حدقت في الغابة المظلمة.
كانت الأشجار تقف كحراس أشباح تحت ضوء القمر الشاحب، ظلالها أطول وأعمق من حقيقتها.
كل شيء كان ساكناً.
ساكناً بشكل خاطئ .. أغمضت عيني للحظة، مستسلماً للملل الذي أصبح كالثقل. 'فقط بضع ساعات أخرى ... ثم يمكنني أن أعود وأغرق في نوم بلا أحلام.'
وفجأة ! ..
شعرت به.
لم يكن صوتاً. ولم تكن حركة.
كان .. غياب مفاجئ لصرير صرصار الليل الذي كان يعزف منفرداً بجانبي.
غياب تام لحفيف أوراق الشجر.
صمت مطلق، ثقيل، وغير طبيعي حل على بقعتي من العالم.
"أنتظر ! .. " اتسعت عيناي.
شعور ببرودة جليدية، كإصبع شبح، لامس مؤخرة رقبتي.
لم يكن نصلًا. كان شيئاً أعمق.
كان ... وجوداً.
وجود صامت ومميت، كثقب أسود يمتص كل الأصوات من حوله.
'خلفي ! '
عقلي صرخ بالأمر. لكن جسدي كان متأخراً بجزءٍ من الثانية.
جزءٌ من الثانية كانت كافية لتحديد كل شيء..
قبل أن يتمكن جسدي من الاستجابة، قبل أن أفعل أي شيء، التف ذراعٌ كالفولاذ حول رقبتي، وسحبني إلى الخلف، بعيداً عن ضوء القمر الخافت، إلى ظلامٍ أعمق وأكثر جوهراً بين الأشجار.
"غ .. ا .. آه ! "
الحركة كانت صامتة تماماً، سريعة كفكرة، وقوية بشكل مهين. يد أخرى، باردة وحاسمة، ضغطت على فمي، وكتمت الصرخة الغاضبة التي كانت على وشك الانفجار.
قاومت !
صراعي كان غريزياً، عنيفاً، كحيوان وقع في فخ.
"اغغ … "
"بام ! "
قدمي تضرب الهواء، وأظافري تحاول أن تخدش الذراع الذي كان كالصخر.
لكن المهاجم لم يتزحزح. كان ثابت كالجبل.
حاولت تفعيل مهارتي. حاولت يائساً .. لكنني لم أستطع التركيز. الخوف، والمفاجأة، ونقص الأكسجين ... كانت كوكتيلاً ساماً يشل عقلي، ويحول أفكاري إلى ضباب.
الضغط على رقبتي لم يكن مجرد قوة غاشمة، كان فيه علم.
دقة مرعبة تستهدف الشريان السباتي، تقطع تدفق الدم إلى الدماغ بكفاءة :. لم يكن هذا هجوم وحش أو طالب عادي .
بدأ العالم يتلاشى.
لم يكن تلاشياً عنيفاً، بل كان انحساراً بطيئاً لضوء حولي.
الضوء الخافت للكهف البعيد بدأ يتراقص ويتموج، كشعلة تحت الماء.
أصوات الغابة عادت، لكنها كانت مكتومة ومشوهة، كأنني أسمعها من خلف جدار سميك من الزجاج.
شعرت بقوتي تتسرب مني، لا كرمال تنزلق، بل كاشارة إلكترونية تضعف وتتلاشى.
عضلاتي، التي كانت قبل لحظاتٍ متصلبة وتقاوم بعنف، بدأت ترتخي رغماً عني، مستسلمةً لنداء الفراغ.
'لا ... لا ...'
كانت آخر فكرة واعية تومض في عقلي المحتضر. لم تكن فكرة، بل كانت مجرد رجفة أخيرة من الوعي.
'مرة .. أخرى … '
الظلام بدأ يلتهم حواف رؤيتي.
آخر صورةٍ حفرت على شبكية عيني قبل أن أغرق في العدم ...
كانت زوجاً من العيون البلاتينية الباردة كجليد القطب، تحدق فيي من الظل، دون أي أثر للعاطفة.
لم يكن فيها كراهية، ولا انتصار ..مجرد برود.
ثم في هذه اللحظة … كل شيء أصبح ظلامًا .
***
توقف جسد فين عن الارتجاف. كدمية قطعت خيوطها، ارتخت عضلاته، ومال رأسه إلى الأمام، وغاب في محيط الفراغ.
بذراع واحدة، أمسك به آرثر، مانعاً جسده من السقوط وإحداث أي ضجيج قد يخون صمتهما. ثم، كمن يضع قطعة فنية هشة في مكانها، وضعه برفق على فراش الأرض الرطب، خلف ستارة كثيفة من الشجيرات.
'واحد سقط.'
رفع يده، ووضع إصبعه على شفتيه .. إشارة تأمر بالصمت.
ثم أشار إلى صوفيا، التي كانت تختبئ خلف جذع شجرة قريب، كأنها جزء من لحائه. انسلت نحوه، خطواتها لا تكاد تلامس الأرض، كأنها تسير على الهواء.
" هل تم الأمر ؟ " همست، وصوتها لم يكن أكثر من حفيف ورق الشجر.
أومأ آرثر، وعيناه البلاتينيتان لا تزالان تمسحان الظلال. "الحارس تم تحييده .. يقظته لم تكن كافية."
كانت كذبة أنيقة.
الحقيقة كانت أكثر قسوة. لقد تسلل خلفه كشبح يرتدي عباءة الليل، وفي حركة واحدة، سريعة، ومحسوبة بدقة، قام بخنقه حتى انطفأ نور الوعي في عينيه.
لم يكن هناك داعٍ لأن يعرف فريقه هذه التفاصيل الوحشية. يكفي أن يعرفوا أن الطريق الآن مفتوح.
'لا أثر. لا ضجيج.' فكر وهو ينظر للشلال.
"إذن، العرين يقع خلف هذه الستارة المائية ؟ " همست صوفيا، وعيناها مثبتتان على الشلال الذي كان هديره شيه عالي..
"كل المعلومات تشير إلى ذلك،" رد آرثر. "قاعدة عمليات مثالية. مخفية، ويمكن الدفاع عنها، مع مصدر مياه خاص بهم. "
" كانوا يعيشون في رفاهية أرستقراطية بينما كنا نحن نتذوق طعم الغبار."
وأضاف بابتسامةٍ باردة لم تصل إلى عينيه .. "لكن هذه الرفاهية ... ولدت الكسل ."
نظر إلى فريقه الصغير، النخبة التي اختارها لهذه المهمة. كان الهجوم سيكون عليهم.
أما بقية الفريق هم في الخلف ينتظرون الإشارة.
"الخطة بسيطة،" همس وهو يشرح. "أنا سأكون رأس الحربة. سأقوم بتقييم الوضع في الداخل. أنتم تنتظرون إشارتي. إن لم أعد خلال خمس دقائق، أو إن سمعتم أي ضجيج ... اقتحموا بكل ما لديكم. الهدف هو السيطرة على هذا المكان بأقل الخسائر."
"مفهوم."
"هااب .. " أخذ آرثر نفساً عميقاً، ثم بدأ بالتحرك.
بخطوات بطيئة وغير محسوسة سرعان ما وصل لشلال.
دخل في الماء البارد، وشعر به يغمر حذائه، ثم وصل إلى ستارة الماء الهادرة. للحظة، تردد. كان على وشك أن يدخل عرين الأسد.
لكن في لحظة أعاد شحن تصميمه ثم، دفع نفسه إلى الأمام، وعبر إلى المجهول.
وجد نفسه في كهف واسع
. الهواء كان دافئاً وجافاً، والنار في المنتصف كانت تلقي بظلال طويلة وراقصة، رأى بقايا الخيمة الممزقة مكدسة في زاوية، ورأى أشكالاً نائمة.
ثمانية أو تسعة منهم، منسدحين على الأرضية، مسالمين وضعفاء كالأطفال.
لكن آرثر لم ينخدع. كان يعرف أن كل واحدٍ من هؤلاء "النائمين" ... هو وحش ينتظر أن يستيقظ.
تحرك ببطء، ظهره ملتصق بالجدار الصخري البارد.
كانت عيناه تتفحصان كل شيء، تحفظان مواقع الأعداء، ومخارج الكهف، وأي أفخاخ محتملة. 'ليو وسيرينا ... هناك. إيثان... هناك.' كانوا جميعًا هنا. 'إذن، فين كان الحارس الوحيد ؟ .. يا لها من غطرسة .'
وصل إلى منتصف الكهف. كل شيء كان هادئاً بشكل مخيف.
'أسهل مما توقعت.' كان على وشك أن يعطي إشارة الهجوم.
"ها ؟ .. "
لكنه شعر بها فجأة.
قشعريرة باردة سرت في عموده الفقري.
لم تكن من البرد .. كانت غريزة.
تلك الغريزة الحيوانية التي تصرخ بأن هناك خطراً. بأنه ليس وحيداً. بأنه مراقب.
تجمد في مكانه، وحواسه انفجرت إلى أقصى حد، كشبكة عنكبوتٍ اهتزت فجأة.
على الفور، نظر إلى يساره، نحو الظلال العميقة التي ألقتها صخرة ضخمة، ظلام داخل ظلام. لم يجد شيئًا.
'هل أتوه ...؟ '
قبل أن تكتمل فكرته، قبل أن يطمئن عقله المنطقي نفسه، رأى وميضًا.
لم يكن وميضًا من الضوء، بل كان وميضًا من الحياة.
"كلاك-كلاك-كلاك ! "
ومضة من اللون الأزرق الكهربائي، كعين عاصفة انفتحت فجأة في قلب الظلام. وفي عمق هذا الظلام، ظهرت عينان تلمعان بذكاءٍ مشاكس وخطير.
وظهرت فتاة ذات شعرٍ ملون، كفراشة سامة خرجت من شرنقتها .. كلوي جانسن.
[[السوط الكهربائي]]
لم يكن هناك وقت للتفكير ! لم يكن هناك وقت حتى للتنفس.
انطلق سوط من الكهرباء النقية من الظلام بسرعة لا تصدق، كأفعى صاعقة، لم يكن له صوت، فقط أزيز خافت يهتز به الهواء، جاهزًا ليلتف حول رقبته ويحول جسده إلى مجرد ذكرى محترقة.
"فووووش !! "
جسد آرثر تصرف قبل عقله.
بفضل ساعات من التدريب القاسي، تحرك جسده بشكل غريزي، كأنه يرقص على لحن الموت.
لم يحاول صد الهجوم. كان ذلك انتحارًا. بدلاً من ذلك، في اللحظة التي كان فيها السوط على وشك لمسه، قام بحركة انسيابية ومحسوبة كحركة فنان خطاط.
أدار جذعه، وفي نفس اللحظة، استخدم راحة يده المفتوحة، ليس ليضرب، بل ليوجه، ليلمس يد كلوي التي كانت تمسك بالسوط، محرفًا مسار الهجوم القاتل نحو الأعلى.
"تشششش !!! "
مر السوط على بعد سنتيمترات من وجهه، وشعر بالحرارة التي خلفها وهي تحرق الهواء، تاركة وراءها رائحة الأوزون الحادة.
كانت حركة دفاعية رائعة، قطعة فنية من فنون القتال، لكنه لم ينتهي.
استغل آرثر اللحظة التي فقدت فيها كلوي توازنها، تلك اللحظة الذهبية التي لا تدوم أكثر من طرفة عين.
أمسك بمعصمها الذي كان قد حرفه للتو، واستخدم قوة اندفاعها ضدها، ولف جسده، وقام بقذفها بقوة فوق كتفه.
"بوووووووم !! "
ارتطمت كلوي بالجدار الصخري للكهف، لكنها، برشاقةٍ غير إنسانية، أدارت جسدها في الهواء وهبطت على قدميها كقطة برية، وأطلقت ضحكة مليئة بالغضب والإعجاب في آن واحد.
"كياهاهاها ! .. ليس سيئًا أيها الأرستقراطي ! "
لقد تم كشفه. عنصر المفاجأة قد تبخر في حرارة السوط الكهربائي.
سمع أصوات الطلاب الآخرين وهم يستيقظون على صوت الضجة، أصوات الارتباك تتحول إلى تأهب.
نظر آرثر إلى كلوي، التي كانت تستعد للهجوم مرة أخرى، وعيناها تلمعان بمتعة المعركة.
ثم نظر إلى مدخل الكهف.
لقد حان الوقت.
"الآن!!"
صرخ بأعلى صوته، وصداه تردد في أرجاء الكهف، معلناً بداية الحرب.
"اقتحموا !!! "
*****
أعذروني على الأخطاء