حتى لو أستغرق الأمر وقتًا طويلًا ستدرك ماي أن عدو عدوها هو حليفها، وانتظرت إيلينا يد ماي، أخيرًا ودّعت ماي التي لم تستطع اتخاذ أي قرار إيلينا بدلًا من الإجابة وخرجت، أما إيلينا التي بقيت وحدها فقد جلست على حافة النافذة، فتحت النافذة ورفعت رأسها ليسقط ضوء القمر عليها
"عندما يسقط القمر…"
مدت يدها وأغلقت قبضتها في ضوء القمر كأنها تمسك شيئًا ما بيدها
"يحين صباحي"
تجمّع الخدم أمام الإقامة الرئيسية للدوق الأكبر لتوديع إيلينا التي كانت متوجهة إلى أكاديمية الحدود
"كم مضى من الوقت منذ عودتكِ…وها أنتِ تغادرين مجددًا، لستُ مرتاحًا"
احتضن الدوق الأكبر فريدريك ابنته إيلينا بلطف ثم ابتعد بملامح قلقة على ابنته التي ستذهب للأكاديمية
"لا تقلق عليّ، واهتم بنفسك أبي"
أظهرت إيلينا دور الإبنة البارة التي تحب والدها كثيرًا، متظاهرةً بأن علاقتهما أبويّة حنونة، حتى بدا على بعض الخادمات علامات الحزن وانهمرت دموعهن
"ليف، سأعود قريبًا"
"أتطلع إلى رؤيتكِ وقد أصبحتِ سيدة ذكية سمو الأميرة"
"سأكون عند حسن ظنكم"
بعد أن ودّعت الجميع استقلت العربة الفاخرة وسرعان ما ضرب السائق بسوطه لتتحرك
طقطقة طقطقة
بدأت العربة تتسارع تدريجيًا وغادرت دوقية الدوق الأكبر بسرعة، كانت أكاديمية الحدود الواقعة في أطراف العاصمة الإمبراطورية تبعد ساعات قليلة بالعربة، جلست إيلينا مسندة ذقنها بيدها وبدأت بتنظيم أفكارها وهي تنظر من نافذة العربة إلى المناظر البانورامية للعاصمة
'أردت أم لا، سأقابل صلات عميقة'
كان أول شخص خطر في ذهنها هو رين كان حاليًا طالبًا في كلية الفروسية في الأكاديمية وكان من المحتمل جدًا أن تتشابك طرقهما بطريقة ما لأنه كان شخصًا يجد متعته في مضايقة فيرونيكا
وشخص آخر
'سيان'
الإمبراطور والزوج الذي أحبته ذات يوم أكثر من نفسها، عاشا كزوجين لكن إن كان بمقدورها لن ترغب برؤيته، فعلاقتهما كانت أسوأ من أي علاقة أخرى، لأن رؤيته وحدها كانت تعيد جراح الماضي
'لن يسير الأمر كما أريد'
خلال فترة إقامتها في الأكاديمية لم يكن لديها خيار سوى أن تلتقي به صدفة خصوصًا إذا أقاما في السكن الوحيد المخصص لأفراد العائلة الملكية وأبناء النبلاء من رتبة دوق وما فوق أو أحفاد من حققوا إنجازات عظيمة في بناء البلاد فإن احتمالية مصادفته كانت كبيرة
'سأتظاهر بعدم معرفته حتى إذا صادفته، إيذاء بعضنا قد انتهى مع الحياة السابقة'
بحلول الوقت الذي عزمت فيه إيلينا قرارها كانت العربة قد وصلت إلى بوابة أكاديمية الحدود وبعد تحقق سريع من الهوية، دخلت العربة إلى الأكاديمية، نظرت إيلينا من نافذة العربة إلى المناظر البانورامية للأكاديمية مرت بجانب برج الساعة المألوف والتماثيل نافورة وقاعة تدريب قسم الفروسية واستمرت الجدران الممتدة على طول الشارع الرئيسي الواسع وأبعد من ذلك، كان بإمكانها رؤية أسقف المبنى الغربي القديم المكون من طابقين والذي بدا كفيلا صغيرة
"وصلنا إلى السكن سموك"
عندما أشارت إيلينا إلى الخارج بذقنها سارعت آن لفتح باب العربة وعندما نزلت إيلينا انحنت آن في صمت، تفحصت إيلينا المكان بعناية كان أشبه بحديقة في غابة حيث تناغم المبنى السكني الوحيد مع بركة صغيرة وشجرة غار بانسجام تام
"أأنتم بالخلف؟ أنزلوا الأمتعة"
"أمركِ"
آن التي كانت مذهولة بجمال الخارج سارعت إلى حمل الأمتعة وماي ساعدتها بينما لا تزال تعانق ذراعيها الاثنتين أما هوريليبارد فقد كان يتفحص محيط السكن، وقفت إيلينا في غرفة المعيشة وقاعة الاستقبال في الطابق الأول وأخذت تشير إلى الأشياء التي لم تعجبها
"الستاير قديمة استبدلوها، متى وضعت هذه؟ أزيلوها"
أزالت كل أثر للأميرة فيرونيكا وملأت المكان بإطارات وستائر وسجاد من الدوقية الكبرى لقد كانت على استعداد لتحمل هذا العناء لأنها ستقضي عامًا هنا، صعدت إيلينا إلى غرفة النوم بعدما أصبحت الأمور منظمة إلى حد ما بعد تفحص المكان والتحقق من نظافته جلست على السرير بارتياح
"سنستقبل الكثير من الزوار في الأيام القليلة القادمة تأكدوا أن الضيافة تكون على مستوى عالٍ، آن عليكِ أن تولي اهتمامًا خاصًا بالشاي والوجبات الخفيفة ألن تتمكن ماي من متابعة ذلك إذا قدمتِ مثالًا جيدًا؟"
"بالطبع، ثقي بي سموك"
على الفور أشرق وجه آن حتى وإن لم تكن كذلك كانت تشعر بالضيق لأن ماي أكبر سنًا منها عندما حاولت إيلينا ترتيب التسلسل الهرمي لم يكن لدى آن خيار سوى أن تشعر بالإطراء
كانت ردود الأفعال هذه مخططة بعناية من قبل إيلينا فقد كانت تخطط لتدريب آن دون أن تتدخل بنفسها باستخدام ماي كوسيلة وآن بشخصيتها الجافة ستتعامل بالتأكيد مع ماي كتابعة لها رغم فارق العمر والتحديات التي قد تواجهها
'أيمكنكِ التعامل مع ماي؟'
كانت ماي تلتزم الصمت الآن لكنها كانت أشبه بأفعى سامة وإلا لما حاولت حتى اغتيال الدوق الأكبر
"آن نظفي المكان"
"أمركِ"
غادرت آن الغرفة بحماس وخلف الباب المغلق سُمعت خشخشة درج خشبي وبحلول الوقت الذي خفت فيه الصوت، أخرجت إيلينا بروشًا من الزمرد من صندوق المجوهرات في الدرج
"لدي مهمة لكِ ماي"
مدت إيلينا بروش
"اذهبي إلى الأكاديمية وابحثي عن فتاة تدعى لوسيا في السنة اأولى من قسم علم الأثار، إن وجدتها أعطها البروش"
"أمركِ"
"وأمر آخر، يجب ألّا تعلم آن عن هذا الأمر إطلاقًا، أفهمتِ؟"
أومأت ماي بصمت وابتلعت كلامها دون أن تسأل، بعد خروج ماي شعرت إيلينا بالإرهاق
"مهلًا، أشعر بالنعاس"
تمدّدت إيلينا على السرير وكأنها سقطت منهكة لقد غلبها النوم بسبب التعب الذي تراكم أثناء رحلتها الطويلة في العربة، استيقظت بعد نوم عميق وفتحت عينيها كان الليل قد حل وقد امتدت الشمس غربًا خلف سيوسان
"…كم مضى منذ أن نمت بهذا القدر من الطمأنينة؟"
بدت التوترات وكأنها تلاشت بعدما غادرت البيت الكبير وابتعدت عن مراقبة ليبريك بالكاد صدقت أنها نامت طويلاً في وضح النهار
طرق طرق
سمعت طرقًا على الباب بينما كانت تلمس شعرها وملابسها غير المرتبة
"هذه أنا ماي"
"ادخلي"
فتحت ماي الباب وقدمت البروش ملفوفًا في منديل
"سمعتُ أنها موجودة في الأكاديمية لكنني لم أجدها ذهبتُ إلى السكن والتقيتُ زميلتها في الغرفة وقالت إنها لم ترها منذ بضعة أيام"
"حقًا؟ لا بأس أحسنتِ صنعًا"
عندما استدارت ماي وغادرت غرفة النوم أعادت إيلينا البروش إلى صندوق المجوهرات
"من تكونين يا لوسيا؟"
لم يسبق لإيلينا أن رأت لوسيا من قبل رغم أنهن كنّ في نفس الدورة الأدبية إلا أن لوسيا لم تحضر أبدًا ولم تكن هناك فرصة لرؤيتها قيل إن لوسيا كانت تسجل حضورها في الدروس ثم تغيب طوال العام
"أظهرت أي أعراض قبل بداية الفصل؟"
كما اكتشفت لاحقًا أنها لم تتمكن من البقاء في الأكاديمية وحضور المحاضرات، الحمى الشمالية المعروفة كمرض مستوطن في المنطقة الشمالية ترافقها حمى شديدة وسعال مشابه لأعراض البرد إضافة إلى تقشر الجلد في مراحله المبكرة، كان مرضًا نادرًا في الإمبراطورية التي تشمل المناطق الوسطى والجنوبية من القارة لكنه كان شائعًا بين تحالف الدول الثلاث والشعوب الأصلية في الشمال، ما جعل الحمى الشمالية مخيفة للغاية هو عدم وجود علاج فعّال لها على عكس نزلات البرد لم تكن أي أدوية تُجدي نفعًا وكان يكفي أن يقول الأطباء إن أفضل علاج هو الوقاية
ذكرت لوسيا أنها كانت تعاني من أعراض مبكرة للحمى الشمالية واضطرت للذهاب سريعًا لتلقي العلاج دون أن تتمكن من الحصول على الوقت الكافي لطلب إجازة رسمية وفي ظروف أخرى لم تكن لتأخذ إجازة على الإطلاق ولهذا السبب لم تتمكن من الحضور رغم تسجيل اسمها في دفتر الحضور الخاص بالمحاضرة
تذكرت إيلينا اسمًا كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بلوسيا إنه إيميليو ربّ المستويات العليا في غرفة تجارة كاستول والتي كانت تُعد واحدة من أعلى عشر مستويات في القارة أول مرة سمعت فيها ذلك الاسم كانت عندما تمت ترقيتها إلى الملكة وكان ذلك بسبب انتشار شائعات تفيد بأن إيميليو الذي كان يتنقل بين الشمال والإمبراطورية كان ينفق مبالغ هائلة من المال لعلاج ابنته لوسيا، صادف أن زار إيميليو قبيلة في السهول الشرقية بعدما سمع أن بعض القبائل تمكنت من الشفاء التام من الحمى أثارت محاولاته المستميتة لإنقاذ ابنته إعجاب القبيلة فسمحوا له بالبقاء معهم رغم كونه غريبًا، هل وصل إخلاصه إلى السماء؟ اكتشف إيميليو في النهاية علاجًا للحمى الشمالية الأعشاب الطبية كانت بتلات زهور لامينيرجيا وأثناء بحثه عن سبب عدم إصابة قبائل السهول الشرقية بالحمى الشمالية لاحظ أنهم كانوا يستهلكون بانتظام أوراق زهور لامينيرجيا
في الشمال حيث الشتاء طويل لم تكن زهور لامينيرجيا تنمو وبالتالي لم يكن الناس يأكلونها كما تفعل قبائل السهول خلال هذه العملية أفلس إيميليو تمامًا وخسر كل ما بناه في شركته التجارية التي كرس حياته لها لكن طالما استطاع إنقاذ ابنته كان ذلك كافيًا له كيف يمكن مقارنة ثروته بحياة ابنته العزيزة؟
بعد أن تأكد من فعالية الدواء امتلأ بالأمل في أنه يمكنه إنقاذ ابنته وبحرصه على معالجتها بأسرع وقت ممكن أسرع لزيارتها لكن لوسيا التي قاومت المرض لفترة طويلة معتمدة على وعود والدها بأنه سيعالجها لم تستطع الصمود ليوم واحد إضافي، صرخ إيميليو بحرقة وبكى لأيام أمام قبر لوسيا وعندما هدأ أخيرًا كتب رسالة إلى الأطباء يشرح فيها ما تعلمه عن علاج الحمى الشمالية وفي نهاية الرسالة كتب أمله بألا يموت أي شخص آخر بسبب الحمى الشمالية كما حدث لابنته، بعد بضعة أيام رحل إيميليو الذي فقد كل دافع للحياة كانت مأساة مؤسفة للغاية
إيلينا كرهت المآسي لأنها كانت قد واجهت نهاية مأساوية مثلهم
"في هذا الوضع يا لوسيا، أنتِ فتاة محظوظة"
جلست إيلينا على مكتبها وأخرجت ورقة فاخرة وبعد تعبئة الحبر في قلم الحبر كتبت بضربة واحدة ثم طوت الرسالة ووضعتها في ظرف
"سأنقذ حياتكِ، اعتبريه ثمنًا لإستعارة اسمك"
بعد عام من الآن، كانت إيلينا ستتجول في الأكاديمية باسمها ومكانتها، الابنة الوحيدة لتاجر كاستول وطالبة أثرية محبة للكتب اسمها كان لوسيا
انتهى الفصل