الفصل الخامس عشر

الشق الأخير

استعادَت سارة وعيها بعد أقل من ساعة.

كانت مستلقية على سريرها، بينما جلس جيمس إلى جوارها يراقبها بصمت. استدعى طبيب الطوارئ الذي أكد أن ما تعرضت له كان نوبة هلع حادة مصحوبة بإرهاق شديد.

لكن جيمس كان يعلم أن الأمر أكبر من ذلك.

عندما فتحَت سارة عينيها، سألها مباشرة:

— “ماذا رأيتِ؟”

حدقت في السقف لثوانٍ.

ثم قالت بصوت خافت:

— “كانت تقف في غرفة الطفلين.”

شعر جيمس بانقباض مؤلم في صدره.

غرفة إيثان وإيما.

الغرفة التي ظلت مغلقة معظم الوقت منذ الحادث.

قال بهدوء:

— “هل أنت متأكدة؟”

أغمضت عينيها.

— “لا أعلم.”

ساد الصمت.

ثم تابعت:

— “استيقظت لأنني سمعت صوت صندوق الموسيقى.”

تجمد جيمس.

كان صندوق الموسيقى موضوعًا داخل غرفة الطفلين.

ولم يفتحه أحد منذ سنوات.

— “وعندما دخلت الغرفة…”

بدأ صوتها يرتجف.

— “كانت هناك امرأة تقف قرب النافذة.”

— “هل رأيت وجهها؟”

هزت رأسها.

— “كان الظلام شديدًا.”

توقفت.

ثم أضافت:

— “لكنها قالت شيئًا.”

شعر جيمس بأن قلبه بدأ يخفق بعنف.

— “ماذا قالت؟”

أخفضت سارة رأسها.

— “قالت:

لقد أخذتِ مني كل شيء… والآن جاء دورك.

في صباح اليوم التالي، امتلأ المنزل برجال الشرطة.

كان فريق الأدلة الجنائية يفحص كل زاوية.

لكن النتائج لم تكن مشجعة.

قال أحد الخبراء:

— “لا توجد آثار اقتحام.”

نظر جيمس إليه.

— “ماذا تعني؟”

— “تعني أن الشخص الذي دخل المنزل إما امتلك مفتاحًا…”

توقف.

ثم أكمل:

— “أو أن الباب لم يكن مغلقًا.”

شعر جيمس بالإحباط.

كانت القضية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

دخلت صوفيا إلى غرفة المعيشة.

— “وجدنا شيئًا.”

قادته إلى غرفة الطفلين.

كان صندوق الموسيقى مفتوحًا.

وفي داخله ظرف أبيض.

فتح جيمس الظرف.

وجد رسالة جديدة.

“اللغز الرابع:

عندما مات الأب، دفنت الحقيقة معه.

ابحث عن الرجل الذي لم يتحدث أبدًا.”

قطب جيمس حاجبيه.

— “الأب؟”

قالت صوفيا:

— “هل يتعلق بوالد ليليان؟”

ظل جيمس صامتًا.

كان يعرف أن والد ليليان، جورج كروس، توفي قبل خمسة عشر عامًا.

لكن لم يكن يعرف شيئًا آخر عنه.

في مركز الشرطة، بدأ الفريق بمراجعة ملفات عائلة كروس.

جلس آرون أمام الحاسوب.

— “جورج كروس توفي بنوبة قلبية.”

سأل دانيال:

— “وماذا عن والدة ليليان؟”

— “توفيت عندما كانت ليليان في التاسعة.”

قالت صوفيا:

— “أي أن والدها ربّاها وحده.”

أومأ آرون.

ثم توقف فجأة.

— “هذا غريب.”

رفع جيمس رأسه.

— “ماذا؟”

— “كان جورج كروس يعمل حارسًا ليليًا.”

— “أين؟”

نظر آرون إلى الشاشة.

ثم قال:

— “في مدرسة آشفيل الثانوية.”

ساد الصمت.

بعد أقل من ساعة، كان جيمس وصوفيا يقفان أمام منزل عائلة كروس القديم.

منزل خشبي صغير يقع في الطرف الجنوبي للمدينة.

بدا مهجورًا منذ سنوات.

غطت الأعشاب اليابسة الحديقة الأمامية.

أما النوافذ فكانت مغطاة بالألواح الخشبية.

قالت صوفيا:

— “هل لدينا إذن تفتيش؟”

أخرج جيمس ورقة من جيبه.

— “لدينا الآن.”

فتحا الباب بصعوبة.

كان الهواء داخل المنزل ثقيلًا ومشبّعًا بالغبار.

بدأا بتفتيش المكان.

لم يكن هناك الكثير.

أثاث قديم.

صور عائلية.

وصندوق كرتوني مليء بالرسائل.

أثناء تفتيش غرفة المعيشة، لاحظ جيمس صورة مؤطرة فوق المدفأة.

اقترب منها.

كانت تظهر جورج كروس يقف بجوار ليليان الصغيرة.

لكن ما لفت انتباهه لم يكن الصورة نفسها.

بل الرجل الذي يقف في الخلفية.

شعر جيمس أنه يعرفه.

أخذ الصورة معه.

في الطابق العلوي، وجدت صوفيا غرفة ليليان القديمة.

كانت الجدران مغطاة برسومات ولوحات.

معظمها يصور الغابات.

والبحيرات.

والمنازل.

لكن لوحة واحدة جعلت صوفيا تتجمد.

كانت رسمة لستة طلاب يقفون داخل ساحة المدرسة.

وجميع وجوههم ممحوة.

ما عدا وجه واحد.

وجه جيمس.

نادت صوفيا.

دخل جيمس الغرفة.

نظر إلى اللوحة طويلًا.

ثم لاحظ شيئًا آخر.

في زاوية الرسم كتبت عبارة صغيرة.

“ليس جميع المتفرجين أبرياء.”

أخفض جيمس رأسه.

كان يشعر أن الرسائل أصبحت شخصية أكثر.

كأن أحدًا يحاكمه.

قبل مغادرتهما المنزل، فتح جيمس الصندوق الكرتوني.

احتوى على عشرات الرسائل.

كلها مرسلة إلى جورج كروس.

لكن معظمها لم يُفتح.

أخذ إحداها عشوائيًا.

تجمد.

كانت الرسالة مرسلة من:

مدرسة آشفيل الثانوية.

فتحها بسرعة.

قرأ السطر الأول.

“السيد جورج كروس،

نأسف لإبلاغكم أن ابنتكم ليليان تعرضت لحادث تنمر خطير داخل المدرسة…”

نظر إلى التاريخ.

كان قبل الحريق بأسبوعين فقط.

لكن الرسالة لم تُفتح أبدًا.

رفع جيمس رأسه.

— “والدها لم يقرأها.”

قالت صوفيا:

— “أو أن أحدًا منعه.”

وفي تلك اللحظة، رن هاتف جيمس.

كان دانيال.

فتح الخط.

جاءه صوت دانيال المرتبك:

— “جيمس، لدينا مشكلة.”

— “ماذا حدث؟”

ساد صمت قصير.

ثم قال:

— “كيفن روس اختفى من المستشفى.”

توقف قلب جيمس.

— “كيف؟”

— “كاميرات المراقبة أظهرت امرأة تدخل غرفته قبل عشر دقائق من اختفائه.”

شعر جيمس بالبرودة تجتاح جسده.

— “هل رأيتم وجهها؟”

أجاب دانيال:

— “ليس بوضوح.”

توقف.

ثم أضاف:

— “لكنها كانت ترتدي معطفًا أسود.”

أنهى جيمس المكالمة ببطء.

ثم نظر إلى صوفيا.

قال:

— “علينا العودة.”

لكن قبل أن يغادرا، سقطت عيناه على شيء أخير داخل غرفة ليليان.

مفكرة صغيرة مخبأة أسفل السرير.

فتحها.

وفي الصفحة الأخيرة وجد جملة واحدة فقط.

جملة كتبت قبل عشرين عامًا.

“إذا حدث لي شيء، فابحثوا عن الآنسة ويلسون.”

تبادل جيمس وصوفيا النظرات.

قالت صوفيا بصوت خافت:

— “إيمي.”

أغلق جيمس المفكرة ببطء.

لأن السؤال الذي لم يغادر ذهنه كان واحدًا فقط:

من هي الآنسة ويلسون؟

نهاية الفصل الخامس عشر

2026/06/24 · 1 مشاهدة · 818 كلمة
User
نادي الروايات - 2026