الفصل الثاني عشر

بين القبور

وصل جيمس إلى مقبرة آشفيل هولو قبل منتصف الليل بثلاث دقائق.

كانت الثلوج قد توقفت أخيرًا، لكن الضباب الكثيف الذي غطى المكان جعل شواهد القبور تبدو كأشباح صامتة تخرج من العتمة.

أطفأ محرك السيارة.

ظل جالسًا للحظات.

يفكر.

خلال الأسابيع الماضية، قادته كل رسالة إلى اكتشاف جديد. وكل اكتشاف لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من الأسئلة.

ثلاثة قتلى.

شخص مفقود.

مدينة تعيش حالة من الذعر.

وزوجة لم يعد يعرف إن كان يستطيع الوثوق بها.

خرج من السيارة ببطء.

كان يحمل مصباحًا يدويًا وسلاحه.

وأغلق الباب خلفه.

ساد الصمت.

صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت خطواته فوق الثلج.

تقدم بين القبور.

حتى وصل إلى القسم القديم من المقبرة.

ثم توقف.

كان هناك ضوء.

ضوء خافت ينبعث من بين الأشجار.

اقترب بحذر.

وفجأة ظهر شخص من خلف شاهد قبر.

أشهر جيمس سلاحه فورًا.

— “شرطة! لا تتحرك!”

رفعت المرأة يديها بسرعة.

— “جيمس! انتظر!”

خفض سلاحه ببطء.

كانت سارة.

وقفت سارة أمامه مرتدية معطفًا شتويًا أسود.

بدت متعبة.

وأقلقت جيمس الطريقة التي كانت تنظر بها حولها باستمرار.

قال بحدة:

— “ماذا تفعلين هنا؟”

أجابت بتوتر:

— “أنا من أرسلت الرسالة.”

تجمد.

— “ماذا؟”

— “كنت بحاجة إلى التحدث معك بعيدًا عن المنزل.”

حدق فيها.

— “كان بإمكانك الاتصال بي.”

ضحكت بمرارة.

— “متى كانت آخر مرة استمعت إليّ يا جيمس؟”

لم يجب.

تقدمت نحوه خطوة.

— “أعرف أنك تشك بي.”

— “سارة…”

قاطعته:

— “وجدت صورًا لي، أليس كذلك؟”

اتسعت عيناه.

— “كيف عرفتِ؟”

صمتت.

ثم قالت:

— “لأن شخصًا ما يراقبني منذ أشهر.”

شعر جيمس ببرودة تجتاحه.

— “ماذا تقصدين؟”

أخرجت من جيب معطفها عدة صور.

ناولتها له.

نظر إليها تحت ضوء المصباح.

كانت صورًا لسارة.

في السوبرماركت.

أمام المنزل.

في المقبرة.

خارج عيادة طبية.

قالت بصوت مرتجف:

— “كنت أتلقى هذه الصور بالبريد.”

رفع رأسه ببطء.

— “لماذا لم تخبريني؟”

ابتسمت بحزن.

— “لأنك لم تكن موجودًا.”

ساد الصمت.

ثم قالت:

— “هناك شيء آخر يجب أن تعرفه.”

ترددت.

لثوانٍ طويلة.

— “أنا أتعالج نفسيًا منذ عامين.”

لم يفاجأ جيمس.

لكنه لم يقل شيئًا.

تابعت:

— “بعد موت إيثان وإيما… لم أستطع الاستمرار.”

خفض رأسه.

كان يعرف ذلك.

لكنه لم يكن بجانبها.

قالت:

— “بدأت أعاني من نوبات هلع واكتئاب شديد.”

— “من هو طبيبك؟”

تجمدت.

للحظة قصيرة.

لكن جيمس لاحظها.

— “سارة.”

أغمضت عينيها.

ثم همست:

— “الدكتورة إميلي ويلسون.”

شعر جيمس وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميه.

— “إيمي؟”

أومأت.

— “أنت تعرفها؟”

لم يجب.

بل تراجع خطوة.

إيمي.

إيمي ويلسون.

الشاهدة المختبئة.

صديقة ليليان.

المرأة التي اتهمت سارة بالقتل.

كانت أيضًا الطبيبة النفسية لزوجته.

داخل مركز الشرطة، جلس جيمس وصوفيا وآرون في غرفة الاجتماعات بعد ساعة.

وضع جيمس كل شيء على الطاولة.

لقاؤه مع إيمي.

الصور.

واتهاماتها.

ثم اعتراف سارة بأنها تتعالج لدى إيمي.

ساد الصمت.

قال آرون أخيرًا:

— “إيمي كذبت.”

أجابت صوفيا:

— “أو تخفي شيئًا.”

ضرب جيمس الطاولة بقبضته.

— “لماذا لم تخبرني سارة أن إيمي طبيبتها؟”

قالت صوفيا بهدوء:

— “لأنكما لا تتحدثان مع بعضكما.”

صمت.

كانت محقة.

قال آرون:

— “علينا إحضار إيمي للاستجواب.”

أومأ مارك.

— “فورًا.”

انطلقت عدة دوريات إلى الكوخ في الغابة.

لكن عندما وصلوا…

كان الكوخ فارغًا.

مرة أخرى.

دخل جيمس المكان بسرعة.

كان مختلفًا هذه المرة.

الأثاث مقلوب.

الأدراج مفتوحة.

وأشياء كثيرة مكسورة.

كأن أحدًا بحث عن شيء ما.

أو أراد أن يبدو الأمر كذلك.

بدأ فريق الأدلة بجمع الآثار.

بينما صعد جيمس إلى غرفة النوم.

توقف فجأة.

كانت هناك بقعة دم صغيرة على الأرض.

وبجانبها ورقة.

التقطها.

كانت مكتوبة بخط إيمي.

“لقد وجدَتني.”

شعر بقشعريرة.

دخلت صوفيا الغرفة.

— “وجدنا شيئًا آخر.”

أعطته ملفًا طبيًا.

فتحه بسرعة.

كان يحمل اسم:

سارة هاربر

وبداخله عشرات التقارير النفسية.

قرأ الصفحة الأولى.

“المريضة تعاني من اكتئاب شديد مرتبط بفقدان طفليها.”

قلب الصفحة.

“تظهر المريضة شعورًا عميقًا بالذنب.”

الصفحة التالية.

“تخشى المريضة أن تصبح شخصًا مؤذيًا.”

ثم الصفحة الأخيرة.

توقف.

كان هناك تعليق مكتوب بخط اليد.

“ما زالت المريضة غير قادرة على تذكر ما حدث ليلة الحادث.”

شعر جيمس بأن قلبه توقف.

ليلة الحادث.

حادث وفاة الطفلين.

نظر إلى صوفيا.

— “ماذا يعني هذا؟”

هزت رأسها.

— “لا أعلم.”

لكن جيمس شعر بأن الماضي بدأ يفتح أبوابه أخيرًا.

في صباح اليوم التالي، اجتمع الفريق مجددًا.

كان الجميع مرهقين.

قال دانيال:

— “لدينا خبر سيئ.”

رفع جيمس رأسه.

— “ماذا؟”

وضع دانيال صورة على الطاولة.

صورة التقطتها إحدى كاميرات المراقبة في المدينة قبل ساعات.

تظهر سارة.

كانت تدخل مبنى مهجورًا في الجهة الشرقية من آشفيل.

والمشكلة أنها فعلت ذلك في الوقت الذي كانت تؤكد فيه أنها في المنزل.

قال آرون:

— “لدينا أيضًا شاهد رأى سارة قرب منزل كلارا ليلة اختفائها.”

نظر الجميع إلى جيمس.

شعر بأن الجدران تضيق حوله.

ثم رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

فتح الخط.

لم يسمع سوى صوت امرأة.

صوت يعرفه.

صوت إيمي.

قالت بصوت مرتجف:

— “لقد كنت مخطئة.”

ساد الصمت.

— “إيمي؟ أين أنت؟”

سمع صوت بكاء.

ثم قالت:

— “إنها ليست ليليان.”

توقف قلبه.

— “من إذًا؟”

جاءه الرد همسًا:

— “إنها قريبة منك أكثر مما تتصور.”

وانقطع الخط.

نهاية الفصل الثاني عشر

2026/06/24 · 1 مشاهدة · 807 كلمة
User
نادي الروايات - 2026