“مذهل أشعر وكأنني استيقظت من قيلولة قصيرة بينما مضت ثلاث سنوات إنه حقًا مدهش"
“لقد طال الانتظار"
كانت كلمات ليبريك محملة بمعانٍ عميقة ففي الوقت الذي كانت فيه فيرونيكا فاقدة الوعي كانت الشائعات القبيحة والأكاذيب والاتهامات الملفقة تتهافت عليها من كل حدب وصوب وقد اهتزت استمرارية النسب في الدوقية الكبرى وكان لابد للدوق الأكبر فريدريش وليبريك من إيجاد وسيلة لكسر هذا الجمود إذ أنهما استعدا لتحمّل مشقة السفر إلى الدوقية الواقعة على الطرف الآخر من القارة وجلبا إيلينا لتحل محلها وها هما الآن
“رأيت حلماً"
تابعت فيرونيكا كلامها وهي تقلب خصلة شعرها المتشابكة فوق كتفها
“كنت أقف وسط حقل من الزهور أتأمل في جمالها الفاتن إذ حلّقة فراشة وحطت على مؤخرة يدي"
“فراشة؟”
“نعم، فراشة ذات أجنحة زمردية لامعة غامضة للغاية اندهشت من رقة رفرفة أجنحتها فتبعثرت خطواتي خلفها ثم وعندما غادرتُ حديقة الزهور جلست الفراشة على مؤخرة يدي"
'الفراشات رموز للأمل'
بشكل عام لم تكن ليبريك تؤمن بالخرافات أو المعتقدات بل كانت تتبنى أسلوب التفكير العقلاني والمنطقي وهذا كان أسلوب حياتها ومع ذلك فإن ثقافة الإمبراطورية التي تتبنى كنيسة غايا كدين رسمي لا يمكن فصلها عن الإيمان والخرافة خطرت ببالها فكرة أن الفراشة قد تكون لها دور كبير عند استيقاظ الأميرة فيرونيكا من غيبوبتها
“لكن الفراشة… عضت يدي"
“عضت؟ الفراشة؟”
“لقد كانت كالوشميرة شيء جميل يجرح بشدة"
لابد أن فيرونيكا تذكرت الألم الذي شعرت به حينها فقهقهت
“فقمت بشد الفراشة بين يدي نظرت إليها وأمسكت بجناح منها وسحبت الجناح الآخر"
“…”
أظهرت فيرونيكا رؤيتها وكأنها تمزق قطعة من الورق بيدها بطريقة قاسية لا تلطفها الرحمة
“وبعد أن دبست أجنحة الفراشة الممزقة خيم عليّ الظلام فجأة وعندما فتحت عينيّ رأيت السقف"
في إنجيل كنيسة غايا كانت الفراشة تُعبَّر أيضًا عن كونها رسولاً للنبوءة إذ إن تمزيق وقتل مثل هذه الفراشة يعد أمرًا سيئًا من منظور الإيمان
'إنه مجرد حلم'
حاولت ليبريك نفض الخرافات جانبًا
“الحلم يظل حلمًا والنسيم الليلي أبرد من ذلك ما رأيك في الاستلقاء؟”
“لا حتى النسيم البارد له طعمه فهو يجعلني أشعر بأنني على قيد الحياة"
أخذت فيرونيكا نفسًا عميقًا فيما كان النسيم الليلي يلامس أطراف شعرها الأشقر والستائر
حاولت ليبريك كتمان قلقها مترددة في معارضتها مرة أخرى فقد مرت فيرونيكا بأضعاف المرات بنقطة الحياة والموت إثر تسممها بغموضٍ من سم قاتل وعلى الرغم من أن الأطباء الذين تدخلوا باسمه جاءوا بخطط للتصدي للمشكلة إلا أنهم لم يستطيعوا ابتكار مضاد للسم فكان من الأفضل أن تبقى أنفاسها متزنة
وفي النهاية اضطرت ليبريك إلى المجازفة بحياة فيرونيكا فالتعامل بالمثل كان الخيار الوحيد ولم يكن أمامها خيار سوى اتخاذ قرار جريء ومتهور للتخلص من السم باستخدام سمٍ آخر وبفضل الحظ نجحت في إنقاذ حياة فيرونيكا
“قال لي والدي، توجد ممثلة، دمية ذات فائدة عظيمة"
دمية بالنسبة لفيرونيكا حتى ذكر اسمها كان يُعد تضيعاً للوقت
“نعم أكثر مما كنت أتخيل لأنها تشبه الأميرة لدرجة أن النبلاء لا يشكون في نسبها"
“ليف"
خفضت فيرونيكا صوتها وقالت
“أيمكنك ألا تقول إنها تشبهني؟ هذا يُهينني فأشعر أنني في مرتبة ذلك الحقير"
“…لقد أخطأت في التعبير"
كان أول لقاءهم الأول منذ ثلاث سنوات فنسيَت ليبريك مدى السلطة والامتياز الذي كانت تتمتع به فيرونيكا فقد تغير أسلوب حديث فيرونيكا عندما انزعجت
“سمعت ذلك أيضاً رغم مرور ثلاث سنوات لم يُعثر على القاتل"
تصلبت ملامح وجه ليبريك كان هذا أول خطأ وفشل في حياتها لقد اختفى اللغز دون أثر وبعد ثلاث سنوات لا تزال لم تكتشف من الذي سمم فيرونيكا
“ذلك بسبب قصوري أنا آسفة"
“لقد اعتدت النظر للأمام، يا ليف"
توجهت فيرونيكا التي كانت تتحدث مع النسيم القادم من النافذة برأسها كانت عيناها الباردة كالقمر
“لكن هذه مسألة مزعجة فقد مرّت ثلاث سنوات دون أن يُكشف شيء"
“…”
“أليس كذلك، ليبريك؟”
اتهمتها فيرونيكا ببرود باسمها الحقيقي وليس لقبها فلم يعد عمل ليبريك الذي أنقذ حياتها بمثابة إنجاز استثنائي فكل ما فعلته حتى الآن كان أمرًا مفروغًا منه بالنسبة للتابعة أما فيرونيكا التي توقفت لحظتها عند نقطة الإدمان على السم وفقدان الوعي فلم تدرك أنها لا تزال عاجزة عن كشف من سممها
“الخطأ خطئي أنا آسفة"
انحنت ليبريك برأسها بينما نظرت فيرونيكا إليها بنظرة قاتمة خالية من التعابير
“خسارة واحدة تكفي تذكري دومًا أن أيام والدي معدودة"
كانت فيرونيكا تحذر بوضوح ففي ظل الثقة التي يحظى بها الدوق الأكبر فريدريش الآن تحظى ليبريك بكل الصلاحيات لكن في المستقبل ستتولى فيرونيكا الدوقية الكبرى وفي عهدها لن يكون لمكانة ليبريك ضمان إذ توجد العديد من العقول اللامعة التي يمكن أن تحل محلها
“سأبقي ذلك في ذهني"
“أريد أن أرتاح"
على الرغم من برودة النسيم الذي طالما صاحب حديثها بدا أن فيرونيكا ممتلئة بالطاقة إذ انهارت على السرير بخطوات واهنة وسرعان ما غفوت
أغلقت ليبريك النافذة الليلية وغادرت الغرفة بهدوء
“ما حال الأميرة؟”
“لا يزال السم في جسدها ولم يُحيد تمامًا لذا علينا الانتظار قليلاً لمعرفة التطورات لا مجال للطمأنة بعد"
أومأت ليبريك برأسها واتجهت بعيدًا بعد سماع تقرير الطبيب وبينما كانت تسير في الردهة برفقة لورينتز همست ليبريك بصوت منخفض
“قد نضطر إلى إحراق الدمية أسرع مما توقعنا"
“وماذا عن الدمية؟”
ظهر بريق في عيني لورينتز فأجابت ليبريك ببرود
“ليس من الضروري الاحتفاظ بدمية عندما تنتهي المسرحية، أليس كذلك؟”
***
“الأنشطة الاجتماعية؟”
كانت ليبريك تتحدث مع مدام دي فلانروز وإيلينا في مكتبها
“نعم، لقد استوعبت صاحبة السمو الأميرة هنا تمامًا آداب السلوك واللباقة والصفات الأخلاقية التي يجب أن تتحلى بها الفتاة الراقية وقد أحرزت تقدمًا كبيرًا ومن الآن فصاعدًا يتعين علينا التعلم من خلال الانخراط الكامل في الأنشطة الاجتماعية"
كانت مدام دي فلانروز تُناشد ليبريك باستمرار كجزء من عملية نضوج الفتاة وإدراكها لأهمية الأنشطة الاجتماعية بينما كانت إيلينا تجلس إلى جانبها كانت تشجع مدام دي فلانروز ببطء مستمتعةً بفنجان من الشاي الأسود
'أنتِ تبلي خيرًا، مدام'
شعرت إيلينا أنها محدودة في الخروج كثيرًا تحت ذريعة شراء الأعمال الفنية إذ كان يُعتقد أن المسألة مسألة توقيت فقط ولم يكن بمقدورها تجنب شكوك ليبريك لذا جاءت الفكرة بالانخراط الكامل في الأنشطة الاجتماعية وفقًا للتاريخ الأصلي فور تخرج سيان من المعهد الأكاديمي تم انتخاب سيسيليا كأميرة التاج وتغيرت خطة الدوق الأكبر ونتيجة لذلك سُمح لإيلينا بالمشاركة الفعلية في الأنشطة الاجتماعية مع وعد بيوم محدد
غير أن التاريخ قد تغير وما زالت وظيفة زوجة ولي عهد الدولة شاغرة بالنسبة لليبريك بدلاً من إرسال إيلينا إلى التجمعات الاجتماعية كانت تعتقد أنه من الأفضل تعليمها بهدوء وجعلها أميرة التاج في نهاية المطاف
لذلك استخدمت إيلينا مدام دي فلانروز فقد قررت أن تخوض رهانًا مع مدام دي فلانروز التي كان فخرها بالآداب يصل إلى الأعالي فوافقت على رهان الفائز ورغم أن الأمر بدا طفوليًا إلا أن إيلينا فازت بالرهان وطلبت من مدام دي فلانروز أن تُقنع ليبريك بالسماح لها بالمشاركة في الأنشطة الاجتماعية
“أتساءل هل هذا ضروري؟ فالأميرة ستصبح قريبًا أميرة التاج أعتقد أنه من الأفضل لها الحفاظ على رشاقتها والامتناع عن الكلام الزائد"
ردت مدام دي فلانروز على مناشدة ليبريك دون تردد
“هذه نظرة ضيقة إذا نظرنا إلى الماضي نجد أن العديد من الأميرات والإمبراطوريات اللواتي لم ينالوا دعم المجتمع قد تم القضاء عليهن وأنا متأكدة أن ليبريك تعلم هذا"
“هذا صحيح، لكن…”
“ها هنا بعض الشابات في نفس عمر صاحبة السمو الأميرة واللاتي يُقدرن فضائل المرأة وأنا واثقة أن تواصلها معهن سيساعدها"
على الرغم من مناشدة مدام دي فلانروز، ظلت ليبريك قلقة الآن بعد أن استيقظت فيرونيكا ترددت في السماح لإيلينا بالمشاركة في الأنشطة الاجتماعية
'ما الأمر بها؟ أليس هذا مجرد أمر بسيط لا يستدعي القلق؟'
شعرت إيلينا بشيء غريب فليبريك امرأة تعرف جيدًا كيف تميز بين الربح والخسارة وكان من المهم جدًا كسب الدعم من المجتمع عبر الأنشطة الاجتماعية لتعيين أميرة التاج فلماذا كانت ليبريك، التي لا بد أنها على علم بذلك، تتردد بهذا القدر؟
“… فهمت صاحبة السمو لا تزال تفتقر إلى الكثير لذا أرجو مساعدتها"
“فكرة محكمة فالطيور في القفص لا تستطيع الطيران بعيدًا"
أطلقت مدام دي فلانروز نظرة مُرضية على إيلينا كما لو أن المهمة قد أنجزت ابتسمت إيلينا وأجابتها، ثم غادرتا معًا مكتب ليبريك
خارج القصر خرجت إيلينا لترى مدام دي فلانروز تعود إلى العربة
“سأسألك مرة أخرى صاحبة السمو هل ترغبين حقًا في إقامة أول تجمع اجتماعي لك مع الشابات التي ذكرتِهن سابقًا؟"
“نعم"
أحدثت مدام دي فلانروز انطباعًا قويًا وعلى عكس لقائها مع ليبريك طالبت إيلينا باختيار مباشر للشابات وتنظيم التجمعات الاجتماعية
“أكرر فهن لسن شابات مؤدبات"
كادت إيلينا أن تكبح ضحكتها التي كادت تنفجر فمن الذي يُحدد من يفعل ماذا؟
“يجب أن تمرّي عبر مياهٍ موحلة لتصلي إلى جدولٍ صافٍ لا تقلقي بشأن ذلك نظمي الأمر هذا كان الاتفاق أليس كذلك؟”
“لن أذكره مرة أخرى لأنك قلتِ ذلك"
عندما ظهر لفظ الاتفاق صعدت مدام دي فلانروز إلى العربة بوجهٍ غير سار وفي النهاية بدأ خيل العربة في صفيرها وانحنت إيلينا مع مغادرة العربة هناك مثل يقول يلعبن مع بعضهن البعض وكانت إيلينا تفكر في التآلف معهن لتستطلع خباياهن
انتهى الفصل
أمس ما نزلت واليوم ما لقيت وقت أنزل فقلت أنزل تشابتر على الأقل ولو فيه وقت نزلت الباقي من الأرك اللي دخلناه بس ما اتوقع معليشش 🥹❤️