الفصل الثامن عشر

ما لم يُدفن

ظل جيمس واقفًا في الظلام، عيناه معلقتان على سارة المقيدة أمامه.

لكن صوته لم يخرج.

كان يشعر أن المحطة كلها تتنفس حوله.

ثم تكرر الصوت من مكبر قديم داخل المكان:

— “اقترب أكثر…”

تحرك جيمس ببطء، عيناه تمسحان الزوايا.

— “أين أنت؟”

ضحكة خافتة جاءت من جهة غير محددة.

— “أنت دائمًا تسأل السؤال الخطأ يا جيمس.”

ضغط على أسنانه.

— “أريد سارة.”

ساد صمت قصير.

ثم أُضيئت مصابيح قديمة فوق المنصة فجأة، كأن أحدهم أعاد الحياة للمكان.

رأى سارة بوضوح الآن.

كانت مقيدة، لكنها واعية.

وجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالخوف.

— “جيمس…” همست.

اندفع خطوة للأمام، لكن صوتًا حادًا أوقفه:

— “لا تتحرك.”

تجمد.

خرجت ليليان من خلف الأعمدة الحديدية.

لكن هذه المرة… لم تكن وحدها.

خلفها وقف رجل آخر.

لم يكن مجهولًا تمامًا.

كان الكابتن مارك.

تراجع جيمس خطوة إلى الوراء.

— “مارك؟”

لم يجب مارك فورًا.

بل كان ينظر إليه بصمت ثقيل.

قالت ليليان بهدوء:

— “الآن يمكنك أن تفهم الصورة كاملة.”

صوت جيمس كان منخفضًا:

— “أنتِ ميتة.”

ابتسمت.

— “هذا ما أردتم تصديقه.”

اقتربت خطوة.

— “مثلما صدقتم أن ليليان ماتت في الحريق.”

نظر جيمس إلى سارة.

— “أخرجها من هنا.”

لكن مارك تحدث أخيرًا:

— “هي ليست ضحية كما تعتقد.”

التفت إليه جيمس بعنف:

— “ماذا تقول؟”

رفع مارك ملفًا.

— “كل شيء في هذه القضية كان تحت إشرافك أكثر مما تتذكر.”

ألقى الملف على الأرض.

تطايرت صور جديدة.

ليست فقط صور سارة.

بل صور لجيمس نفسه.

في أماكن لم يتذكر أنه زارها.

داخل المدرسة.

خارج المختبر.

ليلة الحريق.

قالت ليليان بصوت منخفض:

— “أنت كنت هناك، جيمس.”

— “هذا غير صحيح!”

— “أنت من أغلق الباب.”

تجمد المكان.

سارة بدأت تبكي.

— “جيمس… ماذا يقولون؟”

اقترب خطوة منها.

— “لا تستمعي.”

لكن ليليان رفعت يدها.

فأُضيء جهاز عرض خلفهم.

وظهرت صورة.

فيديو قديم.

مدرسة آشفيل الثانوية.

ليلًا.

دخان.

صرخات.

باب معدني مغلق.

وعدة طلاب.

وجيمس بينهم.

تراجع جيمس خطوة.

— “هذا مفبرك…”

لكن الفيديو استمر.

كان واضحًا فيه شاب يشبهه تمامًا.

يمسك بالمقبض.

ثم يغلق الباب.

من الداخل… صوت صراخ فتاة.

سقط جيمس على ركبته.

— “لا… لا…”

قالت ليليان:

— “لم تكن وحدك.”

ثم أضافت:

— “آدم، كيفن، ريان… كلهم كانوا هناك.”

رفع جيمس رأسه ببطء.

— “أنتم تكذبون…”

لكن صوته كان أضعف.

مارك اقترب خطوة.

— “لم يكن تنمرًا فقط.”

صمت.

ثم قال:

— “كان حريقًا متعمدًا.”

سارة بدأت ترتجف بشدة.

— “جيمس… قل لهم إنه ليس صحيحًا.”

لكن جيمس لم يعد يملك إجابة.

ذاكرته كانت تتشقق.

كأن شيء مدفون داخل رأسه بدأ ينكسر.

في تلك اللحظة، انقطع التيار الكهربائي.

غرق المكان في الظلام.

ثم صوت إطلاق نار واحد.

صرخة.

ثم صمت.

عاد الضوء بعد ثوانٍ.

كان المشهد قد تغيّر.

مارك كان على الأرض.

ليليان اختفت.

والباب الحديدي للمحطة كان مفتوحًا.

لكن سارة…

كانت لا تزال مقيدة.

جيمس اندفع نحوها بسرعة.

— “سارة!”

بدأ يفك القيود بعنف.

— “أنا هنا… أنا هنا…”

لكنها كانت في حالة صدمة.

همست:

— “لقد كانت هنا… كانت تتحدث معي…”

— “من؟”

— “ليليان…”

توقف جيمس.

نظر حوله.

لم يكن هناك أحد.

في الخارج، وصلت أصوات سيارات الشرطة.

صوفيا وآرون اقتحما المحطة مع فرق الدعم.

بدأوا تفتيش المكان فورًا.

لكن لم يجدوا ليليان.

ولا أي أثر لها.

فقط مارك.

مصاب.

يتنفس بصعوبة.

قال بصوت متقطع:

— “هي ليست وحدها…”

ثم أغمي عليه.

في مركز الشرطة، جلس جيمس في غرفة مغلقة.

سارة نُقلت إلى المستشفى.

والمحطة أصبحت مسرح جريمة واسع.

لكن جيمس لم يكن يسمع شيئًا.

كان فقط يرى الفيديو.

مرة بعد مرة.

يمسك الباب.

يغلقه.

صرخات من الداخل.

هل كان هو؟

أم أن هناك شيئًا آخر؟

طرق الباب.

دخلت صوفيا.

وضعت ملفًا أمامه.

— “وجدنا شيئًا في سجل المدرسة.”

فتح جيمس الملف ببطء.

كان تقريرًا قديمًا.

عن حريق المختبر.

لكن هذه المرة، لم يكن مكتوبًا “حادث”.

بل:

“تم إغلاق التحقيق لعدم كفاية الأدلة ضد مجموعة من الطلاب، بينهم جيمس هاربر.”

رفع رأسه ببطء.

— “هذا ليس صحيحًا…”

لكن صوفيا قالت بهدوء:

— “هناك شيء آخر.”

أشارت إلى الصفحة الأخيرة.

صورة.

لمجموعة من الطلاب.

سبعة.

لكن هذه المرة…

كان هناك طالب ثامن في الخلف.

وجهه ممسوح جزئيًا.

لكن الاسم كان واضحًا.

جيمس هاربر

والتوقيع أسفل التقرير:

الآنسة ويلسون

أغلق جيمس عينيه.

ولأول مرة منذ بداية القضية…

لم يعد يعرف من هو القاتل.

ولا حتى من هو نفسه.

نهاية الفصل الثامن عشر

2026/06/24 · 0 مشاهدة · 696 كلمة
User
نادي الروايات - 2026