19 - انكسار الذاكرة

الفصل التاسع عشر

انكسار الذاكرة

جلس جيمس وحده في غرفة الاستجواب، أمام مرآة زجاجية تعكس صورة شخص لم يعد متأكدًا أنه يعرفه.

الملف مفتوح أمامه.

اسمُه مكتوب في كل صفحة تقريبًا.

لكن الأسوأ لم يكن ذلك.

بل الشعور بأن شيئًا ما كان دائمًا ناقصًا في ذاكرته… كفراغٍ قديم لم يُملأ أبدًا.

فتح الباب بهدوء.

دخلت صوفيا.

لم تتكلم في البداية.

وضعت كوب ماء أمامه وجلست.

— “جيمس… يجب أن نتحدث.”

رفع رأسه ببطء.

— “عن ماذا؟ عن أنني قاتل؟”

هزت رأسها فورًا.

— “لم نقل ذلك.”

ضحك بمرارة قصيرة.

— “لكنكم تفكرون به.”

ساد الصمت.

ثم قالت:

— “نحن نفكر بأن هناك جزءًا مفقودًا من القصة.”

في غرفة أخرى داخل المركز، كان آرون يعرض تسجيلًا قديمًا على الشاشة.

جيمس دخل دون أن يطرق.

كان التسجيل من كاميرا مدرسية قديمة.

تاريخه يعود إلى ليلة الحريق.

ظهر في الصورة ممر المدرسة.

دخان خفيف.

ثم مجموعة طلاب.

آدم.

ريان.

كيفن.

كلارا.

وسارة.

لكن ما لم يكن منطقيًا…

هو ظهور جيمس في الخلف.

واقفًا.

لا يركض.

لا يهرب.

بل ينظر.

بهدوء.

قال آرون:

— “هذه أول مرة نراها كاملة.”

اقترب جيمس من الشاشة.

— “هذا لا يثبت شيئًا.”

— “لم نقل إنه يثبت.” قال آرون بهدوء.

— “لكن… هذا يغيّر كل شيء.”

في المساء، نُقل جيمس إلى جلسة تقييم نفسي قسرية بناءً على طلب الكابتن المؤقت بعد إصابة مارك.

كانت الغرفة صغيرة.

بيضاء.

بلا نوافذ تقريبًا.

دخلت طبيبة نفسية جديدة.

قدّمت نفسها:

— “الدكتورة نادين كمال.”

جلست أمامه مباشرة.

— “أريد أن أتحدث معك عن الذكريات.”

نظر إليها ببرود.

— “أنا محقق، لست مريضًا.”

ابتسمت بهدوء.

— “كل من يدخل هذه الغرفة يعتقد ذلك.”

فتحت ملفًا أمامها.

— “دعنا نبدأ بشيء بسيط… ماذا تتذكر عن ليليان كروس؟”

توقف.

اسمها وحده كان كافيًا ليجعل الغرفة أثقل.

— “ضحية.”

هزت رأسها.

— “وماذا عن إيمي ويلسون؟”

— “شاهد… طبيبة… صديقة ليليان.”

— “وسارة؟”

تردد.

— “زوجتي.”

كتبت شيئًا في الملف.

ثم قالت:

— “هل تتذكر جلسات العلاج القديمة؟”

رفع عينيه بسرعة.

— “أي علاج؟”

أغلقت الملف.

— “هذا ما سنحاول اكتشافه.”

في تلك الليلة، أعادته الشرطة إلى منزله تحت الحراسة.

لكن ما إن دخل حتى شعر أن شيئًا لم يكن كما تركه.

الأثاث كما هو.

لكن الهواء مختلف.

ثقيل.

كأنه لم يُغادره أحد منذ زمن طويل.

نادت صوفيا من الخارج:

— “سنبقى على تواصل.”

لكن جيمس لم يجب.

صعد الدرج ببطء.

توقف أمام غرفة النوم.

الباب نصف مفتوح.

دفعه.

الغرفة مظلمة.

لكن على السرير…

كان هناك جهاز تسجيل صغير.

نفس النوع الذي استخدمته القضية منذ البداية.

اقترب ببطء.

ضغط زر التشغيل.

بدأ الصوت.

صوت امرأة.

هادئ.

بارد.

مألوف بشكل مخيف.

— “مرحبًا يا جيمس.”

تجمد.

— “إذا كنت تستمع لهذا… فهذا يعني أنك بدأت تتذكر.”

توقف الصوت لثانية.

ثم تابعت:

— “وأنا آسفة.”

شعر جيمس أن الهواء اختفى من الغرفة.

— “آسفة لأنني لم أوقف ما حدث في الوقت المناسب.”

— “لكن الحقيقة… أنك كنت هناك قبل الجميع.”

توقف التسجيل.

ثم صوت آخر.

صوت طفل.

يضحك.

ثم صرخة قصيرة.

ثم انقطاع.

ارتجف جيمس.

وأول مرة منذ بداية القضية…

لم يكن متأكدًا إن كانت هذه أصوات حقيقية… أم جزءًا من ذاكرته.

في مركز الشرطة، وصلت صوفيا برسالة عاجلة.

دخلت غرفة المراقبة.

— “وجدنا إشارة هاتف سارة.”

رفع آرون رأسه بسرعة.

— “أين؟”

— “في مبنى قديم قرب النهر.”

نظرت إلى الجميع.

— “لكن هناك مشكلة.”

— “ما هي؟”

ترددت.

ثم قالت:

— “الإشارة ليست فقط لهاتفها.”

— “ماذا أيضًا؟”

— “هناك هاتف آخر معها.”

ساد الصمت.

— “لمن؟”

نظرت صوفيا إلى الشاشة.

ثم قالت:

— “إيمي ويلسون.”

في نفس اللحظة، كان جيمس يحدق في التسجيل داخل غرفته.

حتى ظهر صوت خلفه.

— “هل تذكرت شيئًا؟”

استدار بسرعة.

لا أحد.

لكن التسجيل كان ما يزال يعمل.

— “أنت دائمًا تتجاهل الجزء الأهم يا جيمس.”

انطفأ الجهاز فجأة.

ثم…

انفتح درج المكتب من تلقاء نفسه.

وبداخله…

مفتاح صغير قديم.

مغطى بالغبار.

لم يتذكره.

لكنه عرفه.

أو شعر أنه يعرفه.

مفتاح غرفة داخل المدرسة.

الغرفة التي لم يدخلها أحد منذ الحريق.

وغرفة…

لم يُذكر اسمها في أي تقرير رسمي.

في الخارج، توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.

لم تخرج منها سارة.

ولا إيمي.

بل شخص ثالث.

أغلق الباب ببطء.

ونظر إلى المنزل.

ثم قال بصوت منخفض:

— “لقد عاد الذاكرة الآن.”

نهاية الفصل التاسع عشر

2026/06/24 · 0 مشاهدة · 674 كلمة
User
نادي الروايات - 2026