هزَّ خليف رأسه وكأنه قد ضاق ذرعًا
“ظننتُ أنني اعتدتُ على المفاجآت…ها هناك الكثير من العباقرة من حولي شخص مثلي لا يستطيع مجاراتهم"
“لستُ عبقرية"
“إنه نفس الشيء! لماذا لا يدرك العباقرة أنهم عباقرة؟ هل هو مرض معدٍ؟”
ربما كان شعوره بالنقص هو ما دفعه إلى الانفجار بهذه الطريقة فقد علا صوته بغضب وهذا لم يكن بعيدًا عن الحقيقة فالفنانون الذين كان يديرهم كمُروِّج فني لم يكونوا سوى أساتذة عصرهم وموهبتهم الطبيعية كانت تفوق الوصف لدرجة أن الشخص العادي لا يمكنه سوى أن يحسدهم كان من المحتم أن يشعر المرء بعدم الكفاءة أمام هؤلاء العباقرة
'أتدري؟ الإحساس بالنقص يجعلك تنمو بشكلٍ أسرع'
كانت إيلينا مسرورة برؤية تطور خليف لقد تواصل مع أساتذة عصره في وقت مبكر عما كان في التاريخ الأصلي وهذا التأثير جعله يدرك عيوبه مبكرًا ويعمل بجد وبفضل تعاونه مع إميليو وإتقانه إلى حسّ الأعمال أصبح خليفة أكبر شأنًا مما كان عليه في التاريخ الأصلي
“لديك شيء تجيده"
“حسنًا، هذا ليس مريحًا على الإطلاق"
حتى هذا الجانب منه بدا لها محببًا
“إذًا، لقد تم حل مشكلة الرخام الطبيعي، أليس كذلك؟ سأطلب من والدي تدبير الباقي"
“لا تقلقي"
كانت إجابته مطمئنة للغاية فعمل إميليو كان بلا عيوب وكان كنزًا ثمينًا لدرجة أنها أرادت أن تشكر رين على جمعهما معًا
“لم أطلب رؤيته لهذا السبب فقط هناك أمر بالغ الأهمية"
“وما هو؟”
تلألأت عينا خليف باهتمام مفاجئ وكأن تذمره السابق لم يكن سوى كذبة
“عندما يتم بناء القاعة واكتمال الكاتدرائية سيتغير المشهد المحيط بها تمامًا ستصبح مركزًا ثقافيًا جديدًا"
“لقد فكرتُ في ذلك بالفعل ولكن ماذا عن الأمر؟”
“الأمر نفسه ينطبق على شارع النبلاء الهدف منه هو عزل الطبقة الأرستقراطية لتعزيز إحساسها بالامتياز يبدو أن شارع القاعة وشارع النبلاء مختلفان ولكنهما متشابهان"
“أنتِ تقصدين التنافس مع شارع النبلاء صحيح؟”
“نعم، هذا صحيح"
“أخشى أن تكون حظوظنا ضئيلة فبسبب نفوذ الدوق الأكبر في الإمبراطورية والأموال الطائلة التي تتدفق إلى شارع النبلاء لا يمكننا مجاراته مهما أنشأنا من قاعات"
حاول خليف تقدير حجم التحدي لكنه لم يجد طريقة لمنافسته حتى لو اشتروا الأراضي في الأحياء الفقيرة بثمن بخس وباعوها لاحقًا بأضعاف قيمتها أو احتكروا تجارة الرخام الطبيعي وأعادوا استثماره فإن رأس المال الأولي الذي يمتلكه الدوق الأكبر يفوقهم بمراحل
إضافة إلى ذلك هذه هي عاصمة الإمبراطورية حيث نفوذ الطبقة الحاكمة مطلق ومن المستحيل ممارسة ضغوط تنظيمية ضدهم ومع ذلك لم يظهر أي أثر للقلق على وجه إيلينا
“يبدو أنكِ تخططين لشيء ما"
“هل تعتقد ذلك؟”
“أنا جاد، بإمكاني رؤيته"
“أنت سريع البديهة"
تدخل إميليو الذي نادرًا ما يشارك في محادثات كهذه قائلًا
“إنه شخص"
”…”
“لا بد أنكَ محق"
“إنه والدي"
فوجئت إيلينا بسرعة استنتاج إميليو صحيح أنه كان شريكًا لكنه كان يساعدها بصمت دون أن يسأل عن التفاصيل مما جعله أقرب إلى مساعد مخلص منها إلى مجرد شريك
"أعلم أنكَ تمنحني كل ما لديك"
لو لم يكن إميليو يفهم خطتها بعمق لما تمكن من تنفيذها بهذه الدقة في مواجهة الطبقة الحاكمة
“في النهاية الحياة متشابهة الصراعات على السلطة، الحروب الانتصارات والهزائم…كلها تعتمد على الأشخاص"
ضحكت إيلينا بصمت كانت ضحكة تعبير عن الموافقة
“لا، ما معنى شخص؟ لا تُبقِ الأمر بينكما فقط أخبراني بشيء يمكنني فهمه!”
قال خليف بلهجة متضايقة
“أنا أتحدث عن صنع فارق…شيء لا يوجد في شارع النبلاء لكنه سيكون في البازيليكا*"
//تقصد بالبازيليكا المبنى اللي بتبنيه وبشرح الكلمة بالنهاية//
“إذًا الأمر يتعلق بشخص ما…هذا كل ما فهمته لكن من هو؟ لقد بدأت أفقد صبري!”
“أنت، يا سينيور”
“أنا؟”
رمش خليف بعينيه في دهشة واضحة وكان هناك أثر من الارتباك في تعابيره أومأ إميليو بالموافقة دون أن ينبس ببنت شفة لكن خليفة كان لا يزال متحيرًا وكأنه لم يستوعب الأمر بالكامل
“هل تقولين إن الفارق الذي نصنعه هو…أنا؟”
“نعم"
“أعتقد أنكِ مخطئة ليس لدي هذه القدرة"
ضحكت إيلينا بحرية كانت فخورة بخليف الذي كان قادرًا على تقييم نفسه بموضوعية
“أنت أفضل بكثير مما تعتقد"
“ما الذي يحدث لكِ فجأة؟ أنا حقًا لا أفهم"
“الأمر لا يتعلق بما يوجد في شارع النبلاء بل بما لدينا نحن وما الذي كنتَ تفعله طوال هذا الوقت؟”
توقفت إيلينا لوهلة ثم تابعت بصوت واثق
“أساتذة العصر معنا"
اتسعت عينا خليف في استيعاب متأخر كانت فكرته عن عدم قدرتهم على منافسة الدوق الأكبر تتلاشى ببطء
“رسامون قادوا عصرًا جديدًا مهندسون عباقرة مصممون ثوريون موسيقيون نوابغ علماء سبقوا زمانهم صُنَّاع مهرة يلقبون بشياطين الحرفة…وعدد لا يحصى من الأساتذة جميعهم كبروا تحت رعايتك أنت الوسيط الفني في هذا العصر"
”…!”
شعر خليف بقشعريرة تسري في جسده عندما قرر أن يصبح وسيطًا فنيًا كان يريد ببساطة دعم الفنانين وتوفير مساحة لهم لكنه الآن أدرك أن إيلينا كانت تفكر منذ البداية في استخدام منصبه في لعبة أكبر بكثير
“ستكون القاعة المكان الذي يُعرض فيه إبداعهم والكاتدرائية ستكون السوق التي تُباع فيها أعمالهم مهما كان شارع النبلاء راقيًا فما الذي يمكن أن يخيفنا إذا كان عباقرة العصر معنا؟”
حدّق خليف في إيلينا بدهشة قبل أن يهز رأسه ببطء
“أنتِ حقًا…”
“أنتَ تدرك الآن، أليس كذلك؟ مدى أهمية دورك"
خليف الذي اندمج مع الخطة الكبرى لإيلينا أومأ برأسه وقد استطاعت أن تقرأ الإحساس بالمسؤولية الذي يحمله من خلال إيماءاته الأثقل من المعتاد
“أوه…أشعر بثقل كبير"
“يجب ألا تفعل"
رغم محاولته التظاهر باللامبالاة كان من الواضح أن عينيه تلمعان بحماس لم يسبق له أن شعر به من قبل
“إنه ضغط هائل لكنكِ تعلمين…قلبي ينبض بسرعة؟ أشعر وكأنني مجنون"
***
كان رين مستندًا إلى نافذة المبنى المقابل للمطعم حيث كانت إيلينا وخليف وإميليو يعقدون اجتماعهم السري وبينما كان يواصل مراقبته التقطت عيناه مشهد إيلينا وهي تغادر المطعم عائدة إلى الأكاديمية لم تدرك أن رين كان يراقبها
بعد مغادرتها خرج خليف من المطعم بعد فترة ثم تبعه إميليو الذي كان آخر من غادر متجهًا إلى عربته التي وصلت أخيرًا
“يفعلون ذلك بكل جرأة ألا يثير هذا اهتمامك؟”
في تلك اللحظة كان رين مهتمًا للغاية لم يكن الأمر متعلقًا بشيء آخر بل كان واضحًا أن فيرونيكا كانت تحيك شيئًا ما وإلا فلم يكن هناك سبب يجعلها تتجنب نظره وتتنكر بشخصية لوسيا ثم تلتقي بسيد شركة كاستول التجارية إحدى أكبر عشر شركات في القارة علاوة على ذلك بدا أنها على علاقة عميقة مع الوسيط الفني الذي بدأ يبرز في عالم الفن
“ميل ذلك الخليفة هو تاجر الفن المفضل لدى فيرونيكا؟”
نظر إليه ميل الأنيق الذي كان واقفًا خلفه عند سماعه السؤال كان ميل الذي بلغ أوائل الثلاثينات من عمره قائد منظمة ماجيستي وهي منظمة خاصة تابعة لعائلة باستاش كانت ماجيستي مجموعة متخصصة في جمع وتحليل المعلومات وأحيانًا تنفذ عمليات اغتيال وكانت حتى قبل بضعة عقود واحدة من أقوى القوى التابعة للدوقية الكبرى غير أن عائلة باستاش أعلنت استقلالها وانفصلت عنهم نظرًا لأن ماجيستي كانت ذات جذور متأصلة في العائلة
بحسب القواعد كان على ماجيستي أن تتبع الأوامر المباشرة من والد رين الفيكونت سبنسر الرئيس الحالي لعائلة باستاش لكن رين خالف هذه القاعدة دون علم والده تواصل مع ميل قائد ماجيستي وأقنعه بالخضوع له وكان استخدامه لمعلومات ماجيستي الشخصية دليلاً واضحًا على ذلك
“وفقًا للتحقيقات هذا صحيح يُقال إنه أصبح تاجرًا فنيًا لافتًا للأنظار بفضل عقده صفقات حصرية مع الوافدين الجدد ومن بينهم الأميرة فيرونيكا التي دخلت عالم الفن حديثًا"
“هذا مذهل أليس كذلك؟ كيف تمكن من التعلق بعملاقة مثل فيرونيكا رغم افتقاره إلى العائلة القوية والقدرات المميزة؟”
“هذا لغز بالنسبة لي أيضًا"
“علاقة مزدوجة؟”
“ماذا؟”
ابتسم رين ابتسامة غامضة رغم أن مهارات ماجيستي في جمع المعلومات كانت تُعتبر استثنائية إلا أنها لم تكن كافية داخل الأكاديمية حيث كان الدخول والخروج مقيدًا على الغرباء على وجه الخصوص حقيقة أن لوسيا وفيرونيكا كانتا في الواقع نفس الشخص كانت سرًا لا يعرفه سوى رين
“هل سمعت يومًا عن العلاقة المزدوجة؟ شخص واحد يعيش بهويتين مختلفتين…لا الأمر مختلف يمكننا اعتباره امرأة واحدة تتعامل مع رجلين بهويتين مختلفتين "
“ليس لدي أدنى فكرة عما تتحدث عنه"
ضحك رين بشدة لم يكن هناك شيء أكثر متعة من معرفة فضيحة تخص شخصًا ما دون أن يعرف أحد آخر
“لا بأس مجرد فكرة خطرت ببالي هل اكتشفت أي شيء بخصوص شركة كاستول؟”
“نعم، لقد تصرفوا بطريقة جريئة بشكل مدهش"
“هممم هذه الجملة وحدها تجعلني متحمسًا ماذا فعلوا؟”
عندما أظهر رين اهتمامًا لامعًا في عينيه أجاب ميل بهدوء
“لقد حققوا أرباحًا كبيرة من خلال التدخل في مشروع إعادة تطوير الدوقية الكبرى"
“واو، أليس هذا مذهلًا؟ ليبريك ليست من النوع الذي سيجلس ويراقب ذلك دون أن يحرك ساكنًا"
“لقد اشتروا بالفعل بعض الأراضي في الأحياء الفقيرة قبل أن تبدأ الدوقية في شرائها بالإضافة إلى ذلك وفقًا للتحقيقات وقعوا عقدًا حصريًا مع منجم للرخام الطبيعي ويُفترض أن هذا العقد كان موجهًا أيضًا ضد الدوقية الكبرى"
تصفيق تصفيق
صفق رين بيديه بقوة وعلى وجهه تعبير راضٍ
انتهى الفصل
*البازيليكية مصطلح يشير لمبنى ديني كبير في العمارة المسيحية والرومانية، ويتميز بتصميم مستطيل مع أروقة وأعمدة (اعتقد هذا اللي بتسويه واللي ترجمته قبل مبنى متعدد المهام؟)