"فوووووووووششششش !!!"

لم يكن انفجاراً، بل كان توسعاً.

الهالة التي انبعثت من جاسبر كانت غريبة.

فجأة، تغير لون العالم في تلك البقعة من الغابة.

اختفت ألوان الأشجار المحترقة والسماء الرمادية، وحل محلها ضوء ذهبي باهت، مشوب بظلال رمادية ثقيلة، كأن الشمس قد غابت وحل محلها كسوف أبدي.

"ما ... هذا ؟ "

تراجع إيثان خطوة، وعيناه الزرقاوان تتسعان بذهول لم يعهده من قبل.

خلف ظهر جاسبر، لم يعد هناك فراغ.

من العدم، ومن نسيج المانا نفسه، تجسد طيف عملاق وشفاف. كان يرتفع لعدة أمتار فوق رؤوسهم، مهيباً ومرعباً.

كان ميزانًا.

ميزان قديم الطراز، ذو كفتين ضخمتين تتدليان بسلاسل من نور، معلقاً في الهواء ب"لا شيء".

الكفة اليمنى كانت تشع بضوء أبيض نقي، والكفة اليسرى كانت غارقة في ظلام دامس يقطر منه سائل أسود وهمي.

كان المشهد مهيبًا لدرجة أن الهواء نفسه بدا وكأنه قد تجمد احتراماً ... أو خوفاً.

وقف جاسبر تحت هذا الميزان العملاق، وقميصه المفتوح يرفرف ببطء رغم عدم وجود رياح. العصا الذهبية التي تجسدت في يده تبدوا كصولجان.

نظر إلى إيثان بنظرة خالية من أي مشاعر بشرية .. لم تكن غضبًا، وبطريقتةً ما لم تكن كسلًا ..

"أنت ..."

حاول إيثان الكلام، لكن صوته خرج مخنوقاً، كأن يداً غير مرئية تضغط على حنجرته.

نظر إيثان فوق رأسه، ورأى شيئًا جعله يشعر بقشعريرة باردة.

أرقام.

أرقام حمراء دموية كانت تطفو فوقه، تتزايد بسرعة جنونية مع كل نبضة قلب غاضبة، ومع كل ذرة مانا يضخها في قبضته.

[عداد الخطايا: 43% ... 48% ...]

"أنت متهم،" قال جاسبر بصوتٍ تردد صداه في عظام إيثان، صوت بدا وكأنه يأتي من الميزان نفسه لا من فمه. "بتكدير السلم العام، واستخدام القوة المفرطة، وإزعاج راحتي."

"هراء !! "

صرخ إيثان، رافضاً الخضوع لهذا الضغط النفسي.

"لا يهمني ما هي خدعتك ! سأمزقها !"

"فوششش !! "

شحن إيثان الكثير من هالته النجمية حتى تحول جسده إلى شعلة بشرية. قرر أن يتجاهل الميزان، يتجاهل الضغط، ويوجه ضربة واحدة تمحو جاسبر من الوجود.

اندفع للأمام.

"لتمت !! "

لكن جاسبر لم يتحرك .. لم يرفع دفاعاً .. لم يراوغ.

فقط ... نقر بعصاه الذهبية على الأرض نقرة خفيفة.

"كلاك .. "

صوت النقر كان خافتاً، لكنه دوي كصوت إغلاق باب زنزانة حديدي.

"المادة الأولى،" همس بصوت ممل.

"[[عبء الخطيئة]] "

"بوم !! "

في منتصف اندفاعته، وقبل أن تصل قبضته، حدث شيء مستحيل.

سقط إيثان.

لم يتعثر، لم يضربه أحد.

بل سقط وكأن سقف السماء قد انهار فوقه فجأة.

"آغغغ !!!"

ارتطم وجه إيثان بالأرض الصخرية بقوة وحشية، وتحطمت الصخور تحته. الهالة النجمية حوله انطفأت وكأن شخصاً قد داس على شمعة.

حاول النهوض. عضلاته تصرخ، عروقه تبرز، وجهه يحمر من الجهد.

لكنه لم يستطع التحرك إنشاً واحداً.

كان الأمر كما لو أن جاذبية الأرض قد تضاعفت مئة مرة فوق جسده فقط.

"ما ... هذا ... الثقل؟! " زمجر من بين أسنانه المطبقة، وهو يشعر بعظامه تئن.

مشى جاسبر ببطء، وخطواته تصدر صدى في هذا الفراغ الذهبي.

وقف فوق إيثان الملقى على الأرض، ونظر إليه من الأعلى بتعبير يشبه تعبير شخص ينظر إلى حشرة مزعجة انقلبت على ظهرها.

ثم نظر إلى الميزان العملاق خلفه. الكفة السوداء كانت قد هبطت للأسفل بحدة، مثقلة بنية إيثان الهجومية.

"كلما قاومت أكثر، كلما زادت نيتك في القتل ..." قال جاسبر بصوت لم يتغير، وهو ينكز كتف إيثان بطرف عصاه. "وكلما أصبح وزن خطيئتك أثقل."

ضغط بالعصا قليلاً.

"كراااااااك !!"

تصدعت الأرضية أكثر تحت إيثان، وغاص جسده في الحفرة، غير قادر حتى على رفع إصبعه.

كان مشهداً مليئًا بالرهبة.

أقوى مهاجم في الفصل ألفا، النجم الساطع، تم إخضاعه وتثبيته على الأرض ... دون أن يلمسه خصمه بيده.

تنهد جاسبر، وعدل نظارته الوهمية (التي لا يرتديها، لكنها عادة قديمة).

"والآن ... هل يمكننا أن نهدأ ؟ "

لم يكن هناك انتصار في نظرته، بل فضول، كطفل يراقب نملة تحاول حمل صخرة تفوق حجمها.

"سؤال بسيط ..." قال جاسبر، وصوته ينساب بهدوء وسط صوت تكسر الأرضية. "لماذا تصرون على القتال بهذه الطريقة المزعجة؟ .. ألا تشعرون بالتعب ؟ "

"غغغ ... كح ...!"

حاول إيثان الرد، لكن الكلمات ماتت في حلقه.

الضغط لم يكن مجرد ثقل على ظهره كان يضغط على رئتيها، يعصر حنجرته، ويجعل دماءه تغلي في رأسه. كل ما خرج منه كان صوتاً مخنوقاً، مهيناً، لا يليق ببطل الفصل ألفا.

الإهانة.

كانت أثقل من الجاذبية نفسها. هو، إيثان ريدل، يزحف في الوحل أمام شخص لم يخرج يده من جيبه؟

'مستحيل ...'

صرخ عقله رافضاً الواقع. الشعور بالذهول تلاشى، وحل محله غضب وعار وخجل كذالك.

'أنا... لن... أنحني!'

"فوووووش !! "

فجأة، اشتعلت الهالة الذهبية الخامدة حول جسد إيثان مرة أخرى.

لم تكن متفجرة هذه المرة، بل كانت كثيفة، سائلة، تغطي جلده وعظامه بالكامل.

[[التعزيز النجمي: الحد الأقصى]]

سمع جاسبر صوت طقطقة مفاصل إيثان وهو يضغط بيديه المرتعشتين على الأرض.

"كراااااااك ! "

ببطء، وبشكل مستحيل، بدأ صدر إيثان يرتفع عن الأرض.

كانت عروق رقبته وذراعيه بارزة لدرجة الانفجار، ووجهه محتقن بالدماء، لكنه كان ينهض.

كان يقاوم الميزان بالقوة المحضة.

"أنا ..." زمجر إيثان، والدماء تسيل من بين أسنانه المطبقة.

"... لم... أنتهي ... بعد ! "

زاد الضغط من الميزان، واهتزت الأرض بعنف أكبر، لكن إيثان لم يتوقف.

استخدم [[التوهج النجمي]] كقوة دافعة عكسية، محولاً جسده إلى محرك نفاث يقاوم الجاذبية.

ارتفع على ركبتيه. ثم، بصرخة مكتومة مزقت حباله الصوتية، وضع قدمه على الأرض وبدأ في الوقوف.

كان المشهد مرعباً. عظام إيثان كانت تصدر أصواتاً تشير إلى أنها على وشك التحطم، لكن إرادته كانت أصلب من الماس.

ظل جاسبر واقفاً في مكانه، يراقبه بنفس النظرة، وإن كان حاجبه الأيسر قد ارتفع قليلاً تعبيراً عن إعجاب طفيف جدًا.

'يا له من عناد ... ' فكر جاسبر معجبًا.

وقف إيثان أخيرًا، منحني الظهر قليلاً، يلهث بشكل هستيري، وهالته تتصادم مع هالة جاسبر الذهبية الرمادية، محدثة شرارات في الهواء الفاصل بينهما.

"أرأيت ..." قال إيثان بصعوبة، وابتسامة دموية مجنونة ترتسم على وجهه.

"أنا ... لا ... أسقط."

كان جاسبر على وشك أن يرفع إصبعه ليزيد الحمل، لينهي هذا العناد المزعج.

" تززززت ! "

صرخت غريزة جاسبر.

ليس من الأمام حيث يقف إيثان، بل من مكان اخترق سقف محكمته الخاصة.

لم ينظر للسماء، لأنه لا توجد سماء هنا.

رفع رأسه بحدة للأعلى مباشرة.

وهناك، معلقاً في السواد، فوق رأسه بمسافة لا تتجاوز الذراع، كان هو.

شعره الأسود الأنيق وعينيه الداكنتان المقاربة لجاسبر.

دريك مالوري.

بدا وكأنه قد تجسد من سقف المحكمة الأسود نفسه، متسللاً إلى داخل المجال دون أن يرصده أحد.

كان قريباً جداً، وجهه البارد يملأ مجال رؤية جاسبر، وعيناه تحدقان فيه بلا مشاعر.

في يده اليمنى المرفوعة، والتي كانت تكاد تلامس شعر جاسبر، تجمعت كتلة من الفراغ. كرة سوداء صغيرة، لكنها كانت أكثر سواداً وكثافة من الظلام المحيط، تدور بجنون في كفه.

ابتسم دريك ابتسامة شاحبة، وهو ينظر مباشرة في عيني جاسبر المتسعتين.

"تحياتي، أيها القاضي ..."

ثم، من تلك المسافة الصفرية، هوى بيده للأسفل.

في ذلك الجزء من الثانية الذي تمدد كأنه دهر، دارت عجلات عقل جاسبر بسرعة تتناقض تمامًا مع مظهره الكسول.

' هذا سيء...' فكر بانزعاج.

كان يدرك حقيقة مهارته التي يجهلها الجميع.

مهارته تملك سلطة عظيمة، لكنها تفتقر إلى تعدد المهام.

لا يمكنه الحفاظ على حكم سابق (تثبيت إيثان بالأرض) بينما يصدر "حكمًا" جديدًا (ردع دريك).

القانون لا يقبل الازدواجية في التنفيذ المباشر. عليه أن يختار: إما أن يبقي الوحش الأبيض مقيدًا ويتأذى هو بالكرة السوداء، أو يطلق سراح الوحش لينقذ نفسه من المتسلل الوغد.

لم يكن خيارًا صعبًا، لكنه كان مزعجًا.

رفع جاسبر عينيه نحو دريك. وفي الظلام الحالك للمحكمة، ظهر الوهج القرمزي المألوف فوق رأس المتسلل.

[النية العدائية: مؤكدة.]

عند رؤية العداد باللون الأحمر، ارتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ملحوظة، على زاوية فم جاسبر. ابتسامة شخص وجد الشيء الذي يحتاجه.

"أنت وقح ..." همس جاسبر.

في اللحظة التي هوى فيها دريك بيده، ضرب جاسبر كعب عصاه الذهبية في سواد أرض المحكمة، وفي نفس اللحظة، تخلى عن قبضته على إيثان.

"المادة الثانية ..." نطق بصوت قاطع كصوت المطرقة.

" [[الأحكام الردعية: الإلغاء]] "

"فوششش !! "

حدث شيء غريب ومفزع.

الكرة السوداء من الفراغ المركز في يد دريك، تلك التي كانت تهدد بابتلاع كل شيء، لم تنفجر.

ببساطة ... انطفأت.

تبددت المانا السوداء كدخان في مهب ريح قوية، تاركة يد دريك فارغة، عارية، وغير مؤذية.

"ماذا ...؟" اتسعت حدقتا دريك لكسر من الثانية.

الشعور بانقطاع المانا المفاجئ كان كبتر طرف من أطرافه.

لقد فُرض عليه الإخراس السحري.

لم يضيع جاسبر لحظة ذهول خصمه.

استغل القوة المرتدة من إلغاء جاذبية إيثان، وحرك عصاه الذهبية الطويلة بحركة دائرية سريعة وانسيابية، محولاً إياها من صولجان حكم إلى سلاح تأديبي.

"مكانك في قفص الاتهام أيها المتسلل ! "

"باااام !!"

لوح بالعصا بقوة موجهة نحو صدر دريك المكشوف.

لكن دريك مالوري لم يكن خصمًا يسهل إسقاطه.

بفضل ردود أفعاله تقاطعت أذرع دريك ذراعيه أمام صدره في اللحظة الأخيرة.

"كلااااااااك !! "

اصطدمت العصا الذهبية بذراعيه .. الصوت كان معدنيًا ثقيلاً.

وعلى الرغم من أن دريك صد الضربة، إلا أن القوة الفيزيائية المعززة كانت كافية لدفعه.

"تشششش ..."

انزلق دريك في الهواء للخلف، وهبط برشاقة على قدميه بعيدًا بضعة أمتار، وحذاؤه يحدث احتكاكًا مع الأرضية غير المرئية للمجال.

نفض ذراعيه اللتين كانتا ترتجفان قليلاً من أثر الضربة، ونظر إلى جاسبر بنظرة جديدة تماماً. نظرة خالية من الاستخفاف، ومليئة بالحذر الشديد.

"لقد ألغيت تقنيتي ؟ ..." همس دريك، وهو يحلل الموقف بسرعة. "ولكن ... إيثان بدأ بالحراك بحرية."

ابتسم جاسبر بكسل، وهو يسند عصاه على كتفه، ناظرًا إلى دريك ثم يلقي نظرة جانبية سريعة نحو الأرض حيث كان إيثان.

"حسنًا، كان علي دفع كفالة للخروج من هذا المأزق."

***

وقف في مركز مثلث الخطر، وعيناه تتنقلان بكسل زائف بين الوحشين اللذين يحيطان به.

على يمينه، كان إيثان ينهض ببطء من الحفرة، وهالته الذهبية تعود للتوهج بغضب مكتوم، وعظامه تصدر طقطقة مخيفة وهو يستعيد كامل حراكه بعد زوال الثقل.

وعلى يساره، كان دريك يقف ببرود، يفرك معصميه اللذين صدهما جاسبر، وعيناه المظلمتان تدرسانه بحثًا عن أي ثغرة جديدة.

'يا للإزعاج ...' فكر جاسبر، وهو يشعر بقطرة عرق باردة تنحدر على ظهره تحت قميصه.

_______________________

[[ميزان العدالة] الرتبة: A]

التصنيف: تحكمي

الوصف:

قدرة مفاهيمية تمنح المستخدم "سلطة القاضي" المطلقة ضمن نطاق محدد.

لا تتفاعل المهارة مع جسد الخصم بقدر ما تتفاعل مع [نواياه] ، كلما زادت النية السيئة للجناة ، كلما زادت الأحكام التي يستطيع القاضي أستخدامها.

_______________________

كان يشعر بالمانا الخاصة به وهي تتخفض بوتيرة مقلقة.

الحفاظ على [تجسيد المحكمة الكامل] ، ذلك الفراغ الأسود الذي يعزلهم عن العالم .. كان يلتهم طاقته بشراهة.

'تجسيد المحكمة الكامل يمنحني سلطة طاغية ...' حلل جاسبر الوضع بسرعة، بينما كان يراقب دريك وهو يشكل كرة فراغ جديدة.

'داخل هذا السواد، قوانيني شبه مطلقة، وضرباتي معززة بهيبة المكان، وتأثير تقنياتي يكاد يكون مؤكداً.'

لكن الثمن كان باهظاً.

مواجهة خصم واحد مثل إيثان داخل المحكمة كانت ممكنة.

لكن اثنين؟ ومع هذا المستوى من القوة؟

'إذا استمررت في الحفاظ على هذا العزل المكاني، ستنفذ المانا لدي في أقل من دقيقتين. وسأتحول بعدها إلى مجرد طالب كسول يلوح بعصا خشبية.'

كان عليه أن يتخذ قراراً يكرهه لأنه يعني التخلي عن "سيطرته الكاملة"، لكنه ضروري للبقاء.

'التجسيد الجزئي ...'

الخيار البديل.

التخلي عن قاعة المحكمة والجدران السوداء العازلة. هذا سيعني فقدان تعزيز السلطة الذي يجعل ضرباته أقوى، وسيجعل تقنياته قابلة للمقاومة أو التفادي بنسبة أكبر.

لكنه سيخفض استهلاك المانا بشكل كبير.

نظر جاسبر إلى إيثان الذي كان يستعد لاندفاعة جديدة، وإلى دريك الذي كان يصبح أكثر عدائية.

'البقاء على قيد الحياة أهم من الهيبة.'

تنهد جاسبر بملل، وضرب كعب عصاه الذهبية على الأرضية غير المرئية مرة أخيرة.

"رفعت الجلسة ... مؤقتاً."

"فوووووشش !!"

فجأة، بدأ السواد الحالك الذي كان يحيط بهم يتمزق.

مثل ضباب كثيف تضربه رياح قوية، بدأت جدران لمحكمة تتلاشى وتذوب. اختفى الفراغ الأسود، واختفى الميزان العملاق المعلق في السماء الوهمية.

وعاد العالم الحقيقي.

عاد ضوء الشمس الباهت حيث الغيوم تملأ السماء، وعادت أشجار الغابة المحترقة، وعادت أصوات المعارك البعيدة.

"ها ؟! "

"تخليت عن قفصك ؟ " سأل إيثان بابتسامة وحشية، وهو يشعر بقوته تعود للتدفق بحرية. "خطأ كبير."

"بل هو ترشيد للنفقات،" رد جاسبر، وهو يتخذ وضعية قتالية أكثر استرخاءً. "الآن ... يمكنني ضربكما طوال اليوم دون أن أتعب."

جاسبر ضد إيثان ودريك.

انطلقت المعركة مرة أخرى، لكن هذه المرة، كانت مكشوفة للجميع.

******

أعذروني على الأخطاء

2025/11/24 · 93 مشاهدة · 1918 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026