قارة أرناسيا، منطقة طائفة اللوتس القتالية،
سلاسل جبل الموت، مكان يقشعر له البدن حتى من قبل أقسى محاربي البشرية، بجبال تخترق حاجز الغيوم كرغبة للمس السماء، مناخ وحده كفيل لتجميد حتى مخلوقات ذوي الدم الحار، بعواصف ثلجية ما هي إلا إعلان للموت المحسوم، ورياح باردة تهز أعمق الأساسات، مكان لم يستطع أقوى بشر من غزوه.
في ليلة مظلمة في هذه المنطقة من الموت، تبرز نقطة سوداء تتحرك ببطء شديد، لجسم هش، من الغريب استمراره بالحياة على هذه الأرض البيضاء بالقاحلة.
يظهر فجأة أمامه جسم شاهق يبلغ طوله 1.80 مترًا، بملابس سوداء فضفاضة ، ملابس تدريب قتال خفيفة من بنطال واسع وسترة مفتوحة مغلقة بحزام أسود، شعر أسود طويل يتدلى، مع إخفاء معظم وجهه بقبعة كاسا قشية تتدلى حوافها واسعة، تخفي ملامح صاحب الهيئة الغامضة.
أمام الفتى، ارتفعت يده ببطء بحركات متأنية، دفعت نهاية إصبع السبابة طرف القبعة القشية، مظهرة عينًا وحيدة تشبه نصلًا باردًا بلون وردي ناعم مع بؤبؤ أبيض غريب، وملامح لا تزال مخفية، تنظر بحدة للكائن الصغير أمامها.
الفتى غير مكترث، يستمر بشق طريقه وهو يعانق جسده النحيل العاري، بجسد هش يحمل العديد من علامات جروح مختلفة الخطورة، مع فقد بعض اللحم هنا وهناك، مع علامات تآكل سوداء على وجهه وأطراف ذراعيه، ودم جاف على أغلب جسده، ونزيف ثقيل من جروح أكثر خطورة.
يصل أمام الشخص المجهول، وبدون مقدمات يعانق قدمي الغريب بطلب يائس لبعض الدفء الناتج عن هذا التبادل.
ينظر الشخص الغريب للجسم الهش تحته بنظرة مطولة، تمر بعض الثواني بينما ترفرف ملابسه مع الرياح القارسة لهذه الجبال، وجسم الفتى الهش يرتجف وهو يعانق قدمي الغريب.
وبدون سابق إنذار، يختفي كلاهما عن هذه المقبرة البيضاء.
***
في ليلة داخل منطقة رئيسية سكنية ومحمية لقاعدة طائفة اللوتس القتالية، حيث تنتشر آلاف البنايات قديمة الطراز، الرياح الجبلية الباردة تعوي بين أسطح خشنة، بأضواء منتشرة في كل شبر من المدينة بلون برتقالي جميل لنار بدائية داخل مصابيح ورقية، منعكسة على الثلج الأبيض، مما منح المكان مزيجًا غريبًا بين الدفء والوحدة، بين الحياة والموت للأرواح الصغيرة القاطنة في هذه المدينة.
في العادة خلال هذا الوقت، تُمنع الأنشطة غير المصرح بها، فالراحة الجسدية و النفسية لا تقل أهمية عن التدريب للمحارب القوي، لكن في أكبر منزل من هذه المنازل القديمة والبالية تحدث ضجة أحدثها أحد ركائز هذه الطائفة القديمة.
داخل غرفة واسعة، هناك حالة من فوضى منظمة لعمل جماعي من طاقم طبي من أفضل المعالجين في هذا العالم، مع أن حالة الفتى المستلقي لم تكن بالحالة الميؤوس منها على هؤلاء المعالجين، ولكن بسبب القيود التي تفرض عليهم بسبب قلة عمر الفتى، وأنه ليس من المتجاوزين، يحد من الوسائل المستخدمة الأكثر فعالية التي تكون بسيطة عادة.
في العادة لم يكونوا ليهتموا لمجرد إنقاذ هذه الحياة الصغيرة التي أمامهم، ليس بسبب قسوتهم، بل بسبب خبرتهم على فترات حياتهم وأن هناك حالات فات أوان إنقاذها، ولكن سبب فقدانهم لرزانتهم المعتادة هو الشخص الجالس على الطرف والمراقب لكل خطواتهم، أميرة عائلة بتّار وأعظم موهبة في التاريخ، صَبا بتّار، بوجهها المخيف والجميل في آن واحد، وندبة مائلة على عينها اليسرى، تنظر إليهم بنظرات تقشعر لها الأبدان.
منذ 10 دقائق، أتت حاملة جثة شبه ميتة لهذا الفتى الصغير، مطالبةً بمعالجته كأن الأمر لا شيء، بسبب كون الفتى غير متجاوز، فقد حدّ بالفعل من تقنياتهم، والآن تبقى فعل الأمور بالطرق التقليدية، مع أنه ليس اختصاصهم، ولكنها أساسيات أي معالج.
مع ذلك، يبقى من الصعب الحفاظ على هذه الحياة الهزيلة، والأمر يعود لسوء حالته وتأخر العلاج، من المعجز بالفعل بقاؤه على قيد الحياة، لو كان المعالجون في موقف آخر لدرسوا السبب الذي يجعله لا يزال حيًا وواعيًا بدلًا من علاجه، ولكن في الظروف الحالية سيكون ذلك آخر همهم، كل ما عليهم فعله الآن هو التأكد من عيش الفتى إن لم يريدوا مواجهة عواقب وخيمة.
مع مرور الوقت، يظهر الفتى بحالة لا تزال بائسة، رغم إيقاف النزيف وإغلاق أغلب الجروح يدويًا، إلا أنه في حالة قريبة من الموت بالفعل.
تقدم أحد المعالجين أمام أميرة العائلة، منحنيًا رأسه، ليس باحترام بل بالخوف، بصوت مرتجف قائلًا:
"السيدة الشابة... رغم فعلنا لأقصى ما بوسعنا، إلا أنه على هذا المنوال ليس من الغريب أن يغادر الفتى الحياة، من الغريب بالفعل أنه لا يزال صامدًا."
ترد عليه بنبرة منزعجة وحادة:
"ما الهراء الذي تنبث به؟ ألستم أفضل معالجي الطائفة؟ فلتقوموا بعملكم قبل أن يفرغ صبري."
يرد عليها معالج آخر:
"آسف أيتها السيدة الشابة، ولكن الأمر لا يتعلق بقدراتنا، بل بكون الفتى لم يوقظ جوهره الروحي بعد، فبمجرد استعمال أي من تقنياتنا العلاجية بدلًا من تحسين وضعه سيجعل الأمور أكثر سوءًا."
انفجر شعور غير محسوس، حاد وطاغٍ على الغرفة، شمل الجميع باستثناء الفتى الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكن قبل أن يتسنى لصَبا الحديث، يصرخ أحد المعالجين بلهفة:
"نح... نحتاج على الأقل إلى أحد مستخدمي الطاقة الخاصة، أو إلى جرعات رفيعة المستوى لإنقاذه دون زيادة الأمور سوءًا!"
ردت بنفاد صبر:
"وما الذي يمنعكم؟"
"ليس... ليس لدينا صلاحيات لمثل هذه العناصر دون إذن رب الأسرة."
دون تضييع وقت، حملت الفرد المتكلم من عنقه، ساحبةً إياه بغضب، للقاء الشخص المدعو برب الأسرة، ولكن قبل الخروج من الغرفة تمسكها يد قوية من وراء.
بدون النظر إلى الوراء، تنفث بغضب:
"... ماذا تريد أيها العجوز؟"
بدون عناء رد أو أن يدعها تكمل شتيمتها، يرمي زهرة ذهبية من تحت أكمامه الفضفاضة البيضاء إلى أحد المعالجين.
يمسكها أحدهم بسرعة وبلطف، متفاجئًا من الموقف، ولكن دون تضييع وقت أكثر، يشرع في إعداد مشروب روحي لهذه الزهرة، مظهرًا بذلك خبرته في التعامل مع مواقف ذات توتر كبير، رغم حضور شخصيتين كبيرتين في نفس الغرفة، وأكثر من ذلك هي زهرة ذهبية موجودة بين ذراعيه، فعنصر كهذا حتى رب الأسرة لا يستطيع استعماله من تلقاء نفسه دون عواقب، حتى المعالج لم يرى مثلها طول حياته فقط على المقالات العلمية، مما يظهر مكانة الشخص المعني، ولكن قبل أن يلاحظ أحد، يختفي صاحب القبضة القوية دون أثر، تاركًا صمتًا غير مريح.
يكسره سقوط المعالج الذي كانت تحمله صَبا، وتعود لمكانها القديم، وتبقى تنتظر النتائج بدون اكتراث للشخص المدعو بالعجوز أو لقيمة العنصر المستهلك خلال عملية شفاء الفتى.
وبسرعة يعود المعالجون للفوضى المنظمة خلال إعداد مشروب روحي من هذا العنصر الثمين.
رغم كون المشروب الروحي غير محضر، وفي العادة كان تحضير جرعات أو حبوب أو هذه الأشياء عملية صعبة، مما يؤدي إلى إنتاج مثل هذه المنتجات مسبقًا ومحضرة للاستخدام الفوري، إلا أن هذا المشروب الروحي خاص، تحضيره يكمن فقط في نقع الأوراق في ماء دافئ بدرجة حرارة خاصة للاستفادة القصوى من النبتة، إلا أن الصعوبة تكمن في دقة قطع الأوراق.
بعد بضعة دقائق، أحد المعالجين يجعل الفتى يجلس بشكل عمودي، وآخر يحافظ على وضعية رأس مستقيمة للأعلى، بينما آخر يُشربه مشروبًا روحيًا منبعثًا منه ضوء ذهبي، ببطء، حريصًا على عدم تضييع أدنى قطرة، وفي نهاية العملية يدخل أحدهم الساق بيده إلى أعماق حنجرته، بعضهم يعض شفتيه بالفعل لضياع مثل هذا العنصر الثمين، ففي العادة كانوا ليجادلوا استخدامه على مثل هذا الفتى المجهول، ولكن بسبب الموقف، بعضهم يدعي لكي تنتهي هذه الليلة على خير، وأعناقهم لا تزال متصلة بأجسادهم.
رغم أن الفتى لا يزال واعيًا بالكاد، إلا أن عينيه لا تزالان تقاومان الإغلاق، رغم ضعفه حتى عن مقاومة اعتداء جماعي للمعالجين عليه.
ولكن بعد ابتلاعه لساق الزهرة الذهبية، حتى مقاومته العبثية لاقت نهايتها، وبدأ يغرق في الظلام ببطء.
بعد فقدان الفتى لوعيه، يبدأ جسده بالانبعاث منه هالة ذهبية مريحة ولطيفة، مما يعني نجاح الجرعة، فالساق كانت هي المحور الأساسي للعملية، فبفضلها يمكن الحفاظ على هذه الهالة الذهبية داخل جسد الفتى للشفاء دون حاجة لكون الفتى متجاوزًا لكي يتحكم في طاقة الجرعة.
بعد رؤية هذا، تنفس الصعداء كل المعالجين براحة، ولكن بعد ذلك بدأت نظرات مختلفة تظهر على كل منهم: حسد، فضول، غضب، نفاد صبر... ولكن قبل أن يستمر الأمر أكثر، تطردهم أميرة صَبا بصوت بارد وقاطع:
"اخرجوا."
بعد خروجهم، بدأت تنظر بحدة لحالة الفتى التي تتعافى ببطء، مع كون الهالة الذهبية محور هذه العملية الطويلة.