الفصل السادس
العرض الأخير
انطلقت سيارات الشرطة عبر شوارع آشفيل هولو المظلمة وصفارات الإنذار تمزق سكون الليل.
كان جيمس يقود السيارة بنفسه، بينما كانت صوفيا تجلس إلى جانبه تراجع خريطة المنطقة.
قالت وهي تنظر إلى جهازها اللوحي:
— “العنوان يقود إلى مسرح المدرسة القديم.”
شتم جيمس بصوت منخفض.
— “بالطبع.”
ضغط بقوة على دواسة الوقود.
قبل أقل من أسبوع، كان المسرح مجرد مبنى مهجور في نظره.
أما الآن، فقد أصبح مسرحًا حرفيًا للقاتل.
وصلت أولى الدوريات إلى المدرسة قبل جيمس بدقائق.
كانت الأضواء تملأ ساحة المدرسة.
نزل جيمس من السيارة مسرعًا.
استقبله دانيال عند المدخل الرئيسي.
— “فتشنا الطابق الأرضي. لا يوجد شيء.”
— “المسرح؟”
— “ما زلنا نؤمنه.”
دخل جيمس وصوفيا إلى المبنى.
كان الظلام يسيطر على الممرات الطويلة، بينما كان صوت أجهزة اللاسلكي يتردد بين الجدران القديمة.
عندما اقتربوا من المسرح، لاحظ جيمس أن باب القاعة كان مفتوحًا.
دفعه ببطء.
صرير الباب اخترق الصمت.
ثم تجمد الجميع.
في منتصف خشبة المسرح، وتحت ضوء كشاف واحد، كان رجل جالسًا على كرسي.
يداه مقيدتان.
ورأسه منحنٍ إلى الأمام.
كان ريان بيكر.
أو ما تبقى منه.
تقدم جيمس ببطء.
لم يكن ريان على قيد الحياة.
كانت هناك آثار ضرب واضحة على وجهه، بينما أحاطت رقبته حبال مسرحية سميكة.
أما خلفه، فقد كُتبت على الستارة الحمراء عبارة كبيرة بالطلاء الأبيض:
“ضحكتم جميعًا.”
ساد صمت ثقيل.
قالت صوفيا أخيرًا:
— “الضحية الثالثة.”
أغلق جيمس عينيه لثانية.
ثلاثة من زملائه القدامى ماتوا خلال أقل من أسبوعين.
لم يعد الأمر مجرد قضية.
لقد أصبح ماضيه يطارده.
أثناء معاينة الجثة، لاحظ أحد خبراء الأدلة الجنائية شيئًا غريبًا.
كان هناك شريط كاسيت مثبت أسفل الكرسي.
سلّمه إلى جيمس.
نظر إليه لثوانٍ.
ثم قال:
— “شغلوه.”
بعد دقائق، اجتمع الفريق داخل غرفة الإدارة القديمة.
وُضع جهاز تشغيل قديم على الطاولة.
ضغط دانيال زر التشغيل.
في البداية لم يسمعوا سوى تشويش.
ثم انطلق صوت أنثوي هادئ.
“الذكريات أمر مضحك، أليس كذلك يا جيمس؟”
شحب وجه جيمس.
تابع الصوت:
“نحن لا ننسى الأشياء المؤلمة… نحن فقط ندفنها.”
ساد الصمت داخل الغرفة.
ثم أكمل الصوت:
“إذا أردت معرفة الحقيقة، فابحث عن الشخص الذي بقي مقعده فارغًا.”
توقف التسجيل.
نظر الجميع إلى جيمس.
قال آرون:
— “هل تعرف صاحبة الصوت؟”
أجاب بعد تردد:
— “لا.”
لكن صوفيا لم تصدقه.
في صباح اليوم التالي، تحولت آشفيل هولو إلى مدينة خائفة.
امتلأت المتاجر بالناس الذين يشترون الأسلحة وأجهزة الإنذار المنزلية.
ألغيت جميع الأنشطة العامة.
وانخفض عدد الطلاب في المدارس إلى النصف تقريبًا.
أما وسائل الإعلام فقد أصبحت أكثر عدوانية.
وقف جيمس أمام شاشة التلفاز في غرفة الاجتماعات.
كان أحد مقدمي البرامج يقول:
“ثلاث جرائم قتل خلال أسبوعين، والشرطة ما تزال عاجزة عن القبض على الجاني. هل فقدت شرطة آشفيل هولو السيطرة؟”
أغلق مارك التلفاز بعنف.
— “العمدة يريد مؤتمراً صحفياً جديداً.”
تنهد جيمس.
— “ليس لدينا شيء جديد.”
— “هذا لم يعد مهمًا.”
ضرب مارك الطاولة بقبضته.
— “الناس يريدون إجابات!”
ساد الصمت.
ثم قال آرون:
— “لدينا شيء.”
التفت الجميع نحوه.
— “راجعنا سجلات ليليان كروس.”
تجمد جيمس.
— “وماذا وجدتم؟”
— “اختفت من السجلات قبل سبع سنوات.”
قطب جيمس حاجبيه.
— “كيف؟”
— “لا توجد سجلات ضريبية حديثة، لا رخصة قيادة، لا حسابات مصرفية نشطة.”
قالت صوفيا:
— “كأنها اختفت.”
أومأ آرون.
— “أو كأنها لا تريد أن يعثر عليها أحد.”
في المساء، عاد جيمس إلى المنزل متأخرًا.
وجد سارة جالسة على طاولة المطبخ.
كانت تحدق في صورة قديمة.
صورة تجمعها بإيثان وإيما.
وضعت الصورة بسرعة عندما دخل.
قال:
— “لماذا أنت مستيقظة؟”
— “لا أستطيع النوم.”
جلس أمامها.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت:
— “هل تتذكر يوم الحادث؟”
تصلب جسد جيمس.
— “ليس الآن يا سارة.”
— “أنت دائمًا تقول ليس الآن.”
رفع نظره إليها.
كانت الدموع تملأ عينيها.
— “لقد مرّت ثلاث سنوات يا جيمس.”
أجاب بصوت متوتر:
— “أعرف.”
— “إذن لماذا تتصرف وكأنهما ماتا أمس؟”
وقف فجأة.
— “لأنهما ماتا أمامي!”
ساد الصمت.
أدرك فورًا أنه رفع صوته.
لكن الأوان كان قد فات.
وقفت سارة.
— “وأنا كنت هناك أيضًا.”
ثم صعدت إلى الطابق العلوي.
بقي جيمس وحده في المطبخ.
ولم يلاحظ أن هاتف سارة، الذي تركته على الطاولة، قد تلقى رسالة جديدة.
ظهرت على الشاشة لثوانٍ قليلة قبل أن تنطفئ:
“هل أخبرته الحقيقة بعد؟”
في اليوم التالي، عاد جيمس إلى المدرسة القديمة.
كان يفكر في عبارة واحدة فقط:
“الشخص الذي بقي مقعده فارغًا.”
دخل الصف 12-B مرة أخرى.
وقف أمام المقاعد الستة.
ثم تذكر شيئًا.
لم تكن ليليان تتغيب فقط.
كانت تقضي معظم فترات الاستراحة في المكتبة.
اتجه فورًا نحو مكتبة المدرسة.
رافقته صوفيا.
كان المكان مغطى بالغبار.
بدأا بتفتيش الرفوف القديمة.
وبعد ساعة تقريبًا، عثرت صوفيا على كتاب مهترئ خلف أحد الرفوف.
ناولته إلى جيمس.
فتح الكتاب.
فسقطت منه ورقة مطوية.
كتب عليها:
“أخيرًا بدأت تتذكر.”
وتحت العبارة كان هناك لغز جديد:
“حين احترق المكان، بقي شيء واحد لم تلمسه النار.
ابحث عن الحقيقة تحت الرماد.”
شعر جيمس بانقباض في صدره.
همست صوفيا:
— “مختبر الكيمياء.”
أومأ جيمس ببطء.
لقد كان القاتل يقوده خطوة بخطوة.
لكن السؤال الذي بدأ يطارده كان أكثر رعبًا:
هل يقوده إلى القاتل…
أم إلى شيء أسوأ بكثير؟
نهاية الفصل السادس