استيقظتُ تحت أشعة الشمس المنهمرة. ستارة سرير المظلة ترفرف فتعكر الرؤية.
بللتُ شفتي الجافة قليلا بلساني وتمطيتُ.
{تمطيتُ من الفعل تمطى . وتعني مد الجسد او الاطراف بتكاسل وراحة}
ثم رفعتُ جسدي واستندتُ إلى السرير ونظرتُ إلى الأمام بذهول. حرير الثوب الليلي الملتصق بلطف ببشرتي، وملمس الوسادة الناعمة خلف ظهري، جعلاني أدرك أخيرا أن هذا الواقع.
صباح اليوم يقابل ذلك اليوم الماضي حين كنت متحمسة لغرفتي الجديدة فلم أنم جيدا.
في تلك اللحظة طرق أحدهم الباب طرقا خفيفا. ثم فتح الباب ودخل قبل أن أرد.
إنها "ماري" الخادمة المخصصة لي. هذه المرأة التي ينتشر النمش على خديها لا تسلم علي حتى حين تلتقي عيناي بعينيها. بل تهرول نحو النافذة وتسحب الستارة فقط.
"ماري" الماضية كانت كذلك أيضا. كانت دائما متكبرة ومتجهمة. لم تقل كلمة دافئة واحدة طوال خدمتها لي سيدتها.
ولم تكن ترعاني بحرص كما يجب. كانت تتصرف ببرود كأنها غير موجودة، وتفعل ما أطلب بتردد واضح.
في الحقيقة جزء كبير من مقارنتي الشديدة بروينا كان بسبب تصرفاتها الخاطئة في خدمتي. فقد تركتني تقريبا دون تعليم حتى أتعلم حياة السيدات النبيلات رسميا.
رغم أنها خادمة مكلفة بمساعدتي.
لكنني لم أشعر بظلم ذلك بسبب جهلي. فأنا التي أعيش لأول مرة في قصر نبيل، كيف لي أن ألاحظ مثل هذا الفرق.
بل كنت أعتقد "هكذا تعيش سيدات العائلات النبيلة" فتغاضيت عن تصرفاتهم المتعجرفة. أما الآن فأنا أرى نواياهم بوضوح.
ناديت ماري بصوت هادئ.
"اسمك ماري أليس كذلك؟"
فالتفتت إليّ.
"نعم، آنسة."
صوتها الذي تتمتم به بشفتين بارزتين قاس جدا. الاستياء والازدراء في عينيها واضح إلى حد يثير الضحك. من العجب أنني لم ألاحظ هذا الشوائب قبل العودة، فهي مشاعر صارخة.
"تبدين مريضة."
عند كلامي مال ماري رأسها بدهشة.
"ماذا؟ لا، ليس لدي ألم."
"رقبتك تبدو متألمة جدا."
"لا. ليست كذلك أبدا."
"حقا؟"
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة وأشرتُ لماري بالاقتراب. ثم أمسكتُ رأسها المرتبكة وشددته نحوي.
"ظننتُ أن رقبتك تؤلمك فلم تسلمي. لكنها تبدو سليمة تماما. نعم، يجب أن تنحني هكذا أكثر."
"آه. آنسة، يؤلمني. أرجوك أطلقي سراحي."
"حسنا. لكن من المرة القادمة سلمي جيدا عند الدخول. مفهوم؟ الآن اذهبي بسرعة وأحضري ماء الوجه."
عند كلامي نهضت ماري فجأة وركضت خارج الغرفة كأنها تهرب وأحضرت ماء الوجه. ربما قررت تعمد إزعاجي اليوم، فماء الوجه في الوعاء النحاسي بارد، وبدون بتلات الزهور المفترض رشها فوقه.
{معلومه ممتعه . كان يُجلب وعاء غسل الوجه في العصر الفيكتوري للنبلاء بواسطة الخدم حيث يُحمل طَستٌ وإبريق ماء من الخزف أو الفضة إلى الغرفة في الصباح، ويُصب الماء في الطست لغسل الوجه واليدين غالبًا كان يُستخدم ورد داماس (الورد الدمشقي) لرائحته العطرة وشيوعه بين النبلاء.}
لذلك قلبته نحو الأرض.
ششششش.
{صوت انسكاب ماء}
تنظر ماري إليّ بدهشة. عيناها تقولان إنها لا تعرف ماذا فعلت خطأ.
"آنسة؟"
"أحضريه مرة أخرى."
تنظر ماري إلى الأرض باستغراب ثم تخرج بسرعة عند إلحاحي. لكن ماء الوعاء الذي أحضرته كالسابق. لذا قلبته مرة أخرى نحو الأرض. ثم قلت لماري بلطف.
"يجب أن تحضريه مرة أخرى."
"آنسة، إذا كنت غاضبة من شيء فأخبريني. لماذا تفعلين هكذا؟"
"أنت تعرفين ذلك جيدا أليس كذلك؟"
ماري الماضية كانت تُعد ماء لغسل الوجه غير لائق بسيدة نبيلة وثوبا غير مناسب للآداب لتُحرجني. رغم أنه أول إفطار مشترك بعد انضمامي لعائلة الكونت، يوم مهم جدا.
لا زلت أتذكر بوضوح. تعبير زوج أمي الذي لم يستطع الكلام عندما دخلت قاعة الطعام. كان وجهه يتقلص بقوة كأنه رأى ما لا يجب، وسعل متظاهرا.
فزعتُ ووقفتُ مكاني خائفة.
وأمي التي خفضت رأسها خجلا كيف كانت؟ الذروة كانت سؤال روينا البريء
"هل كان ارتداء الثوب صعبا؟"
لا عجب أنهم ضحكوا جميعا عندما رأوني أتوجه إلى قاعة الطعام.
أنا تلك الفترة لم أدرك أنه سخرية، بل ظننتها ترحيبا بالآنسة الجديدة فابتسمت سعيدة. اعتقدت أنهم طيبون جدا. وهم خاطئ تماما.
على أي حال، هل بدأ من هذا اليوم؟ مقارنة العاملين في القصر بيني وبين روينا. وصفوني بآنسة غبية لا تعرف حتى ارتداء ثوب واحد، وازدروني.
لذلك لم يكن صعبا وصفي بابنة عاهرة اعتمدت على جسدها للتقرب من زوج أمي. شخص جاهل تماما بالآداب يتظاهر بكونه الابنة الكبرى فقط لأنه أكبر سنا بسنة، كان ذلك مزعجا لهم.
لكن ماذا لو ظهرت بثوب لائق هذه المرة؟
"يا للأسف. سنتأخر عن الإفطار هكذا. من سألقي اللوم عليه؟ وماذا سيقول أبي إذا علم بهذا؟ لذا أعديه جيدا. هذه فرصتك الأخيرة. مفهوم؟"
أومأت ماري برأسها شاحبة الوجه وبدأت تتحرك بسرعة. يبدو أن تهديدي بإخبار زوج أمي نجح.
بعد قليل جاءت ماري بـ"تحضير" صحيح وهي تراقبني وقالت بأدب.
"آنسة، سأقدم ماء الوجه."
بدأ صباح صحيح لم تعيشه سيزيه الماضية.
بمساعدة ماري تزينتُ جيدا وخرجت، فشعرت بنظرات الخادمات اللواتي يتهامسن عند رؤيتي.
رفعتُ ذقني قليلا لئلا يجدن ثغرة ومشيت بأكبر قدر من التكبر. آداب العائلات النبيلة أتقنتها منذ الحياة السابقة.
لست أنيقة وجميلة كروينا، لكنني لست سيئة إلى حد الإهانة. لذا لن يجدن عيبا في خطواتي.
"من هنا تفضلي."
يقول رئيس الخدم الذي جاء ليصحبني بأمر زوج أمي بلطف شديد. ربما لأنه يعمل قريبا منه، فهو أكثر أدبا من الآخرين. يعود ذلك إلى معاملة زوج أمي الرائعة لأمي.
أثناء سيره أمامي نحو القاعة الواسعة التي بها غرفة الطعام، صادفتُ فارسا بالصدفة. شعره فضي فاتح، وعيناه خضراوان كأوراق الشجر، رجل مثير للإعجاب.
أعرفه. هو لا يعرفني بعد. آه، قلبي يخفق. رفعت يدي وضغطت على صدري الذي ينبض بقوة كأنني التقيت بمالكه.
يا سيزيه الغبية، هل لا زلتِ لم تستفيقي؟
ينظر رئيس الخدم بدهشة إلىّ وأنا أقف أمام الفارس.
"هل هناك مشكلة؟"
هززت رأسي. ثم انحنيتُ قليلا للفارس ومضيت بجانبه بخطوات طبيعية. عيناه الباردة التي لا تعبر عن شيء لمعت لحظة ثم خفت.
ربما وجد وجودي الجديد غريبا. ففي القصر لا توجد سيدة غير روينا.
لكن ذلك للحظة، سيـنسياني قريبا. ففي نهاية نظره "روينا".
نعم، دعيني أعترف. أنا في حياتي السابقة كنت أحب ذلك الفارس.
ريوستوين هالبرد.
فارس النقاء الأسمى. رجل غبي صلب جدا رغم مظهره البراق، ينظر إلى شخص واحد فقط، دمر نفسه بحب أحادي الجانب لا يُرد.
لكن الآن مجرد شعور من الماضي. عرفت أنني لن أصل مهما حاولت حتى الموت، فلا داعي للندم. لذا تجاوزته بسهولة. لا. حاولت ذلك.
عند اقترابنا من غرفة الطعام، أعلن رئيس الخدم بصوت عال دخولي. في الوقت نفسه فتح الباب الكبير المزخرف بأنماط جميلة، وظهر مكان واسع مزين بأثاث فاخر وجواهر.
فيه زوج أمي وأمي وروينا جالسون. عند رؤية أمي ابتسمتُ ابتسامة عريضة وركضتُ نحوها وقبلتُ خديها الجميل.
"هل نمتِ جيدا؟"
ردت أمي بقبلة على خدي وابتسامة.
"هل نمتِ جيدا، يا طائري الحبيب؟"
خفضتُ رأسي بخجل عند همسها.
بعد تحية أمي الحنونة، التفتُ إلى زوج أمي. فمه المتشنج من التوتر يرتجف قليلا.
ربما يحاول الحفاظ على اللياقة مع ابنة زوجته، فظهره المشدود مهيب كحجمه الكبير.
في السابق كنت أرتجف خلف أمي خائفة من هيبته ولم أسلم حتى.
تجاهلتُ تجعيده بسبب ثيابي الخاطئة، ولم أدرك أنه متوتر بسببي أيضا. رأيت فقط شفتيه المغلقتين وعينيه فاعتقدت "شخص مخيف".
لذا عندما ابتسم بصعوبة لكسر الجو المتوتر، صرختُ صرخة غير لائقة بالسيدة. بغباء تام.
انحنتُ بأكثر أناقة ممكنة وابتسمتُ له.
"هل نمتَ جيدا. أبي؟"
رأيته يرتجف عند كلمة أبي، لكنني ركضتُ نحوه كأن شيئا لم يكن وقبلتُ خده الخشن باللحية.
روينا التي كانت تُمدح كملاك بسبب كلامها المدلل وتصرفاتها اللطيفة، لا مانع أن أكون كذلك أيضا أليس كذلك؟
"نعم. وأنتِ هل نمتِ جيدا؟ لم يكن هناك إزعاج؟"
"أبدا. كان مريحا جدا."
عندئذ ابتسم زوج أمي مرتاحا. رفعتُ طرف ثوبي مرة أخرى وانحنتُ خفيفا ثم عدتُ إلى مكاني. متجاهلة روينا التي تنتظر تحيتي.
بمساعدة رئيس الخدم جلستُ على الكرسي، ثم قلت بهدوء كأنني اكتشفتُ روينا المتجهمة قليلا الآن.
"إذن……."
"أنا روينا، أختي."
"أختي، ما هذا اللقب الرسمي؟"
طويتُ عينيّ وابتسمتُ.
"ناديني سيزيه."
في الوقت نفسه ابتلعتُ الكلام الذي وصل إلى حلقي.
لن أكون أختك أبدا حتى لو متُ. أليس من الأفضل نداء الاسم كغرباء؟
"سيزيه، كيف أجرؤ على نداء اسم أختي؟"
"لا بأس. لا أريد أن أعيش معك بلقب أخت كبيرة أو صغرى رسمي. يبدو بعيدا جدا. ونحن تفصلنا سنة واحدة فقط."
احمرت خدّا روينا الجميلتان. قالت لي بوجه ممتلئ بالعاطفة -حتى دموع في عينيها-.
"حسنا. سأفعل ذلك."
يبتسم الجميع لهذا المشهد الدافئ. حتى أمي تنظر إلينا بعينين لامعتين.
غطيتُ خديّ بيديّ كأنني متحمسة لأن زوج أمي حصل على صديقة كابنة.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فصل ممتع . خاصتا مع خادمه ماري وتطورات الجايه . ما اتذكر انها شافت فارس ففصول مانهوا؟ يمكن رسامه حرفت او انا ما تذكرت . عالعموم احس في شيء ورا اختها..... . يلا فصول جايه بتكشف كل شيء