الفصل الرابع
المقعد الفارغ
كانت أضواء سيارات الشرطة تنعكس فوق سطح بحيرة غرايس المتجمد جزئيًا، بينما وقف جيمس هاربر على الضفة يتأمل سيارة كلارا وودز.
كان البرد قارسًا، لكن أحدًا لم يجرؤ على المغادرة.
أصبح اختفاء كلارا خلال أقل من أربع وعشرين ساعة من مقتل آدم ميلر أمرًا لا يمكن اعتباره صدفة.
انحنى جيمس مجددًا فوق الرسالة التي وجدها داخل السيارة.
“خمسة مقاعد…
أحدها بقي فارغًا دائمًا.”
وقف صامتًا لعدة ثوانٍ.
قالت صوفيا وهي تراقب تعابير وجهه:
ـ “هل تعرف ما تعنيه؟”
لم يجب فورًا.
كان ذهنه قد عاد عشرين عامًا إلى الوراء.
إلى قاعة الصف 12-B.
كان هناك ستة طلاب يجلسون دائمًا في الصف الخلفي.
هو.
آدم.
ريان.
كلارا.
سارة.
وليليان.
لكن الحقيقة أن المقعد السادس لم يكن مشغولًا معظم الوقت.
مقعد ليليان.
ابتلع جيمس ريقه.
ـ “أعتقد أنني أعرف.”
رفعت صوفيا حاجبيها.
ـ “إلى أين سنذهب؟”
أجاب وهو يتجه نحو سيارته:
ـ “إلى المدرسة.”
بعد منتصف الليل بقليل، عاد جيمس وصوفيا إلى مدرسة آشفيل الثانوية القديمة.
كانت المدرسة تبدو أكثر كآبة في الليل.
الريح تعصف بين الممرات الخارجية، والأشجار العارية تضرب النوافذ بإيقاع مزعج.
أضاء جيمس مصباحه اليدوي ودخل المبنى.
قالت صوفيا:
ـ “أشعر أنني في فيلم رعب رديء.”
لم يبتسم.
كان يعرف هذه المدرسة جيدًا.
وربما لهذا السبب بالتحديد كان يشعر بالخوف.
سارا عبر الممر الرئيسي حتى وصلا إلى الصف 12-B.
دفع جيمس الباب.
صرير طويل اخترق السكون.
سلط الضوء داخل القاعة.
كانت الطاولات لا تزال مصطفة كما تركت منذ سنوات.
تقدم ببطء نحو الصف الأخير.
وقف أمام المقاعد الستة.
واحد…
اثنان…
ثلاثة…
أربعة…
خمسة…
ثم توقف.
كان المقعد الأخير مختلفًا.
رغم تراكم الغبار على بقية المقاعد، بدا هذا المقعد نظيفًا نسبيًا.
اقترب أكثر.
وجد على سطحه عبارة محفورة بسكين.
“الوحوش لا تكبر… إنها فقط تتعلم الاختباء.”
تبادلت صوفيا النظرات مع جيمس.
ـ “هذا ليس قديمًا.”
هز رأسه.
ثم انحنى ليفحص المقعد.
لاحظ وجود شريط لاصق أسفل السطح الخشبي.
نزعه بحذر.
كان يخفي مفتاحًا صغيرًا.
وبجانبه ورقة مطوية.
فتحها.
“حين يسقط الممثل…
يبدأ العرض الحقيقي.”
قالت صوفيا:
ـ “المسرح.”
أومأ جيمس.
ـ “المسرح المدرسي.”
انتشرت أخبار اختفاء كلارا في صباح اليوم التالي كالنار في الهشيم.
تحولت المدينة الصغيرة إلى فوضى.
ألغيت الأنشطة المدرسية.
بدأ بعض الأهالي بإبقاء أطفالهم في منازلهم.
ظهرت دوريات إضافية في الشوارع.
أما وسائل الإعلام فكانت أكثر شراسة من أي وقت مضى.
وقف جيمس أمام شاشة التلفاز في غرفة الاستراحة بمركز الشرطة.
كانت مذيعة إحدى القنوات الوطنية تقول:
“مصادر داخل شرطة آشفيل هولو تؤكد وجود رابط بين الضحايا، بينما ترفض السلطات الكشف عن التفاصيل.”
أغلق التلفاز بانزعاج.
دخل الكابتن مارك المكتب في اللحظة نفسها.
كان يبدو مرهقًا.
ـ “العمدة يريد نتائج.”
ـ “نحن نعمل.”
ـ “هذا لا يكفي.”
ألقى مارك ملفًا فوق المكتب.
ـ “مكتب التحقيقات الفيدرالي يراقب الوضع. إذا وقعت جريمة أخرى فسيتدخلون رسميًا.”
زفر جيمس بضيق.
ـ “لا نملك حتى الآن دافعًا واضحًا.”
اقترب مارك منه.
ـ “جيمس… هل هناك شيء تخفيه عني؟”
رفع جيمس رأسه.
ـ “ماذا تقصد؟”
ـ “كل الضحايا مرتبطون بك.”
ساد الصمت.
ـ “كانوا زملائي فقط.”
ـ “والرسائل؟”
ـ “لا أعرف لماذا يرسلها إلي.”
تأمله مارك طويلًا.
ثم قال:
ـ “اعثر على القاتل قبل أن يقرر الناس أنك جزء من هذه القصة.”
عاد جيمس إلى المنزل في المساء.
وجد سارة جالسة في غرفة الأطفال.
كان الباب نصف مفتوح.
توقف مكانه.
لم يدخل أحد هذه الغرفة منذ سنوات.
كانت سارة تجلس على الأرض وهي تحمل دمية صغيرة.
دمية إيما المفضلة.
قال بهدوء:
ـ “ماذا تفعلين؟”
لم تنظر إليه.
ـ “أفتقدهما.”
ظل واقفًا عند الباب.
ـ “وأنا كذلك.”
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
ـ “لا، أنت لا تفعل.”
تجمد.
رفعت سارة عينيها نحوه.
كانت محمرتين.
ـ “أنت لا تتحدث عنهما.”
ـ “لأن الحديث لن يعيدهما.”
ـ “لكنه قد يعيدنا نحن.”
لم يجب.
وقفت ببطء.
ـ “هل تعلم ما المشكلة يا جيمس؟”
صمت.
ـ “أنت تفضل مطاردة الموتى على مواجهة الأحياء.”
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
وبقي وحده.
كما يحدث دائمًا.
في صباح اليوم التالي، توجه جيمس وصوفيا إلى المسرح المدرسي القديم.
كانت الستائر الحمراء المتربة تتدلى من السقف كأشباح صامتة.
أضاءا المكان.
قالت صوفيا:
ـ “ما الذي نبحث عنه بالضبط؟”
أجاب:
ـ “لا أعلم.”
بدأا بتفتيش الكواليس.
الملابس القديمة.
الصناديق الخشبية.
غرفة المكياج.
لا شيء.
وبعد ساعة تقريبًا، جلس جيمس على حافة المسرح محبطًا.
ثم وقع نظره على بقعة باهتة في منتصف الخشبة.
بقعة دائرية.
كأن شيئًا ثقيلًا سقط هناك.
وفجأة تذكر.
قبل عشرين عامًا.
العرض المسرحي السنوي.
ليليان كروس.
كانت تؤدي الدور الرئيسي.
لكن أحدهم عبث بديكور المسرح.
انهارت المنصة الصغيرة تحتها أمام مئات الطلاب.
ضحك الجميع.
تقريبًا الجميع.
شعر جيمس بغثيان مفاجئ.
ـ “يا إلهي…”
التفتت صوفيا.
ـ “ماذا؟”
ـ “ليليان.”
اقترب من منتصف الخشبة.
جثا على ركبتيه.
بدأ يطرق الأرضية.
حتى سمع صوتًا أجوف.
استدعى فريق الأدلة الجنائية.
بعد إزالة بعض الألواح الخشبية، اكتشفوا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحه جيمس بيدين مرتجفتين.
في الداخل كانت هناك أشرطة فيديو قديمة.
وشريط كاسيت.
ورسالة أخرى.
قرأها بصوت منخفض:
“بعض الناس يقتلون بالسكاكين.
والبعض الآخر يقتلون بالضحك.”
ساد الصمت.
وضعت صوفيا يدها على كتفه.
ـ “من كانت ليليان بالنسبة لكم؟”
حدق جيمس في الفراغ.
ـ “كانت زميلة.”
ـ “هذا ليس جوابًا.”
لم يرد.
لأنه للمرة الأولى منذ بدء التحقيق، بدأ يشك في أن الماضي الذي نسيه لم يكن بريئًا كما ظن.
في مساء اليوم نفسه، فحص فريق الأدلة الأشرطة.
احتوى أحدها على تسجيل للعرض المسرحي قبل عشرين عامًا.
اجتمع جيمس وصوفيا ودانيال داخل غرفة المراقبة.
بدأ التسجيل.
ظهرت ليليان على المسرح.
بدت خجولة.
لكنها كانت تبتسم.
ثم، بعد دقائق، انهارت المنصة أسفلها.
سقطت بقوة.
وانفجرت القاعة بالضحك.
أوقف جيمس التسجيل فجأة.
ساد الصمت.
قال دانيال:
ـ “يا للهول.”
لكن صوفيا لم تكن تنظر إلى الشاشة.
كانت تنظر إلى جيمس.
ـ “هل كنت هناك؟”
أجاب بصوت خافت:
ـ “نعم.”
ـ “هل فعل أحدكم ذلك؟”
لم يجب.
رن هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة.
المتصل: وحدة الدوريات.
فتح الخط.
جاءه صوت مضطرب:
ـ “سيدي… عثرنا على شيء.”
ـ “ماذا؟”
ـ “إنها كلارا.”
توقف قلبه.
ـ “هل هي حية؟”
ساد صمت قصير.
ثم قال الشرطي:
ـ “يجب أن تأتي بنفسك.”
أغلق جيمس الهاتف ببطء.
كان يعرف هذا النوع من الصمت.
وشعر للمرة الأولى أن عدد الضحايا على وشك الازدياد.
نهاية الفصل الرابع