[منظور : إيزي]
من موقعنا المرتفع فوق التلة، كانت ساحة المعركة في الأسفل تبدو وكأنها لوحة سريالية رسمتها يد مجنونة.
الوميض الأزرق والذهبي كان يمزق عتمة الغابة، وأصوات الانفجارات كانت مرتفعة.
كنت أحبس أنفاسي، وأظافري تكاد تغرس في راحة يدي.
' إنهم يفعلونها حقًا ... '
تلك الفكرة رقصت في عقلي بمزيج من الذهول والنشوة.
تورو وكاي، الثنائي الغامض الذي لم أثق به قط، كانا يقفان نداً لند أمام "العاصفة" البشرية، سيرينا فاليريان.
رأيت تورو يوجه تلك اللكمة الصخرية، ورأيت سيرينا تتراجع.
لأول مرة منذ بدأنا هذه المهمة الانتحارية، شعرت بوميض من الأمل الحقيقي. ربما ... ربما خطة آدم المجنونة لم تكن مجرد هذيان.
ربما كان لدينا فرصة فعلية لكسر كبرياء ألفا-1.
ابتسامة صغيرة، مرتجفة، بدأت تتشكل على شفتي.
"نحن نتقدم ... نحن فعلًا نت-"
لكن، وكأن القدر يسخر من أملي الهش، تمزقت اللحظة.
"باااااام !!"
شيء أسود، كقذيفة بشرية، انطلق من اتجاه الشلال بسرعة مرعبة، ليحطم الأرضية وسط المعركة، مثيرًا سحابة كثيفة من الغبار والحطام، مقاطعًا المواجهة الحاسمة بين تورو وسيرينا.
تجمدت الابتسامة على وجهي، وتحولت إلى قناع من الصدمة.
عندما انقشع الغبار، ورأيت ذلك الشخص ينهض من الحفرة ببرود، ويمسح ملابسه بلامبالاة مستفزة، اتسعت حدقتاي حتى كادتا تبتلعان بياض عيني.
"جاسبر ؟ ..."
همست بالاسم، والصوت يخرج من حلقي مخنوقًا.
لم يكن جاسبر هو من يقلقني. بل "كيف" وصل إلى هناك بتلك الطريقة العنيفة.
من الواضح انه لم يقفز ... لقد أُلقي به.
رفعت نظري ببطء، متتبعة المسار الذي جاء منه جاسبر، . وهناك، رأيتهم.
خرجوا من خلف ستارة الماء.
إيثان ريدل دريك مالوري .. وخلفهم ... ليو.
شعرت بدمي يبرد في عروقي.
"لا ..." تراجعت خطوة إلى الخلف، وأنا أشعر بركبتي تضعفان. "إيثان ... ودريك ... ؟"
الأمل الذي شعرت به قبل ثوانٍ تحطم كالزجاج.
كنا نتعامل مع سيرينا بصعوبة، وكنا نحقق توازنًا هشًا مع زين وريكس .. لكن الآن ؟
الوحشان الأكثر موهبة في الدفعة قد دخلا ساحة المعركة.
كيف يمكن لأي خطة، مهما كانت ذكية، أن تصمد أمام هذان ؟
كان جاسبر يقف وحيدًا أمامهم. جاسبر الصامت، الكسول ... ضد ثلاثة من عمالقة الفصل إن لم ننسى ليو.
"آدم … "
التفتت بسرعة نحو الشخص الذي يقف بجانبي، وضحكة جافة مرجت من فمي.
" ههه .. يبدوا إن الكفاح وصل لنهايته. "
كنت أنتظر منه أي رد فعل. صدمة، خوف، توتر، أو حتى خطة بديلة سريعة.
لكن آدم ...
نظر إلي ببطء. عيناه الرماديتان كانتا هادئتين، هادئتين بشكل مستفز، كبحيرة راكدة لا تعكس سوى السماء.
لم يرمش .. لم يتوتر.
لم يكن هناك ذرة قلق واحدة في ملامحه.
نظر إلي للحظة واحدة، نظرة خالية من أي تعاطف، ثم أعاد نظره ببساطة نحو ساحة المعركة في الأسفل، ووضع يده في جيبه، كأنه يشاهد مشهدًا مكررًا في مسرحية مملة.
"لا يهم ..."
تمتم بصوت خافت، بالكاد سمعته، وعيناه مثبتتان على جاسبر.
"لا يهم ؟؟ " أردت أن أصرخ في وجهه، لكن بروده الجم أخرسني.
عدت أنظر للأسفل، بأحباط.
' هل هو مجنون ؟ '
نظرت لجاسبر الذي يقف ويبدأ ببطء بفك ازرار قميصه ويتحدث بصوت لا يصلني.
بدأ وكأن تلك الرمية قبل قليل لم تؤثر به قيد أنملة.
' أم أنه يعرف شيئًا عن جاسبر ... لا أعرفه أنا ؟ '
***
***
***
"يا للإزعاج ..."
تمتم، وهو يفك الزر العلوي لقميصه ببطء شديد، حركة كسولة وتثاؤبية وسط ساحة مشتعلة بالتوتر.
في تلك اللحظة، وفي زاوية الرؤية الميتة للجميع، تحرك ظل.
"فوشش !"
تورو كانيكي .. لم يضيع هذه الفرصة الذهبية. بمجرد أن تسمرت عيون "الثلاثة الكبار" على جاسبر، انزلق تورو عائدًا إلى الخلف، مبتعدًا عن مركز العاصفة بسرعة وهدوء، تاركًا جاسبر ليتحمل العبء وحده.
لم يلتفت جاسبر. لم يهتم.
رفع نظره الكسول نحو إيثان ودريك، وخلفهما ليو الذي كان يراقب بصمت حذر.
رفع جاسبر يده اليمنى بملل، ولوح بأصابعه حركة بسيطة ومستفزة.
"تعال."
كانت دعوة باردة، خالية من أي حماس قتالي، وكأنها دعوة لإنهاء عمل منزلي ممل.
وهذا بالضبط ما أشعل الفتيل.
"أنت ... لا تستهن بي ! "
قال إيثان، والابتسامة الواثقة المعتادة على وجهه تحولت إلى تكشيرة حماسية غاضبة. لم يكن يطيق هذا النوع من البرود.
"بوووووم !!"
انفجرت الأرض تحت قدمي إيثان. انطلق كالسهم الذهبي، هالته النجمية تتوهج حوله بعنف، وقبضته اليمنى مشدودة، جاهزة لتحطيم هذا الحاجز الكسول.
المسافة تلاشت في لحظة.
"خذ هذه ! "
"بام !! "
حدث التصادم.
لم يستخدم جاسبر أي سحر واضح، ولم يطلق أي شعاع.
ببساطة، رفع ساعده الأيسر في اللحظة الأخيرة، وصد لكمة إيثان المشحونة بالطاقة.
"كراااك ! "
تصدعت الأرض تحت قدمي جاسبر من قوة الضربة، لكنه ... لم يتزحزح من مكانه. قدمه كانت ثابتة كأنها جذور شجرة عملاقة، وملامحه لم تتغير.
"هذا كل شيء ؟ " سأل جاسبر وصوته يملأه الملل.
"تسك ! " نقر إيثان بلسانه.
تراجع خطوة للخلف، ثم اندفع مرة أخرى، هذه المرة بسلسلة من الهجمات السريعة والمتتالية.
"فوشش-بوم - بام !!"
لكمة يمين، لكمة يسار، ركلة دائرية عالية. كان إيثان يقاتل بشراسة، كل ضربة تحمل وزن نجم صغير، وكل حركة كانت تهدف لكسر دفاع خصمه.
لكن جاسبر ... كان يتحرك بالحد الأدنى.
يميل رأسه قليلاً لليمين لتمر القبضة بجانب أذنه.
يرفع كوعه بكسل ليصد الركلة.
يدفع قبضة إيثان بظهر يده ليحرف مسارها.
كان يقاتل باقتصاد مرعب في الحركة. بينما كان إيثان متحمس يتحرك ويقفز، كان جاسبر يقف في دائرة لا يتجاوز قطرها المتر الواحد، يصد ويراوغ ببرود أعصاب مستفز.
"لماذا لا تقاتل بجدية ؟! " قال إيثان بصوت مرتفع منزعجًا، وهو يوجه ركلة منخفضة قوية.
"لأن هذا ..." رد جاسبر وهو يرفع ركبته ليصد الركلة بصلابة.
"بوفف !!"
"... متعب جدًا. "
استغل جاسبر لحظة اختلال توازن إيثان بعد صد الركلة .. لم يوجه لكمة قوية، بل دفع كتف إيثان ببطن بكفه، دفعة بدت خفيفة لكنها حملت ثقلاً غريباً.
"طخ ! "
ترنح إيثان للخلف بضع خطوات، ناظراً إلى جاسبر بدهشة ممزوجة بالذهول.
' هذا الشخص ... إنه لا يحاول حتى الفوز. '
نفض جاسبر الغبار عن كتفه الذي لم يلمسه أحد، وتنهد بعمق.
"هل انتهيت؟ .. أريد أن أعود للنوم. "
تلك الجملة الباردة، الملقاة بكسل وسط ساحة مشتعلة، كانت بمثابة الوقود الذي صب على نار حماس إيثان ريدل.
تراجع إيثان خطوة للوراء، لكنه لم يكن غاضبًا بالمعنى السلبي. على العكس، اتسعت ابتسامته لتكشف عن أسنان بيضاء، وعيناه الزرقاوان بدأتا تلمعان ببريق "المجنون بالقتال".
لقد وجد شيئًا نادرًا: جدارًا لا يتحطم بلمسة واحدة.
"تريد النوم ؟ " قال إيثان، وصوته يهتز بالإثارة المكبوتة.
"سأجعل الأرض سريرًا مريحًا لك ! … "
"فوووووششش !!"
انفجرت الهالة الذهبية البيضاء حول إيثان بكثافة أكبر من أي وقت مضى. لم تكن مجرد غلاف رقيق، بل تحولت إلى ألسنة لهب هائجة تتطاير حوله، رافعة درجة حرارة الهواء المحيط لدرجة أن الأرضية الموحلة بدأت تجف وتتشقق.
" بوم !! "
انطلق إيثان.
لم يكن اندفاعًا خطيًا بسيطًا هذه المرة.
استخدم [الاندفاع النيزكي] بأسلوب متقطع.
ظهر أمام جاسبر، وجه لكمة يمنى.
"فوش ! "
أمال جاسبر رأسه بملل لتفاديها. لكن في اللحظة التي عبرت فيها قبضة إيثان، استخدم إيثان قوة الاندفاع ليدور حول محوره.
"كلاااك !! "
ركلة خلفية معززة بالكامل استهدفت صدغ جاسبر.
رفع جاسبر ذراعه لصدها.
"بووووووم ! "
الاصطدام أحدث موجة صدمة صغيرة. انزلق جاسبر بضع سنتيمترات إلى الجانب، وحاجبه يرتفع قليلاً.
"ليس سيئًا ... " تمتم جاسبر.
لكن إيثان لم يتوقف .. كان قد دخل في المنطقة.
تحول القتال إلى سيل جارف من الهجمات. إيثان كان يتحرك بسرعة تجعل من الصعب رؤيته، يظهر ويختفي حول جاسبر، وكل ظهور كان مصحوبًا بضربة ثقيلة.
لكمة علوية، ركلة منخفضة، ضربة بالكوع، ركبة طائرة.
كان يستخدم كل شبر من جسده كسلاح، وكل ضربة كانت معززة بانفجار صغير من الهالة النجمية عند التلامس.
"تاتا تاتا تاتا تاتا بام !!! "
جاسبر، الذي كان يقاتل بيد واحدة في جيبه في البداية، اضطر لإخراجها.
بدأ يستخدم كلتا يديه للصد.
صد، انحراف، تراجع خطوة. صد، انحناء، قفزة صغيرة للخلف.
كان يقرأ الحركات ببراعة مذهلة، ويتحرك بالحد الأدنى اللازم لتفادي الضرر المباشر. لكن الضغط كان يتزايد.
"أنت سريع ..." قال جاسبر، ونبرة صوته بدأت تفقد كسلها المعتاد وتكتسب شيئًا من الانزعاج.
" ومزعج كذبابة في يوم صيفي."
"أنا لست ذبابة ! " ضحك إيثان بحماس، والعرق يتطاير منه ويتبخر فورًا بفعل حرارة هالته.
قرر إيثان رفع المستوى.
قفز في الهواء، وشكل قبضتيه معًا فوق رأسه.
"خذ هذه !! "
[[المطر النيزكي: نسخة قتال قريب]]
بدأ يوجه مئات اللكمات السريعة من الأعلى، كل لكمة تطلق قذيفة صغيرة من الطاقة المضغوطة.
"دوم دوم دوم دوم دوم بام !! "
تحولت الأرض حول جاسبر إلى جحيم من الانفجارات الصغيرة والغبار المتطاير.
اضطر جاسبر لتغطية رأسه بذراعيه، واتخاذ وضعية دفاعية صلبة، بينما كانت الأرض تهتز من حوله. شظايا الصخور كانت تخدش ملابسه، والدخان يحجب الرؤية.
من بعيد، كان ليو يراقب بعينين ضيقتين، ودريك يبتسم باهتمام.
"إنه يصمد أمام إيثان وهو في حالة الهيجان ... " همس ليو.
"من هو هذا الفتى ؟ "
"بووووم !! "
انقشع الغبار فجأة عندما هبط إيثان وسط الحفرة، ووجه لكمة مباشرة نحو صدر جاسبر.
تلقاها جاسبر بكفيه المتقاطعين.
" كراااااااك ! "
انخسفت الأرض تحت قدمي جاسبر، وغاصت ساقاه حتى الكاحل في الصخر المحطم.
"أمسكت بك !! " صاح إيثان.
لم يتراجع إيثان. التصق بجاسبر، وبدأ في توجيه ضربات قصيرة وسريعة للغاية، مستهدفًا الكبد، الضلوع، والوجه.
كان قتال شوارع وحشيًا معززًا بمانا النجوم.
"بام! بوف! كلاك! "
تلقى جاسبر ضربة قوية على كتفه جعلته يترنح.
ثم ضربة أخرى على فخذه جعلته يجثو على ركبة واحدة.
كان إيثان يضغط عليه بلا رحمة، يدفعه نحو الزاوية، يخنقه بقوته الغاشمة وسرعته التي لا تنتهي.
"ما الأمر ؟ " سأل إيثان وهو يلتقط أنفاسه بابتسامة منتصرة، رافعًا قبضته المتوهجة كالشمس لضربة نهائية. "هل استيقظت الآن ؟ "
" …. "
كان جاسبر جاثيًا على ركبة واحدة، شعره الأسود يغطي عينيه، وملابسه ممزقة قليلاً ومغطاة بالغبار.
بدا مهزومًا .. بدا محاصرًا.
قبضة إيثان كانت تهوي نحوه.
في تلك اللحظة، تحت ظل شعره المنسدل ...
تنهد جاسبر.
لم تكن تنهيدة ألم. ولا تنهيدة تعب.
كانت تنهيدة شخص أدرك أنه مضطر للقيام بعمل يكرهه بشدة.
"يا إلهي ... " تمتم بصوت خافت، لكنه كان واضحًا وسط ضجيج المعركة.
"لقد تجاوزت حد الإزعاج المسموح به."
رفع جاسبر رأسه فجأة.
وفي تلك اللحظة، تجمدت قبضة إيثان في الهواء.
ليس بسبب الخوف، ولكن بسبب مجهول.
شعور غريب، ثقيل، وبارد، نزل على ساحة المعركة فجأة !
لم يكن شعورًا عاديًا .. كان شيء يشبه الوقوف أمام والدك بعد أن كشفك ترتكب ذنبًا ما.
اختفت ابتسامة إيثان، وشعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
في عيني جاسبر السوداوين، لم يعد هناك كسل .. كان هناك فراغ مظلم، وفي وسط ذلك الفراغ، بدأ شيء ذهبي يتوهج.
صورة باهتة، أثيرية، لميزان قديم ظهرت خلف ظهر جاسبر، شفافة وعملاقة.
وفوق رأس إيثان، ظهر شيء لم يره أحد سواه وسوى جاسبر.
عداد أحمر، يمتلئ بسرعة مرعبة.
[النية العدائية: مؤكدة.]
[الجرائم المتراكمة: هجوم متكرر، إزعاج السلم العام، إضرار بالممتلكات (ملابسي).]
فتح جاسبر فمه، وصوته تغير .. أصبح له صدى معدني، وقور، لا يقبل النقاش.
"المحكمة ..."
مد يده نحو إيثان، وأصابعه تنقبض ببطء.
"تفتتح جلستها. "
" فوووووووووششششش !!! "
انفجرت هالة رمادية سوداء من جاسبر، دافعة الغبار والحجارة، وحتى إيثان نفسه، إلى الوراء بقوة غير مرئية.
لقد بدأ الحكم.
*****
أعذروني على الأخطاء