كان وقت مثير للاشمئزاز يتدفق فيه موج التأثر. نظر زوج أمي إلي بدهشة وكأنه لم يتوقع أن أظهر آداب الطعام النبيلة الكاملة.

فبينما كانت أمي تختار الشوكة والسكين بتردد طفيف حسب الطبق، كنت أنا أتناول الطعام ببراعة لا تحتاج إلى نصيحة أحد.

"أين تعلمت هذا؟"

كذبت دون تغيير تعبير وجهي.

"من الكتب. هل كان هناك خطأ في تصرفاتي؟"

"تقرئين الكتب؟"

"نعم. أحب القراءة."

سألتني أمي بدهشة.

"سيزيه، متى تعلمت القراءة؟"

تعمدت تعبير حزن وخفضت رأسي كأنني ارتكبت جرما كبيرا، أتمتم لأثير تعاطف الجميع.

"آسفة لعدم إخبارك مسبقا، أمي. تعلمت الحروف من فوق كتف الآخرين."

{من فوق كتف الآخرين = تعني أنها تعلمت بمراقبة الآخرين دون أن تُعلَّم مباشرة.}

"لماذا لم تخبريني؟"

"كنا في ضيق. لم أرد أن تحزني أو تتعبي بسببي. آسفة للخداع."

مسح زوج أمي ذقنه بأصابعه باهتمام وسألني.

"إلى أي مدى تقرئين؟"

"أقرأ معظم الكتب. ما عدا النسخ النادرة الممزوجة باللغة القديمة."

لمع الذهول في عيني زوج أمي. كان ينظر إلي كأنه يرى عبقرية.

بالطبع، تعلم الحروف وفهم الكتب دون معلم إنجاز لا يحقق بموهبة عادية، فلا عجب أن يندهش.

بالطبع أنا في الواقع أحمق لا يجرؤ حتى على الاقتراب من حرف "ع" في عبقرية، لكن لا يمكنني قول "تعلمت في حياتي قبل العودة"، أليس كذلك؟ من الأفضل تركه يسيء الفهم بنفسه.

"رائع. لكن من الأفضل أن تتعلمي بشكل صحيح، ما رأيك؟"

ابتسمت ابتسامة عريضة كأن الكلام يسعدني جدا.

"نعم. أريد ذلك."

في تلك اللحظة تدخلت روينا بصوت مرح.

"هل يمكنني مساعدتك؟"

كدت أعوج وجهي. قبضت يدي وكتمت العاطفة الجارفة بصعوبة.

سمعة روينا ممتازة لدى الناس. كلامها اللطيف وابتسامتها النقية تجعل الآخرين يتركون انطباعا جيدا. كانوا يقولون إن ملاكا لو تجسد لكان مثل روينا. ومعظم من يقول ذلك يعتقد أنها طيبة.

حتى أنا قبل العودة كنت أظنها طيبة أحيانا. بعض تصرفاتها كانت تحمل لطفا لا يمكن فهمه.

المشكلة أن لطفها هذا، إذا قشرناه طبقة، يقتصر على ما تستطيع فهمه فقط.

لا أزال أتذكر. في أول حفلة شاي معها، نظرتها المتعجبة لأنني لا أفعل مثلها.

ربما كانت تشفق علي من وجهة نظرها، لكنها لم تفهم كم يؤذي الآخر هذا التصرف.

تصرف قد يكون لطفا لها، لكنه من منظور الغير يبدو سلوكا مضحكا، وروينا حقا لم تدرك ذلك.

آه، يا لطف أبيض كالغباء!

نظرتها التي تقيس العالم بمقاييسها تؤذي الجميع وتزيد، بل لها قوة غريبة تجعل من لا يقبل لطفها بصدق يدان بدلا من ذلك.

مثلا، من لا يفهم لطفها يصبح ضيق الأفق في النهاية. أنا كنت ضحية هذا اللطف أيضا.

روينا لم تفهم أبدا أنني مبتدئة دخلت المجتمع النبيل منذ وقت قصير، فلا يمكنني التصرف مثلها بسهولة. دون أن تدرك أنها مميزة.

الضحية دائما أنا لشر يقترب من الغباء.

العبقرية التي تجيد كل شيء لا تفهم العاديين، فتكون كحجر بارز. شيء مزعج يعكر نظام الجميع.

لذلك أردت أن أكون المسمار. أن أصبح مطرقة أقطع تفوقها وأفتته لأجعلها مثل الجميع. لكنني انهارت من الإرهاق.

لذلك لن أجبرها على الفهم بعد الآن. فهو ألم للطرفين، ولن يحدث قبل أن تخرج من معاييرها.

وهذا ينطبق الآن أيضا.

كتمت الغثيان الذي يقلب معدتي بصعوبة، وحاولت الرفض بصوت لطيف.

"شكرا على العرض. لكن هل يمكنني الرفض؟"

"لماذا؟"

ابتسمت لروينا التي تبدو حزينة.

"لأن ذلك سيؤذي الطرفين بالتأكيد."

إذا بدأنا التعلم معا في مكان واحد، سيتكرر الماضي بالتأكيد. ذلك الوقت الجهنمي الذي أقارن بها وجها لوجه. أنا لست مستعدة لمواجهته مرة أخرى.

روينا ردت بسرعة بوجه متضرر كأن الأمر مستحيل.

"لا نعرف ذلك."

"لكنك لا تعرفين كيف تعلمين الآخرين. هذا ليس سهلا."

"إذن يمكنني تعلمه بمساعدتك؟"

"روينا، هل يجب أن أكون صريحة؟ أنا أقول لك الآن إنني أكرهك."

بدت روينا مرتبكة بشكل واضح. ولا عجب، فهي التي كانت تدعى ملاكا كلما أبدت لطفا. متى سمعت رفضا مباشرا كهذا؟

"أريد حقا مساعدتك. ألا يمكن؟ هل لأنك لا تثقين بي؟"

"ليس كذلك. فقط أريد منع ما قد يحدث مسبقا. أنا غير ذكية، فسأجعلك حزينة ومحبطة بالتأكيد. ربما أغضبك. عندها سيقول الناس ويشيرون: الأخت الكبرى السيئة دخلت وأفسدت مزاج الآنسة. لا أستطيع تحمل ذلك."

ما إن انتهى كلامي حتى أطلقت أمي صرخة تشبه النواح وشمت أنفها. وجهها شاحب كأنها تخيلت المشهد، وغطت خديها بيديها. قال زوج أمي بحزم.

"من يجرؤ على ذلك! لا تحزني نفسك بتخيل ما لم يحدث."

"ليس تخيلا."

تمتمت، لكن بصوت يسمعه الجميع، فالتفتت كل الأنظار إلي.

"ما الذي تعتبرينه حقيقة؟ هل أساء أحد إليك؟ سيزيه، أقسم كأبيك أن أحدا في هذا القصر لن يجرؤ على إهانتك."

"يكفي سلوك الخادمة التي تخدمني لأعرف."

توقفت لأن حلقي جاف، وشربت كأس ماء بارد. الجميع يراقب فمي. شعرت بتوتر كاف، فتابعت بهدوء.

"من لا يسلم علي عند رؤيتي، وماء الوجه البارد في الصباح، يوحيان بفكرة واحدة. أن أهل القصر لا يرحبون بي. إن كان غسل الوجه بماء بارد عادة، فاغفروا جهلي برحمة."

"هل هذا صحيح؟"

"نعم، أقسم بالله."

ما إن انتهى كلامي حتى ضرب زوج أمي الطاولة بقوة وقام وصرخ خارج الباب.

"ماغو! أين رئيسة الخادمات؟!!"

لم يصدق أن هذا حدث في بيته، فلم يستطع السيطرة على أنفاسه الخشنة. لم يحتمل أن تهان ابنة زوجته من الخادمة في اليوم الأول.

خاصة أنه كان يشعر بالخجل أمام أمي، فلم يستطع النظر إليها. ألم يهمس لها دائما أنه سيجعلها سعيدة؟

وجه أمي شاحب، وكأنها ستفقد وعيها. لم تستطع تخيل الإهانة التي تعرضت لها ابنتها، فكررت "يا إلهي" وضغطت صدرها بيدها.

"يا إلهي، سيزيه هل أنت بخير؟ كيف حدث هذا؟ لا أصدق."

"روينا، أنا لا أكذب. هل تشكين في كلامي؟"

"لا، سيزيه ليس كذلك..."

أدركت أن روينا تريد الدفاع عن رئيسة الخادمات ماغو. ولا عجب، فماغو كانت مربيتها منذ الطفولة. وبعد وفاة الكونتيسة السابقة، تولت دور الأم أيضا.

لذلك لم تتحمل أن تتورط رئيسة الخادمات التي كانت دائما إلى جانبها ولطيفة معها في هذا الأمر.

لكن ماغو لطيفة مع روينا فقط، أما بالنسبة لأمي وأنا فهي كابوس حي. هذه الثعلبة المخادعة كانت تخاف أن أسرق مكان روينا، فاستخدمت الخادمات المواليات لها لتعذيبنا.

تمردت على سلطة أمي وهزت النظام الداخلي، وأفسدت المناسبات المهمة باسم الكونتيسة بطرق ماكرة. ناهيك عن مقارنتي بروينا وإيذائي.

بسببها لم نحصل أمي وأنا على احترام الآخرين.

لذلك لا أستطيع مشاهدة روينا تدافع عن ماغو أمامي. تعمدت أن أدير رأسي كأنني غاضبة من تصرفها ولا أريد الحديث.

وصلت ماغو إلى القاعة أسرع مما توقعت. هذه العجوز المتشددة انحنت بأدب لزوج أمي وروينا فقط عند وصولها. تجاهلت أمي وأنا تماما. غضبت لذلك لكنني كتمت غضبي. هذا ليس الجزء الرئيسي.

تجاهل زوج أمي تحيتها ودخل في الموضوع مباشرة.

"رئيسة الخادمات، هل أنت من رتبت خادمة لغرفة سيزيه؟"

"نعم. ما الأمر؟"

"ما الأمر؟ هل هذا سؤال يطرح علي الآن؟ خادمة واحدة أهانت ابنتي. كيف يحدث هذا في بيتي!"

"إهانة؟ هذا أول مرة أسمع به. سيدي."

"أحضرت لسيزيه في الصباح ماء وجه بارد في وعاء نحاسي قذر! هل تعرفين كم كانت الإهانة كبيرة للطفلة؟! كيف فكرتِ في تعيين خادمة لا تعرف حتى الأساسيات لسيدة عائلة الكونت! أليس هذا ازدراء لي!"

شحب وجه ماغو عند صراخ زوج أمي. كانت ترتجف خوفا من غضبه.

بالتأكيد لم تتخيل ماغو أن تستجوب بسبب هذا.

أنا التي كنت مجرد عامية وضيعة، ماذا أعرف عن ماء وجه سيدة نبيلة؟ أمر عادي طبيعي لا يصل حتى إلى الشائعات.

لذلك ظنت أنه لن يكتشف إذا سكت الجميع.

في تلك اللحظة نهضت روينا فجأة ودافعت عن ماغو.

"أبي، استمع إلى ماغو. بالتأكيد خطأ ما! هي التي قادت الخادمات ببراعة دون خطأ واحد طوال الوقت. أليس كذلك؟"

فتحت فمي كأنني انتظرت اللحظة ووافقت روينا.

"أوافق على ذلك أيضا. كيف لرئيسة الخادمات التي تشرف على الجميع أن ترتب خادمة لا تعرف الأساسيات لي؟ لكن هناك جزء مشكوك فيه قليلا."

"ما هو؟"

سأل زوج أمي. بدلا من الرد عليه، سألت روينا.

"هل يمكنني السؤال كم سنة عملت رئيسة الخادمات هنا؟"

"ماغو رئيسة خادمات منذ ولادتي."

"أوه، إذن الأمر أكثر غرابة."

"ماذا تريدين قوله؟"

أبعدت نظري عن روينا ونظرت إلى زوج أمي وفتحت فمي.

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

مثيره للاهتمامه روينا . في احتمالين يا تكون جد ساذجه .استبعده ما اعتقد مع عدد فصول روايه طويل . واحتمال تكون روينا شخص عنده عدوان سلبي . فالحالتين وضع مشوق

{العدوان السلبي هو سلوك يُظهر فيه الشخص غضبه أو رفضه بطريقة غير مباشرة، فيخفي مشاعره السلبية خلف مظهر من الهدوء أو اللطف لتجنّب المواجهة المباشرة.}

ملاحظه . تنزيل بيكون قليل حاليا عندي اختبارات . ان شاء الله بس اخلص بجهز دفعات وانزلهم♡ . مختصر يمكن انزل فالاسبوع بس ثلاث فصول او كذا

2025/11/10 · 51 مشاهدة · 1311 كلمة
rory
نادي الروايات - 2026