[منظور: سيرينا فاليريان]

"جبان ..."

همست الكلمة بقدح من الازدراء، وعيناي المشتعلتان بالبرق الذهبي تلاحقان ذلك الظل الهارب بين الأشجار.

تورو .. ذلك الفأر المزعج الذي يتظاهر بأنه ثعلب. بمجرد أن اشتدت الأمور، وبمجرد أن ظهر تهديد حقيقي يواجه حليفه، اختار الهرب.

' هل تعتقد أنك تستطيع الإفلات مني ؟ '

رفعت يدي اليمنى، وتجمعت فيها شحنة كهربائية مركزة، تصدر أزيزًا حادًا كأسراب من الدبابير الغاضبة. كنت مستعدة لإطلاق [رمح البرق] لتمزيق الأرض تحت قدميه وإجباره على التوقف.

" لن تهرب بهذه السهولة يا ـ "

لكن، قبل أن أطلق الرمح، تجمدت الكلمات في حلقي. وتجمدت المانا في يدي.

شعرت به قبل أن أراه.

فراغ.

فجوة مفاجئة ومرعبة في نسيج المانا المحيط .. كأن شخصًا ما قد اقتطع جزءًا من العالم وألقاه في العدم.

" فوششش ..."

انطفأ البرق حول يدي تدريجيًا وأنا ألتفت ببطء نحو المصدر.

ما رأيته جعل حدقتي تتسعان بذهول لم أعهده من قبل.

في المكان الذي كان يقف فيه إيثان والشاب الأسود قبل لحظات ... لم يعد هناك غابة. لم يعد هناك قتال.

كان هناك ... صندوق.

مكعب أسود هائل، يرتفع بصمت رهيب وسط ساحة المعركة، يبتلع الأشجار والصخور والضوء. سطحه لم يكن صلبًا، بل كان يبدو كسائل أسود كثيف واقف في الهواء، يمتص كل ذرة مانا تقترب منه.

" ما هذا الشيء ؟ "

أنزلت يدي ببطء. غريزتي، التي نادراً ما تخطئ، كانت تصرخ بي: لا تقتربي.

هذا لم يكن سحر ظل عادي. هذا كان ... مجالًا. [توسع مجالي] من نوع ما يعزل الواقع الداخلي عن الخارجي تمامًا.

' الم يكن أسمه جاسبر ؟ ... ' تذكرت الفتى الكسول ذا العينين الناعستين. ' هل هذا ... عمله ؟ '

كان إيثان في الداخل. شعرت باختفاء هالته المتفجرة فجأة، كأن نجمًا قد ابتلعه ثقب أسود.

وبينما كنت غارقة في تحليل هذا الشذوذ المرعب، التقطت عيناي حركة أخرى. حركة لا تقل غرابة عن وجود المكعب نفسه.

على حافة هذا الصندوق الأسود، كان هناك شخص يتحرك.

ليس مبتعدًا بل ... نحوه.

" دريك ؟ "

كان دريك مالوري يتقدم بخطوات ثابتة وهادئة نحو الجدار الأسود المتموج. لم يكن هناك خوف في لغة جسده، بل فضول.

رأيته يتوقف للحظة أمام جدار الظلام.

ثم، وبدون أي تردد، وبدلاً من محاولة اختراقه أو تدميره، فعل شيئًا جعلني أشك في سلامة عقله.

قفز.

لم يقفز فوقه.

" شوووش !! "

قفز إليه.

جسده غاص في السطح الأسود العلوي للمكعب كغواص يقفز في مياه محبرة عميقة … لم يكن هناك صوت ارتطام، لم تكن هناك مقاومة.

ببساطة ... ابتلعه السواد واختفى.

" مجنون ... " همست، وأنا أشعر بقشعريرة تسري في ذراعي.

إيثان محاصر في الداخل .. جاسبر هو السجان. والآن دريك اقتحم الزنزانة طواعية.

ثلاثة وحوش في قفص مظلم واحد.

نظرت إلى تورو الهارب في الأفق البعيد، ثم نظرت إلى المكعب الصامت أمامي.

' أولوياتي تغيرت. '

تخليت عن مطاردة الفأر.

هناك شيء أخطر بكثير يحدث هنا. شيء قد يغير مجرى هذا الاختبار ... أو حتى ترتيبات القوى في جيلنا.

***

***

***

[منظور: تورو كانيكي]

"فوششش !!"

كان الهواء يصفر في أذني وأنا أشق طريقي عبر الغابة الكثيفة، مبتعداً عن مركز الإعصار بأقصى سرعة تسمح بها قدماي المعززتان بالمانا.

لم أنظر للخلف.

في اللحظة التي حول فيها الثلاثة الكبار انتباههم نحو جاسبر، أدركت أن نافذة فرصتي قد فتحت. كانت نافذة ضيقة، لا تتجاوز بضع ثوانٍ، وكان علي استغلالها.

هل شعرت بالذنب لتركه وحيدًا ؟

' هراء. '

فكرت، وأنا أقفز برشاقة فوق جذع شجرة ساقط.

في ساحة المعركة، لا يوجد مكان للعواطف الرخيصة. جاسبر اختار أن يلفت الانتباه لنفسه بتلك الحركة الاستفزازية.

لقد تطوع ليكون "الطعم"، وسيكون من الوقاحة عدم استغلال تضحيته الغبية.

' إنه مجرد بيدق، ' حللت الموقف بسرعة بينما كنت أبتعد.

' بيدق كسول قرر أن يلعب دور البطل للحظة. إيثان سيسحقه في غضون ثوانٍ، ودريك سيتأكد من عدم بقاء أي شيء منه. '

كانت حساباتي بسيطة: جاسبر سيشتري لي حوالي ثلاثين ثانية. هذا وقت كافٍ لإعادة التموضع، واختيار زاوية جديدة للهجوم، أو ربما ... الانسحاب الكامل إذا ساءت الأمور.

كانت خطة واقعية .. منطقية … خالية من المخاطر.

لكن ...

" ... ! "

فجأة، شعرت بشيء جعلني أتوقف في مكاني وأنزلق قليلاً على الأرض الموحلة.

لم يكن صوتاً، في الواقع، كان العكس تماماً.

كان ... صمتاً.

صمت مفاجئ ومطبق ابتلع الضجيج القادم من خلفي.

صوت انفجارات إيثان، صوت تحطم الصخور، وحتى صوت الرياح ... كل شيء اختفى في لحظة واحدة، كأن أحدهم قد ضغط على زر كتم الصوت للعالم.

توقفت، ودرت ببطء، والشك يزحف إلى عقلي.

' ماذا حدث ؟ هل خسر بهذه السرعة ؟ '

رفعت نظري نحو المكان الذي كنت أقف فيه قبل لحظات.

وعندها ... سقط فكي.

" ما ... هذا ؟ "

لم تكن هناك غابة محطمة. لم يكن هناك إيثان، لم يكن هناك جاسبر.

في الوسط، حيث كان القتال دائراً، كان هناك شيء واحد فقط.

مكعب.

مكعب أسود عملاق، مثالي الشكل، وهائل الحجم.

كان يرتفع لعلو خمسة أمتار على الأقل، يبتلع الأشجار والصخور والهواء في حيزه .. لم يكن مصنوعاً من مادة ملموسة.

بدأ أنه كان مصنوعاً من ... العدم.

سواد حالك، أعمق من أي ظل رأيته أو تحكمت به من قبل. سواد لا يعكس الضوء، بل يمتصه.

كان يبدو وكأن قطعة من الواقع قد تم قصها وإزالتها بمشرط جراحي، واستبدالها بلازق أسود.

" تششششش ... "

حتى الهواء حول هذا الصندوق الأسود كان يرتجف، كأنه يخشى الاقتراب منه.

انزلقت نظارتي قليلاً على أنفي من شدة العرق، لكنني لم أرفع يدي لتعديلها. كنت مسمراً في مكاني، أحدق في هذا الشذوذ المرعب.

' هذا ... ليس حاجزاً دفاعياً عادياً. وليس مهارة ظل. '

عقلي، الذي يفخر دائماً بقدرته على تصنيف وتحليل أي مهارة يراها، كان يصرخ الآن بكلمة واحدة.

' أي هراء هو هذا ؟ .. '

" جاسبر ... " همست، وشعرت بقطرة عرق باردة تنحدر على صدغي.

' أي نوع من الوحوش كنت تخفي تحت ذلك القميص الكسول ؟ '

من الخارج، كان يبدو مجرد صندوق أسود صامت.

لكنني كنت أستطيع أن أشعر به ... الضغط الرهيب المنبعث من داخله.

كان هناك شيء يحدث داخل ذلك الصندوق .. شيء لا يخضع لقوانين الفيزياء التي نعرفها.

ولأول مرة منذ بدء هذا الاختبار، شعرت بأن حساباتي ... كانت خاطئة تماماً.

' آدم .. يا أبن العاهرة .. '

" أكنت تعلم بكل هذا ! "

***

جاسبر روك، يقف في المنتصف، قميصه يرفرف، لم يبدوا عليه الإرهاق، لكن العرق الخفيف على جبينه كان يشي بالجهد الذهني الذي يبذله.

على يمينه، إيثان ريدل، الذي تحرر لتوه من سجن الجاذبية.

كان جسده يشتعل بهالة نارية بيضاء غاضبة، وعضلاته متوترة كزنبرك مضغوط، وعيناه الزرقاوان تطلقان شرارات من الغضب المحض.

وعلى يساره، دريك مالوري، هادئ كالموت، يلفه سواد الفراغ، وعيناه تنظران إليه بحدة.

"أخيرًا ..." زمجر إيثان، وصوته يحمل نغمة ارتياح وحشية لعودة حريته في الحركة. "انتهت ألاعيبك ! "

لم ينتظر إشارة.

"بوووووووم !! "

أنطلق بدون ثقل الخطيئة الذي كان يكبله، كانت سرعته مرعبة. تحول إلى خط من الضوء الذهبي، مخلفاً وراءه خندقاً محترقاً في الأرض.

" مت !!! "

وجه لكمة مباشرة، مشبعة بكل طاقة النجم التي كبتها داخل المجال، مستهدفاً صدر جاسبر.

في نفس اللحظة، تحرك دريك. لم يركض، بل أختفى كالوميض عبر الفراغ، مختفياً ليظهر في النقطة العمياء اليسرى لجاسبر، ويده مشكلة نصلًا من الظلام الخالص.

هجوم كماشة مثالي .. القوة الغاشمة من اليمين، والأغتيال من اليسار.

لم يتزحزح جاسبر.

' مزعجان ...' فكر، وعيناه تتحركان بسرعة بين التهديدين.

بدون "المحكمة الكاملة"، لم يستطع تجميدهم في مكانهم.

كان عليه أن يقاتل.

"كلاك ! "

أمسك عصاه الذهبية بكلتا يديه.

عندما وصلت قبضة إيثان، لم يحاول جاسبر صدها بالقوة. بدلاً من ذلك، وجه طرف عصاه نحو معصم إيثان.

"حكم مخفف."

في لحظة التلامس، فعل [عبء الخطيئة]، لكن بتركيز موضعي دقيق للغاية ولمدة جزء من الثانية فقط.

"غغ !"

شعر إيثان فجأة أن معصمه أصبح يزن طناً.

هذا التغير المفاجئ في الوزن أخل بتوازنه، وسحب لكمته للأسفل، لتضرب الأرض بجانب قدم جاسبر بدلاً من صدره.

"بام !!! "

تناثرت الصخور، لكن جاسبر كان قد تحرك بالفعل.

استغل انحناء إيثان كغطاء، ودار حول نفسه ليواجه دريك.

نصل الفراغ كان على وشك أن يقطعه.

"رفض !"

لوح جاسبر بالعصا، مفعلًا [الأحكام الردعية: الإلغاء]، لكن هذه المرة على سلاح دريك فقط، وليس على دريك نفسه.

"تزززت !"

تلاشى نصل الظلام عند تلامسه مع العصا الذهبية. لكن دريك لم يتوقف. استغل الزخم، وحول هجومه إلى ركلة دائرية عالية استهدفت رأس جاسبر.

"بوفف !!"

رفع جاسبر ذراعه وصد الركلة. قوة الضربة جعلته ينزلق للخلف مترين، وحذاؤه يحفر خطين في التراب.

"أنتما ... مزعجان حقًا،" تمتم جاسبر، وهو ينفض الغبار عن ذراعه.

"لم ترى شيئًا بعد !" قال إيثان، وقد استعاد توازنه واندفع مجددًا.

تحولت المعركة إلى فوضى

إيثان يهاجم بوابل من اللكمات المعززة بهالة النجم المتفجرة.

دريك ينتظر لحظته ويهاجم بالنقاط العمياء

وجاسبر ... في المنتصف.

يصد، يحرف، يراوغ.

يستخدم "الثقل" ليجعل إيثان يتعثر في خطواته.

يستخدم "الإلغاء" ليبدد هجمات دريك القاتلة.

يستخدم عصاه كسلاح فيزيائي لصد الضربات التي لا مفر منها.

كان يقاتل بأسلوب [الحد الأدنى] .. لا يهدر ذرة طاقة واحدة.

كل حركة كانت محسوبة بدقة لتبقيه على قيد الحياة، لا لتهزمهم، بل لتمنعهم من هزيمته.

لكن الضغط كان يتزايد.

" خذ هذه !! "

قفز إيثان في الهواء، وكرة بيضاء كالشمس المصغرة تجسدت بيده … أطلق [انفجارًا نجميًا] واسع النطاق.

موجة من الحرارة والضوء اجتاحت المنطقة.

"تششش ! "

في نفس الوقت، وضع دريك يده على الأرض، محولاً التربة تحت قدمي جاسبر إلى مستنقع لزج لتقييد حركته.

حوصر جاسبر.

من الأعلى جحيم، ومن الأسفل فراغ.

"تسك ..." نقر جاسبر بلسانه.

لم يعد التوفير خيارًا.

غرس عصاه في الأرض بقوة، وهالته الرمادية انفجرت للحظة واحدة، مشكلة قبة شفافة صغيرة حوله.

[[تشريع القواعد: منطقة محظورة]]

"بوووووووم !!! "

اصطدم انفجار إيثان بالقبة وتشتت .. حاول مستنقع دريك ابتلاعه، لكن القانون رفض السماح للفراغ بلمس القاضي.

تلاشى الغبار.

وقف جاسبر هناك، لا يزال سليمًا، لكن تنفسه أصبح أثقل قليلاً.

نظر إلى الوحشين أمامه، وابتسم ابتسامة كسولة ولكنها تحمل تحدياً جادًا.

"هل هذا أفضل ما لديكما ؟ " سأل باستفزاز، وهو يعلم تماماً أنه يلعب بالنار.

"لأنني بدأت أشعر بالملل مرة أخرى .. "

********

أعذروني على الأخطاء

2025/11/26 · 96 مشاهدة · 1599 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026