“لن أنهي الأمر بضربة واحدة لن تتمكني من رفع وجهك لفترة طويلة أفكر في ترك ندبة"
لوّحت أفيلّا بيدها بقوة مصممة على تنفيذ تهديدها دون تأخير لكن إيلينا لم ترمش حتى لقد دُفعت إلى أسوأ موقف ممكن تقريبًا ومع ذلك كانت تنظر إلى أفيلّا بعينين ثابتتين، مليئتين بالعزيمة
'هاه، لم أكن أرغب حتى في استخدام قوتي الجسدية'
على الرغم من قوامها الصغير إلا أن إيلينا كانت أقوى من معظم الفتيات النبيلات فخلافًا لهن اللواتي نشأن في رفاهية ودلال نشأت إيلينا كفتاة عادية اعتادت على الأعمال الشاقة وحينما همّت بالتخلص من الأيدي التي كانت تقيدها بشدة…
“ما الذي تفعلونه بحق الجحيم؟”
لم يكن الصوت مرتفعًا لكن يد أفيلّا توقفت في الهواء قبل أن تلامس خد إيلينا وكأن قوة طاغية أوقفتها
“من يجرؤ على—؟”
استدارت أفيلّا بحدة نحو مصدر الصوت مستاءةً من المقاطعة في حين رفعت إيلينا ذقنها قليلاً لترى تعابير وجه أفيلّا كانت كمن رأى شبحًا فقد توسعت عيناها وتشنجت شفتاها
“ص-صاحب السمو…!”
”…!”
تجمدت ملامح إيلينا فور سماعها تلك الكلمات لم يكن لديها وقت كافٍ لتحديد هوية المتدخل من صوته فقط ولكن…
'هل هو حقًا هنا؟ هنا؟'
لو كان الأمر يتعلق برين لما تفاجأت كثيرًا فقد كان دائمًا يتصرف بطريقته غير المتوقعة وربما كان يتبعها لكن ظهور سيان؟ كان أمرًا غير متوقع تمامًا ولم تكن تعرف كيف عليها أن تستقبل وجوده المفاجئ
لم تكن أفيلّا الوحيدة التي أصابها الذعر بل كذلك الفتيات اللواتي كن يقفن حول إيلينا فانحنين بسرعة احترامًا للأمير في لحظة تحوّل الصخب والعدوانية إلى صمت قاتل
خطواته كانت مسموعة وكان لها وقع أثقل مما يبدو على جسده النحيف
“تحية لصاحب السمو"
رفعت أفيلّا طرف تنورتها قليلًا وأدّت تحية رسمية أما إيلينا فلم تستطع رؤية سيان بسبب الفتاة الضخمة التي كانت تقيدها لكنها رأت وجه أفيلّا الشاحب عن قر كان من الواضح أن ظهور سيان في هذا التوقيت أفسد كل شيء عليها
“الليدي أفيلّا، ما الذي تفعلينه؟”
“صاحب السمو، الأمر هو…”
“سأعيد السؤال اشرحي لي ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
“آه…”
وصلت نبرة سيان الباردة إلى أعماق إيلينا ورغم أنها لم تستطع رؤية وجهه إلا أنها كانت تعرفه جيدًا بما يكفي لتدرك أنه كان غاضبًا
أفيلّا، التي شعرت بالإحراج الشديد حاولت التبرير بصوت متردد
“كنتُ أعاقب هذه الطالبة الجديدة على عدم احترامها للفارق بين الكبار والصغار وتمردها على التقاليد أرجو من سموّكم عدم التدخل فهذا شأنٌ بين السيدات"
ببراعة حاولت أفيلّا أن تُبعد سيان عن الموقف متهمة إيلينا بعدم الاحترام ومؤكدة أن هذه مجرد قضية اجتماعية داخل نطاق الأكاديمية لا تستدعي تدخله
لكن سيان نظر إلى كلٍ من أفيلّا إيلينا بتمعن ورغم أن إيلينا لم تستطع رؤيته إلا أنه كان يراها بوضوح
“حتى في موقف كهذا لا تزالين بارعة في الكلام"
“أنا فقط أقول الحقيقة لذا أتمنى ألا يسيء سموّك الفهم"
"يسيء الفهم؟”
توقف للحظة ثم صرّح بوضوح
“هل تتوقعين مني أن أصدق ذلك؟”
“صـ-صاحب السمو؟”
ارتفعت نبرة أفيلّا في توتر الفتيات الأخريات اللواتي كن قد وقفن مع أفيلّا قبل قليل أصابهن الذهول من رد فعل سيان غير المتوقع
“السيدة لوسيا التي أعرفها ليست من هذا النوع من الأشخاص إنها تفهم أصول الاحترام بعمق وأحيانًا تكون مثالًا يُحتذى به للنبلاء كما أنها صادقة تقول الحق دون تردد"
“آه…”
شعرت إيلينا وكأن شيئًا ضرب قلبها فجأة
لطالما حاولت أن تتجاهل فكرة أن سيان قد يكون شخصًا مختلفًا عما كانت تعتقده لكن كلماته الآن…كانت موجهة إليها بصدق
“صاحب السمو…هل تعني أنك لا تصدقني؟”
“الليدي راينهارت"
لم ينادِها باسمها بل بلقب عائلتها واضعًا حاجزًا واضحًا بينهما
“ألم أوضح رأيي بالفعل؟ هل عليّ تكرار الأمر؟”
“حقًا…!”
“عودي إلى مكانك ولا تقتربي من الليدي لوسيا مرة أخرى"
ارتعشت شفاه أفيلّا من الإهانة التي لم تتعرض لها من قبل كانت تحاول يائسة الحفاظ على كبريائها لكنها لم تجد أي مجال للاعتراض
انحنت بصمت ثم استدارت وغادرت أما الفتيات اللواتي كن معها فقد أدركن الوضع وهربن خلفها بسرعة
“توقفي"
“مـ-ماذا؟”
إحدى الفتيات التي كانت تحاول الفرار تجمدت مكانها عندما أشار إليها سيان
“الشيء الذي في يدك لا أعتقد أنه يخصك؟”
في يدها كانت نظارات إيلينا التي أُجبرت على خلعها
“ه-ها هي!”
أسرعت الفتاة بإعادتها إلى سيان ثم انحنت بارتباك قبل أن تهرب دون أن تنظر خلفها
بعد انتهاء المشهد،ك حوّل سيان نظره أخيرًا إلى إيلينا شعرت بإحراج شديد تحت نظراته الواضحة لكنه قال
“هل أنتِ بخير؟”
كما هو معتاد كان وجهه خاليًا من التعبيرات لكن إيلينا استطاعت قراءة القلق الخفي في صوته
“بفضل سموّك…أشكركم على إنقاذي"
“أنا سعيد بسماع ذلك هذا لكِ"
”…!”
وضع سيان النظارات على وجهها بلطف كانت لمسةً لم تعتد عليها من قبل مليئة بالرعاية غير المتوقعة
لم تستطع إيلينا منع نفسها من الشعور بشيء غريب…إحساس لم تعهده من قبل فابتعدت عنه سريعًا محاولةً إخفاء اضطرابها
“شكرًا لك…لإنقاذي"
انحنت له باحترام لكنها تفاجأت بسؤاله التالي
“هل استمعتِ إلى كل المحادثة في المرسم ذلك اليوم؟”
تجمدت إيلينا للحظة ثم قررت أن تكون صادقة
“نعم…لقد سمعتُ كل شيء"
أومأ سيان ببطء ثم سألها
“لكن لماذا لم تسأليني عن أي شيء؟”
“عن ماذا؟”
بدت إيلينا حائرة لكنه تنهد قائلاً
“لا شيء"
بدا وكأنه غير راضٍ عن ردها
ثم تمتم بصوت بالكاد سمعته
“أنا سعيد لأنني أستطيع رؤية وجهك…دون حواجز"
”…!”
شعرت إيلينا بأن قلبها توقف للحظة
***
ساد الصمت في المرسم لم يكن يُسمع سوى أنفاس متقطعة إضافة إلى صوت الفرشاة التي تغوص في الطلاء ثم تحتك بالقماش كان مشهدًا مألوفًا وطبيعيًا تمامًا في المرسم حيث يُتوقع أن يسود الهدوء
كانت إيلينا حريصة على الحفاظ على وضعيتها كنموذج بينما كان رافاييل يحاول التقاط أدق التفاصيل على لوحته كان الجو مثاليًا لدرجة أنهما تمنّيا لو يتوقف الزمن عند هذه اللحظة…حتى جاء الزائر غير المرغوب فيه رين ليعكر صفو المرسم ويشعل الفوضى
“أيها الرسام، أين تنظر؟ هذه اللوحة لا تشبهها أبدًا إنها ليست جميلة إلى هذه الدرجة"
‘أيها اللعين…’
أطلقت إيلينا زفرة غاضبة من أنفها تكتم غضبها داخليًا إذا نظرنا إلى رين حقًا فهو مبدع بطريقته الخاصة—قد يكون تخصصه الحقيقي هو إيجاد طرق لإثارة غضب الآخرين
“أساس فن الصور هو عكس الواقع أليس كذلك؟ أليس هذا سبب سعيك لكسب رزقك كفنان؟”
”…”
“هل رأيت وجهك مؤخرًا؟ تبدو وكأنك على وشك التنهد من الإحباط"
ببراعة صبّ رين الزيت على النار متعمدًا استفزاز إيلينا بكلماته الساخرة كان يتحدث وكأنه خبير مما جعل الدماء تغلي في عروقها
“أنا أراها جميلة كما هي"
“يبدو أن صديقي الرسام يعاني من ضعف في البصر؟”
“فلنفترض ذلك"
لكن الأمر الأكثر إدهاشًا كان مدى تركيز رافاييل فمع تكرار تدخلات رين في المرسم تعلّم كيفية تجاهله تمامًا والاستمرار في الرسم دون أن يتأثر بل إنه بات قادرًا على الحفاظ على تركيز عالٍ أثناء الرد على مشاحنات رين وهو إنجاز بحد ذاته
“إمكانات البشر مخيفة حقًا يا صديقي الرسام عليك أن تشكرني لقد سمحت لك برسم لوحاتك بينما تخوض محادثة ممتعة ألا توافقني الرأي؟”
انتهى الفصل