كانت إيلينا تقوم بدورها بصفتها المالكة للديوان، كما ينبغي أن يكون كل من خليف وإميليو على دراية تامة بذلك، إيلينا كانت الركيزة الروحية للديوان

دور L كان ضروريًا للغاية حتى يزداد صيت الديوان

“هكذا يجب أن يكون! هناك الكثير من الناس جاؤوا لرؤيتك، إرسالُكِ مع بعض الأعذار ليوم أو يومين فقط لن يُحدث فرقًا"

رمشت إيلينا بعينيها لم يكن ذلك تكلّفًا بقدر ما كان تذمّرًا

“هل كان الوضع سيئًا إلى هذه الدرجة؟”

“يُلقبونك بالغامضة يقولون إنكِ تتعمّدين خلق هالة من الغموض، حتى إنهم لا يستطيعون رؤية وجهك"

أكثر من نصف الضيوف يزورون الديوان لرؤية L

وكأن اختفاءها زاد من إثارة الخيال حولها بعضهم جاء بدافع الفضول لرؤية جمالها من خلف القناع والمثقفون الذين فُتنوا بسحر إيلينا الفكري خلال المناظرات هم أيضًا مرّوا عبر بوابة الديوان

وجود “L” غير المرئي كان له أثر عميق على الديوان

“ليست بالأمر السيئ السبب هو أن تأثير ‘L’ تضاعف، رغم غيابي"

“هيه، ألا ترينني أموت بسبب ذلك؟”

اكتفت إيلينا بابتسامة صامتة كيف لا تعرف؟

لو لم يكن إيميلو المسؤول عن الشؤون الداخلية وخاليف المسؤول عن النشاطات الخارجية حاضرين، لما وصل الديوان إلى هذه المكانة في وقتٍ قصير

إيلينا كانت دائمًا ممتنة لذلك لكنها لم تُظهر امتنانها لأنها كانت تحب مضايقة خاليف

“أليس هناك مناظرة عامة اليوم؟”

“ستبدأ بعد قليل أتنوين الحضور؟”

“نعم، هل يمكنني رؤية قائمة المشاركين؟”

أخرج خليف قائمة المشاركين في المناظرة من الدرج وناولها لإيلينا وما إن وقعت عيناها على الاسم جاكلين، حتى لمعت نظراتها

“هل سيستغرق الأمر وقتًا طويلاً لإعادة كريستينا؟”

“إن كانت في المتجر، فبإمكانها الحضور فورًا…”

“من فضلك تأكد من موعد وصولها أود حضور المناظرة العامة"

عينا إيلينا لم تبتعدا عن اسم جاكلين في القائمة

جاكلين

المتحدث

والمفكر

غير

المحظوظ

هو أحد كبار المفكرين في زمنه وقد كان من بين أولئك الذين رعتهم إيلينا تكفّلت ماي برعايته حينها وكانت توفر له الطعام كي لا يموت جوعًا

ونتيجة لذلك لم يكن هناك ما يُسمى بالجميل أو العرفان ولم تتطوّر العلاقة بينهما إذ فشلا في إيجاد نقطة إلتقاء

كنتُ

أنوي

البحث

عمّا

يفعله

جاكلين

وعن

أحواله

مؤخرًا

لكن

لم

أكن

أتوقع

ظهوره

فجأة

كان جاكلين أحد ركائز العصر الجديد وكان من أشد المدافعين عن فكر التنوير هو مؤلف كتاب “نظرية الحُكم” ، الذي نادى بالعودة إلى الإمبراطورية المقدسة القديمة وبمنح السيادة للشعب وانتخاب ممثليهم وبالطبع كانت إيلينا متأثرة بأفكاره

جوهر فكر التنوير لديه كان أن 'على عامة الناس أن يتعلموا ويستفيقوا'

فقط حينها يمكن لممثلي الشعب أن يقفوا بوجه السياسات الأحادية والجبروت الإمبراطوري ونفوذ النبلاء

أعلم

أن

تنوير

جاكلين

كان

مستمدًا

من

أعمال

رافاييل

لكن

ألم

تتغير

أفكار

وتاريخ

تلك

الحلقة

الفكرية؟

هذا

ليس

أمرًامحمودًا

كانت إيلينا قلقة بعض الشيء بشأن هذا الأمر كان جاكلين، وهو من عامة الشعب طالب في الأكاديمية لكنه سئم من الشعور بالسلطة والامتياز لدى أبناء النبلاء

ثم خرج من الشارع قائلاً إنه لم يعد هناك معنى للعيش لكنه صُدم عندما رأى عمل رافائيل بالصدفة

لو أن الفنون القائمة بقيت على حالها تسير وفق أساليب موحّدة وأنماط تعبير ثابتة دون تطوّر لعدة قرون فإن أعمال رافاييل قد هدمت ذلك الإطار والبناء بالكامل كان ذلك اليوم نقطة تحوّل وجاكلين أعاد النظر في قناعاته

وقال إنه لا بدّ من الانفصال عن المجتمع الأرستقراطي فالأمر لا يتعلّق بمجرد التغيير بل بالتحرر من القوقعة وخلص إلى أن العنصر الأهم لتحقيق ذلك هو تنوير الطبقات الدنيا من الهرم الاجتماعي

‘لا أعتقد أن هناك أي مشكلة في المشاركة في المناظرة العامة...لكن يجب أن أتحقق من ذلك'

لقد أثرت إيلينا على أعمال رافائيل لذلك كان من الصعب معرفة كيف تأثر جاكلين بالتاريخ الأصلي وأعمال رافائيل الأخرى

أرادت أن تشير إلى ذلك بوضوح

عاد خليف الذي كان غائبا في الوقت المناسب

“كريستينا في الغرفة المجاورة تفضّلي"

“بالفعل؟”

تفاجأت إيلينا وسألت باستغراب لم يمضِ وقت طويل منذ أن أُرسل في طلبها لكنها وصلت بسرعة فائقة

“قالت إنه طالما أن ملهمتها تبحث عنها، فمن الطبيعي أن تتجاوز كل شيء لأجل ذلك"

وبينما كانت تتذكر كريستينا المبهجة انتشرت ابتسامة على وجه إيلينا لقد كانت شخصًا لطيفًا ومحبوبًا للقاء به في أي وقت

“سأنهض الآن آه، سينيور، من فضلك بعد المناظرة جهّز طاولة تجمعني بجاكلين"

“جاكلين؟ من يكون؟”

حين ظهر اسم غير مألوف راجع خليف قائمة المشاركين في المناظرة العامة

في المقال التمهيدي ورد أنه كان يحظى بدعم عامة الناس بصفته متحدثًا في تجمع يُعقد بشكل متكرر في ساحة العاصمة

“أوه، متحدث هل سنقوم بتجنيده؟”

“إنها مسألة علاقات عامة، وليست أمراً متطرفاً، سأتحدث معه لأن تعليمه رائع"

"…"

"صحيح، سنتحدث ونتعرف وبعدها يمكننا توقيع العقد، سأفسح مكانًا لكِ لكن أظن أن كريستينا تنتظرك اذهبي إليها"

أومأت إيلينا مسرعة، وغادرت قاعة الاستقبال الرئيسة متجهة إلى الغرفة المجاورة

وما إن فتحت الباب ودخلت حتى استقبلتها كريستينا مرتديةً قناعاً زاهياً على هيئة طاووس بالتصفيق

"L! كم مضى من الزمن؟ لقد كدت أصاب بسكتة من فرط سعادتي برؤيتك"

"وكيف حالك؟ تردّدت في دعوتك ظنّاً مني أنك مشغولة"

ولمّا بدا على إيلينا شيء من الأسف لوّحت كريستينا بيدها قائلة

"ما الذي تقولينه؟ من أجل “L” أضع كل شيء جانباً سمعت أنك على عجلة انظري هذه فستان جديد صُمّم بكل تفصيل من أجلك"

تأمّلت إيلينا الفستان الجديد المعروض على المانيكان فأبدت إعجابها

'ما الأمر؟ الخطوط والزخارف تتطور بسرعة فائقة'

لقد بلغ مستوى الجودة والرقي في هذا الفستان حدّاً لا يقل عن فساتين إيلينا حين كانت إمبراطورة

وبفضل رعايتها ودعمها لكريستينا لم تعد الأخيرة منشغلة بما هو خارج التصميم فانبثق نبوغها الفني مبكراً

"إنه رائع الجمال أكاد لا أجرؤ على ارتدائه"

"لا تقولي هذا فلا أحد سواك يستطيع إظهاره كما ينبغي، يا L!"

احمرّت إيلينا خجلاً من المديح المبالغ فيه

"أظن أن كريستينا تتقن إحراجي"

"إنها الحقيقة هيا، جرّبيه"

وبمساعدة كريستينا، ارتدت إيلينا الفستان الجديد ووقفت أمام المرآة

كان أكثر نحولاً من ذي قبل ينساب على الجسد ويُبرز تقاسيمه فيما زادته الزخارف والنقوش فخامة ووقاراً

"انظري إلى هذا القَصّ! كيف يمكن لإنسانة أن تكون بهذا الكمال؟ لا زيادة ولا نقصان…يا لروعة ما أرى"

"أرجوك، لا تُكثري من ذلك…أخشى أن يسمعنا أحد"

"وهل اخترعتُ كلامي هذا من فراغ؟"

وقفت إيلينا حائرة أمام كلمات كريستينا المربكة ثم غادرت الغرفة بعد أن أتمّت ارتداءها وهناك في الممر كان يقف خليف مرتدياً قناع نسر

"أسرعي فالمناظرة في أوجها"

ركض الاثنان ليلتحقا بالديوان

وفي القاعة البيضاوية الشكل كان عشرة أشخاص يرتدون الأقنعة يتجادلون بشدّة

جلست إيلينا في موضع خفي لتتجنب الأنظار قدر المستطاع

"أليست تلك L؟"

"أظنها هي لكن فستانها يبدو في غاية الأناقة والفخامة…لا أستطيع التوقف عن النظر"

"ليتني أحضر الوليمة الليلة أودّ التحدث عن فضائل النساء النبيلات…"

ورغم حرصها على عدم مقاطعة النقاش تعرّف بعض الحاضرين على إيلينا وأخذوا يتهامسون عنها لكن الأمر لم يكن بالقدر الذي يعيق سير الحوار

"ذاك الرجل المقنّع بوجه خفّاش، إنه جاكلين"

ثبتت إيلينا نظرها على جاكلين، بينما همس خليف وهو يتفحص قائمة الأسماء وسط الجدالات الحادة والردود الغاضبة ظل جاكلين متماسكاً يحتفظ ببرودة عقله رغم ما يثير الانفعال

"لا أرى صواباً أن يُقدّم الإله على الإنسان إن الأمل الحاضر والسعادة الراهنة هي الأثمن في حياتنا اسألوا جائعاً مضت عليه أربعة أيام ما الذي يُقدّم أولاً؟"

"بفضل الله وُجد الإنسان كفّ عن هذه المغالطات!"

"مغالطات؟ بل أختلف في الرأي فقط الإيمان والإنسان ينبغي أن يُنظر إليهما على نحو منفصل"

"يـا للوقاحة!"

غضب الرجل ذو القناع على هيئة بجعة والذي بدا متقدّماً في السن من قول جاكلين إذ اعتبر أن الفصل بين اللاهوت وخَلق الله أي الإنسان أمر غير مقبول

'هذا خطير'

ارتجف قلب إيلينا بقلق إذ رأت أن جاكلين –على قلّة حديثه– كان ذكياً بما يكفي ليجعل حجته متماسكة

كان هناك بلا شك عيب واحد في كونه مفكراً يسبق عصره وخطيباً يحرك قلوب الناس وهو ميله إلى التطرف أحياناً

وقد ساهمت هذه الأفكار المتطرفة بشكل كبير في أن يُصنّف لاحقاً كمفكر وخطيب سيء الحظ

لقد أسهم في توعية الناس لكن نقده الجذري لللاهوت وإصراره على حقوق وسيادة المواطنين جلب له كراهية النبلاء وكنيسة غايا

'في النهاية، دُفع إلى البدعة وأُحرِق حياً على الوتد'

لم ترغب إيلينا في موته دعم جاكلين ضروري لسقوط الدوقية الكبرى

علاوة على ذلك، كانت أفكاره ستشكل بوصلة لسيان التي كانت تحاول تغيير الإمبراطورية

'أحتاج لإنقاذه'

ظلت إيلينا تراقبه طويلاً بعينيها

انتهى الفصل

2025/09/06 · 38 مشاهدة · 1273 كلمة
tref
نادي الروايات - 2026