كنا نتحرك في صمت، أشباحًا تنساب بين جذوع الأشجار العملاقة التي كانت تراقبنا.

لم يكن هناك كلام، فقط حفيف أقدامنا فوق أوراق الشجر الرطبة، التي كانت تمتص الصوت كما تمتص الأرض المطر.

كانت صرخة إيزي قبل قليل قد مزقت الخوف، وحقنت الفريق بجرعة من الغضب النقي .. فطرة بدائية وحدتهم تحت راية واحدة بسيطة وقوية .. ' الهجوم مهما كان الثمن.'

كانوا يسيرون الآن كجسد واحد، قطيع من الذئاب يتبع قائدته نحو عرين لا يرحم.

كنت أحتل موقعي في المؤخرة، ليس خوفًا، بل لأنه الموقع المثالي للمراقبة .. حسنًا أنه خوف من أخدع.

كانت إيزي في المقدمة، ظهرها مشدود كقوس على وشك إطلاق سهمه. لونا بجانبها، تتحرك بخفة، عيناها تمسحان كل ظل متحرك.

حتى جاسبر، كان يتحرك الآن بطريقة مختلفة، هالة حية نوعًا ما تحيط به، معاكسة لهدوءه المعتاد.

كانوا رائعين .. و أغبياء بشكل مأساوي.

' إنهم محكومون بالعاطفة .. ' الفكرة مرت في عقلي بسلاسة.

وهذا يجعلهم متوقعين .. ليو ليس أحمق، إنه نوعًا ما مفترس صبور .. من النوع الذي ينتظر هذا الاندفاع الأعمى.

سيسمح لنا بالدخول إلى فخه، ثم سيطبق فكيه علينا.

مع كل خطوة، كان هدير الشلال يرتفع، صوت أبيض متصاعد يغطي على كل الأصوات الأخرى، كأنه طبول حرب تدق احتفالًا بالقتال الوشيك.

كنت أشعر به في عظامي، ذلك الإحساس المشحون بالكهرباء الساكنة الذي يسبق الصاعقة.

على الرغم من صفاء ذهني، إلا أن قدماي بالكاد تحملني من التوتر.

' على الأقل استطعت تقسيمهم .. مما يعني إننا سنواجه نصف فريق ألفا-1 بهذا .. '

و هذا يعني أنهم ينتظروننا الأن ..

"سنتوقف هنا." صوت إيزي جاء حادًا، بالكاد يعلو على ضجيج الماء. أشارت بذقنها إلى مجموعة من الصخور المنحوتة بفعل الزمن، توفر غطاءً طبيعيًا مثاليًا.

"سنعيد تجميع الصفوف، ثم نقتحم."

تجمع الفريق حولها في دائرة ضيقة.

"لونا، ستكونين رأس الحربة .. تورو، كاي، ستؤمنان الأجنحة. جاسبر ... "

ببطء استمرت المحادثة وهي تعلمهم أماكنهم … لكني لم أعد أستمع ..

عقلي كان يصرخ للتدخل في خطتها، لكن عزلتي الطويلة علمتني أن المواجهة المباشرة مع قائد غاضب مثل إيزي حاليًا، هي معركة خاسرة.

كل ما سيحدث هو أنتي سأحطم معنوياتهم، وثم أصبح العدو الداخلي في الفريق بالنسبة لهم.

كنت بحاجة إلى مشرط، لا إلى فأس.

"خطة جريئة .. " تحركت شفتاي دون أن أدرك.

" ها ؟ .. "

صوتي قطع تخطيطها، مما جعل كل العيون تلتفت نحوي.

نظرت إلي إيزي، وذرة من النار لا تزال مشتعلة في عينيها.

"هل لديك ما تضيفه يا 'آدم' ؟ " قالت اسمي كأنه إهانة.

"لدي سؤال واحد فقط،" قلت، متجاهلاً نبرتها المستفزة.

تقدمت خطوة، لأدخل دائرتها.

"ليو، هل هو مقاتل متهور أم صياد ؟ "

صمتت للحظة، مرتبكة من سؤالي.

"صياد،" قالت بترد، إنها تعرف بالفعل الشائعات التي دارت حول ليو منذ صغره.

"إذن، ما الذي يتمناه الصياد أكثر من أي شيء آخر ؟ " واصلت بهدوء. "أن تركض الفريسة مباشرة نحوه، عمياء من الغضب والخوف .. أن تقدم له رأسها على طبق من فضة."

ساد صمت ثقيل، أثقل من رطوبة الغابة. لم أكن أهاجمها، كنت أجعلها ترى الخطة من عيني عدوها.

"أنت قائدتنا،" قلت، ونبرتي أصبحت أكثر ليونة.

"أنا لست خائفة،" قالت بحدة، لكن الشك بدأ يتسلل إلى صوتها.

"الشجاعة ليست المشكلة هنا،" رددت وعيناي لم تفارقا عينيها. "المشكلة هي القيمة .. الملوك لا يموتون في بداية المعركة. إنهم القطع التي تحسم نهايتها."

رأيت عينيها تهتز للحظة.

كبرياؤها يصرخ فيها لتضربني، لتثبت أنها ليست مجرد "قطعة" في لعبة أحد. لكن المنطق، الذي كانت تحاول قمعه بغضبها، كان يعرف أنني على حق.

"أنا أتفق مع آدم."

جاء هذا الصوت من العدم، هادئًا ومنطقيًا، قاطعًا التوتر المشحون كرنين شوكة رنانة.

كان تورو، الذي ظل صامتًا، يدفع نظاراته برفق إلى أعلى أنفه.

' شكرًا لك .. ' فكرت و شعرت بالإمتنان تجاه تورو للحظة، عندما سمعته يتفق معي.

التفتت كل العيون نحوه.

"منطق آدم ... سليم،" قال، وعيناه لا تزالان على إيزي. "قيمة القائدة إيزي كأصل استراتيجي تتجاوز بكثير قوتها القتالية المباشرة. "

" المخاطرة بها في هجوم أمامي هو خطأ فادح .. بقاؤها في الخلف، يرفع من احتمالات نجاحنا بنسبة لا تقل عن سبعة وثلاثين بالمائة."

لم يكن يقدم رأيًا .. كان يعلن نوعًا من الحقيقة.

مرت موجة من اليقين عبر الفريق.

يمكنهم الشك في دوافعي، لكن لا أحد يستطيع مجادلة أثنين يتفقان على نفس المبدأ المنطقي.

رأيت المعركة الأخيرة تدور في عيني إيزي.

كبرياؤها، كان يصرخ فيها لتتجاهلنا، لتمضي قدمًا وتثبت أنها ليست جبانة.

لكنني رأيت وهج الغضب يخفت، ليحل محله البرود المرير للهزيمة المنطقية.

"لكن ..." الكلمة خرجت من بين شفتيها بصوت خافت. "أشعر وكأنني ... أهرب."

هذه هي اللحظة.

اللحظة التي كنت أنتظرها ..

قررت أن أقدم لها الحجة الأخيرة، الحجة التي ستبني حولها جدران القفص.

"أنتي لا تهربين،" قلت بهدوء، واقتربت خطوة أخرى، ونبرتي تحولت لتعكس نفس البرود الذي يستخدمه تورو .. لقد أعجبتني النبرة.

"أنتي تحمين نقطة بقائنا .. "

نظرت إلي، والحيرة حلت محل الغضب.

"لنرسم أسوأ سيناريو،" قلت، وصوتي أصبح أكثر انخفاضًا، مما أجبرهم على الإنصات بتركيز.

"لنتخيل أننا فشلنا .. أن ليو وسيرينا سحقوا فريقنا المهاجم ... تم القضاء على كل عضو في هذا الهجوم."

لمحتها تشد قبضتها لولهة.

' علي الضغط عليها أكثر .. '

"حتى لو حدث ذلك،" تابعت، وعيناي لم تفارقا عينيها، "طالما أنك، القائدة، لا تزالين واقفة ... فإن فريق ألفا-2 لن يمحى من الأختبار .. "

"ستكونين وحيدة، لكنك ستبقين في اللعبة .. لن يتم إقصائنا على الأقل."

تركت صمتًا قصيرًا، لأترك حقيقة كلماتي تتسرب إليهم.

لن أتوقف هنا .. يجب علي ترسيخ رأيي في عقلها، لا أن أجعلها تفكر.

"أو .. " قلت، ونبرتي أصبحت حادة كالجراح، "لنتخيل سيناريو أخر .. أنت في المقدمة، وضربة من العدم أتت لتأخذك على حين غرة .. بعدها سيتم إقصاؤك."

توقفت مرة أخرى، أنظر في وجوههم واحدًا تلو الآخر.

"عندها تنتهي اللعبة، لنا جميعًا … حتى وإن لم يتم إقصاءكم من القتال .. ستقصون بسبب إن فريقكم لم يعد موجود .. "

" لا قائد، لا فريق .. هذا هو أساس الأختبار . "

عدت بنظري لإيزي ..

"الأمر لا يتعلق بكونك قوية أم ضعيفة، شجاعة أم جبانة يا إيزي .. الأمر وما فيه إننا لن نراهن ببقاء الفريق بأكمله على احتمال واحد بالمائة من الفشل الحتمي."

" هل فهمتي ؟، أنتي أهم عضوا في هذا الفريق .. "

" …. "

ساد صمت ثقيل، لم يكسره سوى هدير الشلال البعيد.

لقد بنيت القفص من قواعد الأكاديمية ومسؤوليتها كقائدة، والآن، نقرت على القفل ليغلق ..

لم يعد هناك مهرب.

"تسك ! .. "

الصوت الذي أخرجته كان مزيجًا من النقرة الحادة باللسان والتنهيدة المهزومة.

أشاحت بوجهها، رافضة أن تنظر إلي.

"حسنًا،" قالت بصوت أجش. "سأبقى في الخلف."

ثم، كأنها تحاول استعادة السيطرة، استدارت نحو بقية الفريق، وصوتها عاد حادًا وقويًا.

"أنتم! استعدوا للتحرك ! .. لونا، ستكونين أنت في المقدمة !"

بدأ الفريق في التحرك مرى أخرى .. أشكالهم بدأت تذوب أمامي، متجهين نحو الشلال.

" يا إلهي .. "

أطلقت نفسًا عميقًا لم أكن أدرك أنني أحبسه.

' لقد نجحت .. '

مشيت ببطء، وتوقفت بجانب الشخص الوحيد الذي لم يتحرك ..

صخرة بشرية ترتدي ملابس سوداء.

جاسبر روك.

كان يقف بصمت، ظهره مستقيم، يراقب الفريق وهو يختفي.

لم أضع يدي على كتفه .. مثل هذه الأفعال لا معنى لها معه. بدلاً من ذلك، وقفت بجانبه، في صمته.

انحنيت نحو أذنه، وشفتي تكاد تلامسها، وصوتي كان همسًا خافتًا، مصممًا ليخترق هدير الشلال ويصل إلى عقله فقط.

"عندما تبدأ المعركة ... تجاهل كل شيء آخر."

لم يلتفت .. لم يرمش .. لكن شعرت بتصلب طفيف في عضلات كتفه.

" إيثان ودريك ... أبطأهم قدر المستطاع . "

لم يتغير قناعه الحجري.

لكن في الفراغ الأسود لعينيه، ولجزء من الثانية، رأيتها. ومضة من التركيز .. كأن العدم قد وجد له هدفًا.

لم يسأل لماذا .. لقد فهم الأمر.

أومأ جاسبر برأسه .. حركة بطيئة، شبه محسوسة، كأن جبلًا قد حنى رأسه.

ثم، دون كلمة، استدار، وبدأ يسير نحو الكهف، خطواته ثقيلة وثابتة، كقاضٍ يسير لإصدار حكمه.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا أراقب ظهره ..

أنهم يتحركون بشكل متوقع للأن ..

حككت ذقني قليلًا.

" حسنًا هذآ مقلق نوعًا ما .. " همست بصوت منخفض.

' غالبًا ما يأتي بعد هذه السهولة فشل كارثي ' .. سرت قشعريرة في عمودي الفقري، مما جعلني اتجاهل هذا الاحتمال.

حسنًا. الملكة معزولة .. والقلعة، أقوى قطعة دفاعية، لديها الآن هدفها.

رفعت نظري إلى مدخل الشلال.

'بصراحة ...' فكرت بحزن.

'أنا بحاجة لكوب من القهوة.'

***

أحدى عشر شبحًا يتحركون كجسد واحد عبر الشجيرات الكثيفة والأشجار المكسورة.

لا توجد كلمات، فقط إشارات يدوية صامتة، لغة حرب قديمة.

كانوا يعرفون أنهم يسيرون نحو معركة من المرجح أن تكون نهايتهم في الأختبار.

لكنهم ... كانوا يسيرون على أي حال.

لونا كانت في المقدمة .. عيناها حادتان كشفرات زجاجية، تشرح كل غصن وكل ظل. لم تكن مجرد مستكشفة، بل كانت رأس حربة بشري، الأكثر حساسية بين الأعضاء.

خلفها، كان تورو وكاي ينسابان على الجانبين كحارسين من الجرانيت، صامتين وثابتين.

وفي الوسط، كان بقية الفريق، بعضهم متوتر والأخر متحمس، وبعضهم لا هذا ولا هذا.

أما جاسبر روك، فكان يسير في المؤخرة .. يده بجيوبه، ويبدوا أنه نعسان على وشك النوم.

بعد دقائق أخيرًا قد وصلوا.

وقفوا على حافة النهر، مختبئين بين الأشجار. وأمامهم، كان الشلال. ستارة هادرة من الماء الموحل تتدفق بقوة لا ترحم، وتخفي وراءها عرين الأسد .. كهف فريق ألفا-1.

توقفوا، وانتظروا في الظلال، أنفاسهم كانت محبوسة. كانوا ينتظرون الإشارة من قائدهم، الذي كان يراقب كل شيء من بعيد.

مرت دقيقة شعرت وكأنها دهر. ثم أخرى. التوتر كان يزداد مع كل نبضة قلب، يصبح ثقيلاً، ملموسًا.

ثم، جاءت الإشارة .. اهتزاز خفيف في أجهزة الكاردينال الخاصة بهم. رسالة من كلمة واحدة من إيزي، حادة كطلقة نارية ..

[أنطلقوا].

لم يترددوا ! .. خرجوا من بين الأشجار واحدًا تلو الآخر، ووقفوا جميعًا أمام الشلال. لم يصرخوا. لم يعلنوا الحرب.

فقط وقفوا هناك، أحد عشر طالبًا، في مواجهة شلال كبير.

للحظات، لم يحدث شيء .. فقط صوت هدير الشلال الذي يصم الآذان.

"فوشش ! "

بعدها بلحظات تغير شيء ما ..

بدأ تدفق الماء يضعف، يتباطأ، كأن قوة غير مرئية كانت تخنقه. ومن خلال ستارة الماء التي أصبحت الآن رقيقة كالحجاب، خرج ستة أشخاص.

لم يكن فريق ألفا-1 بأكمله .. كان نصفه.

ليو فون فالكنهاين خرج أولاً.

كان يسير بهدوء، ووجهه خال من التعبير كقناع يوناني. لم يكن يحمل سلاحًا، لكن هالته وحدها كانت كسيف مسلط.

بجانبه، كانت سيرينا فاليريان، وعيناها العنبريتان باردتان كجليد الشتاء، وأصابعها تتراقص ببلورات جليدية صغيرة تتشكل من العدم.

وخلفهما ... جاءت القوة الرئيسية.

إيثان ريدل، وشعره الأبيض يلمع في الضوء الخافت، وهالة بيضاء مذهبة، دافئة وخطيرة تنبعث منه.

دريك مالوري، وعيناه تلمعان ببرود الفراغ، ووجوده وحده كان يبدو وكأنه يمتص الضوء.

زين وائلدر، الظلال من حوله تبدو وكأنها أصبحت أعمق، تتلوى أكثر فأكثر.. وأخيرًا، ريكس بارنز، يطقطق مفاصل يديه، وابتسامة وحشية على وجهه.

وقف الفريقان في مواجهة بعضهما البعض. أحد عشر مقاتلاً يائسًا ضد ستة وحوش.

لم تكن هناك حاجة للكلمات. الهواء نفسه كان يتشقق من التوتر.

..

.

**

بعيدًا عن المواجهة، على تلة تطل على المشهد بأكمله، كان شخصان يشاهدان.

كان آدم ليستر يراقب كل شيء من بعيد .. كان يرى فريقه يتقدم .. حتى خرجت الوحوش الستة لملاقاتهم.

" ستة ؟ " همست إيزي دي لونا بجانبه، وصوتها كان مليئًا بالارتباك.

"نعم،" قال آدم، لكن نظره لم يكن موجهًا إلى المعركة .. كان مركزًا على شخص واحد فقط .. ليو فون فالكنهاين.

كان يقف بهدوء، ونظرته المتعالية لا تزال قائمة.

'إذن، لقد قرأت خدعتي.' الفكرة لم تكن مزعجة لآدم .. كانت ممتعة.

' هل علم أن إشارة الاستغاثة كانت تشتيتًا .. لكنه أرسل نصف فريقه رغم ذالك ؟ '

' وفوق ذالك خرج للقتال ؟ .. لماذا ؟ '

دارت أفكار آدم للحظة، وعقله يعمل بسرعة البرق .. ولم يمضي وقت طويل حتى فهم الأمر.

جائته لحظة إدراك واضحة.

'الكبرياء ؟ '

أعاد تركيز نظره على وجه ليو، ورأى فيه ثقة مفرطة، ومتعجرفة.

'إذن، هل أنت تثق بقوة فريقك إلى هذا الحد ؟ .. أم أن لديك خطة أخرى؟ '

أهتزت أكتاف آدم .

شعرت إيزي بالاهتزاز مما جعلها تعيد النظر إليه.

" آدم ؟ "

لم يجب .. أنزل بنظره للأسفل ببطء .. وشيء لم تره إيزي من قبل ظهر على وجهه ..

اتسعت عيناه، وابتسامة عريضة، حقيقية، بدأت ترتسم على وجهه. انسالت قطرة من العرق البارد على وجنته، لكنه لم يلاحظها.

" ليو ... أنت حقًا قذر !! "

*****

صورة تقريبية لتعبير آدم في نهاية الفصل :

أعذروني على الأخطاء

2025/08/18 · 332 مشاهدة · 1971 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026