لتحقيق المستحيل، ماذا يجب أن يتوفر في المرء لبلوغه؟

نور في آخر النفق، الأمل.

مقاومة حدود الجسد، الجهد.

الثقة الراسخة، الإيمان.

المعرفة والتعلم، الذكاء.

القدرات الفطرية، الموهبة.

الجرأة على المحاولة، الشجاعة.

الاستمرار رغم الفشل، عدم الاستسلام.

حسنًا... هل يهم حقًا أيٌّ من هذه المقومات أو غيرها؟

ربما...

ولكن من يهتم؟

إن كان عليك فعل شيء، فافعله ببساطة.

الأمل، الجهد، الإيمان، الذكاء، الموهبة، الشجاعة، عدم الاستسلام... قد تمتلك بعضها أو قد تفتقر إليها.

في النهاية لا يهم.

ما يهم هو ما ستفعله.

حتى لو لم تصل في النهاية، فمن يهتم؟ فقط افعل!

***

قبل الغروب بساعة،

أشجار شاهقة تمتد منها جذوع مشكلة بأوراقها الخضراء طبقة فاصلة بينها وبين السماء. تتسلل خيوط ذهبية من الضوء عبر فراغات عديدة، والهواء رطب وبارد يعطي مسحة من رائحة تراب وعشب مبلل، مع حفيف أوراق تتحرك مع نسيم خفيف، وبعض الأصوات الغريبة لكائنات مجهولة.

فتى قد لا يتعدى عمره أربع سنوات مستلقٍ تحت الظلال الممتدة في الغابة.

استيقظ على إثر حرقان في جانب خده الأيمن. في البداية كان الألم نبضة خفيفة، ولكن بعد أجزاء من الثانية بدأ يتحول من إزعاج بسيط إلى حضور واضح يفرض نفسه على أنفاس وحركات الفتى.

لا شعوريًا رفع الفتى يده ملامسًا جانب خده. الملمس مختلف: دافئ ورطب، مع ملمس صلب ولزج من أسنان وما تبقى من لحم ممزق، مع شعور لاذع بالألم.

يمد يده أمام عينيه،

و بوجه ميت يرى أثر سائل أحمر داكن على راحة يده.

في الخلفية بدأ صوت المضغ يصبح أكثر وضوحًا. بعيون فارغة يرفع الفتى بصره.

هناك، على عدة أمتار منه، كان يجلس أرنب بهدوء وسط المكان. فراؤه أبيض ناعم كقطن صافي، كان ليبدو لطيفًا لولا عينيه الحمراوين الغريبتين المركّزتين على الفتى، وفمه الذي يتحرك بإيقاع للمضغ مع علامات حمراء داكنة حوله.

قبل أن يفهم الفتى الموقف، انقض عليه الأرنب بقفزة طويلة فاتحًا فكه بفتحة مستحيلة قد تكون ثلاثة أو أربعة أضعاف حجم رأسه.

بدون إبداء أي رد فعل على وجهه يركله الفتى قبل الوصول إليه، ومن دون انتظار أكثر من ذلك نهض وبدأ يركض في اتجاه معاكس. ولكن بعد عدة خطوات وبسرعة أعلى من أن يلاحظها الفتى، اعترضه جسم أبيض ضخم مائل إلى لون التربة.

لم يرَ الفتى سوى وميض الكف العملاقة قبل أن يُقذف جسده بقوة مرتطمًا بشجرة.

لبضع ثوانٍ غاب تركيز الفتى عن محيطه محاولًا استيعاب الألم، ولكن الأرنب الصغير لم ينتظره ليستعيد وعيه.

بينما الفتى مستلقٍ على بطنه وسيلان الدم واضح من جانب خده، قفز الأرنب من خلفه بذراع أكبر من الطبيعي، قبل أن يستعيد الفتى رشده، اخترقت مخالبه ظهره ممزقة القماش واللحم بحركة مائلة.

على عكس الضربة الأولى، هذه الضربة أيقظته من غفلته. اتسعت حدقتا عينيه، ازداد إيقاع ضربات قلبه، وازدادت سخونة دمه في جروحه.

متجاهلًا الألم اندفع دون تفكير في طريق عشوائي.

***

خيوط الضوء البرتقالية تتسلل من الفراغات، معلنة رحيل النهار. السكينة تغزو الغابة شيئًا فشيئًا استعدادًا لظلام قادم، ولكن لا يبدو أن كل سكان الغابة الخضراء مستعدون لإنهاء اليوم بعد.

في جحر ليس ببعيد، تقف عدة أجسام شاهقة تشاهد تدريب صيد خاص بالأجيال الجديدة. يبرز منهم أضخمهم وأكثرهم شراسة وعدوانية، بجسم ذي هيكل شبيه بالدب بارتفاع يقارب أربعة أمتار، مع إصابات عديدة على جسده، وأبرزها فقدان أحد ذراعيه.

يشاهد صغار الأرانب وهم ينهشون فريسة صغيرة أمامه. رغم أن نيته وحدها كفيلة بتجميد أغلب من في الجحر ناهيك عن هذا المخلوق الهش، إلا أنه يتركهم يكافحون ليتعود الجيل الجديد على الصيد.

اهتمامه منصب على الجيل القادم من الأرانب المسعورة. بنظرة حادة يلاحظ أنماط حركتهم وهي تصبح أكثر سلاسة وأقل ترددًا، رغم أن بعضهم يتخلف عن الركب، إلا أن أبرزهم بدأ يتعود على الصيد.

بعد تدمير شبه كلي لقطيع الأرانب المسعورة في آخر مواجهة لهم ضد قطعان الذئاب الضارية، بقيت على عاتق القائد مسؤولية إعادة بناء القطيع من بقايا الحرب الأخيرة.

حوله العديد من الأرانب المسعورة البالغة، تتراوح أطوالهم بين مترين وثلاثة أمتار ونصف، لا يختلفون كثيرًا عن حالته، مع جروح عديدة وإصابات متفرقة على أجسادهم، ومع عجز أغلبهم بسبب فقدان أطراف أساسية.

كان ليكون أكثر استرخاءً لولا نغزات غرائزه. يضيق عينيه وهو يلاحظ الكائن الهش الذي لا يزال يصارع مصيره المحتوم، يتحرك ويقفز ويتدحرج هنا وهناك، ممسكًا بجانب بطنه بأسوأ إصابة تلقاها. لولا ضغط يده عليها لكان الدم يتدفق بسرعة، مع بعض الإصابات الأقل سوءًا متمثلة في أكل جزء من وجهه وكتفه، وكثير من الجروح العميقة و السطحية على طول جسده العاري، وقد صبغت دماؤه معظم أرضية الجحر.

غيّر الأرنب القائد مسار بصره نحو مدخل الجحر بحدة، مستشعرًا غازيًا، مصحوبًا بأصوات خشخشة باردة.

"سسسس"

فجأة، وبدون سابق إنذار، خرج صوت بطيء متقطع يحمل برودة زاحفة. انساب ثعبان إلى الجحر، وحراشفه تلامس التراب محدثة خشخشة.

بصق الثعبان الأسود في جميع أنحاء الجحر بشكل عشوائي حمضًا أسود اللون. تفادى أغلب الأرانب المسعورة الحمض، لكن بعضه أصاب الصغار مباشرة، جاعلًا إياهم يغرقون في صراخهم. أما الفتى الصغير، فقد رفع يده كمحاولة يائسة لمنع الحمض، ولكن دون فائدة، فأصابه في ذراعيه ووجهه، مخلفًا بخارًا أبيض نتيجة تآكل الحمض. والغريب أنه لم يصرخ حتى بعد ذلك، بل شدّ على أسنانه بشدة.

بشكل عدواني، شنت الأرانب المسعورة البالغة هجومًا مشتركًا على الثعبان الأسود، ولكن دون فائدة. لو كانوا في أفضل حالاتهم لكانوا استطاعوا طرده على الأقل، أما في حالتهم البائسة فكل ما استطاعوا فعله هو إبطاؤه قبل الاستسلام لفكيه.

رغم أن الثعبان الأسود أقل سرعة في الحركة، إلا أن له حركات خاطفة بذيله ورأسه تخلف قطعًا أو تقضم نصف الضحية، دون نسيان طلقات الحمض الأسود رغم قلة عددها ، اما السبب الرئيسي للتعرض للضرب من طرف واحد من قبل الثعبان ، هو فارق الحجم و القوة المهول ، حيث طوله يتعدى بسهولة 10 الأمتار .

أثناء الإبادة التدريجية لبقايا الأرانب المسعورة، يختفي جسمان صغيران متخبطان داخل الجحر.

***

العدم

في مكان بعيد، خارج نطاق قياس الفضاء، يظهر من العدم فتى صغير عارٍ، جسده مليء بعلامات تمزق وفراغات في الجلد، مع دماء تغطي نصف جسده، وعلامات حروق سوداء على وجهه وذراعيه من اليدين إلى الساعدين.

يبدأ في سقوط وصعود بسرعات متفاوتة، وكأن قوانين الفيزياء غير ثابتة في هذا النطاق.

حتى ينتهي به المطاف متشبثًا بقرن صخري ظاهر على جبل شاهق غير معلوم بدايته أو نهايته في أي جهة.

بدأ جسده يسترخي تدريجيًا من العوامل العديدة التي كانت تشغله، وبدأ بالتقيؤ بمجرد ارتخائه، مستشعرًا آلامًا لا حصر لها في أغلب أماكن جسده، مع شعور غير مفهوم مختلط بين الغثيان والصداع.

قبل أن تستمر الأمور، يسمع الفتى أصوات تشققات وتكسر. دون تضييع وقت أكثر، يتشبث بأقرب تشقق في الجبل، لكن لم يحدث شيء. ينظر بنظرة فارغة إلى القرن الصخري بينما قدماه لا تزال فوقه، يضرب القرن بباطن قدمه اليمنى مرتين، فلا يحدث شيء. بعض الحصى الصغيرة تنفصل.

يقفز مرتين أخريين فينفصل القرن الصخري ببطء، ساقطًا ثم هاويًا نحو الأسفل ومختفيًا عن أنظار الفتى.

يصرف الفتى نظره بنظرة خاوية نحو الاتجاه الذي يبدو أنه الأعلى حاليًا، ويبدأ بالصعود ببطء.

أحيانًا يكون جسده عديم الوزن، وأحيانًا يشعر بثقل الجبال عند إمساكه لحافة صخرية، وأحيانًا يسقط وأحيانًا يتمسك. هكذا أمضى معظم وقته في هذا الفضاء الغريب.

حظه الجيد الوحيد أنه حين يفلت لا يبتعد كثيرًا، و احيانا يمكنه تمسك مجددا بالجبل، أما الحظ السيئ فيتجلى في أن قرنًا صخريًا آخر له نفس حالة الصعود والهبوط، مما يجعل مراوغته صعبة أغلب الأحيان.

في هذه الأثناء، لم يلحظ الفتى أغرب تغير: سواد قزحية وبؤبؤ عينيه بدأ يغزو بياض عينيه، لتصبحا سوداويتين بالكامل بشكل ينذر بالشؤم، مع تشكل فراغ اسود غير محسوس بداخله ببطء...

2026/04/13 · 9 مشاهدة · 1159 كلمة
MM58
نادي الروايات - 2026