𝓒𝓱𝓪𝓹𝓽𝓮𝓻 22

رنّ جرس باب المتجر، واقتحم المكان ثلاثة أو أربعة فرسان دفعةً واحدة.

"أين هو؟"

كان رافاييل يصفّ الكؤوس على الرف حين رفع رأسه وأشار بخفةٍ نحو دانتي.

تقدّم رويتر، الذي كان يقف في الخلف، بخطواتٍ سريعة إلى حيث أشار رافاييل.

'ما الذي يجري بحق السماء؟ ألم يكن من المفترض أن يتأكد فقط من أنهم يأخذون ما جاؤوا لأجله...؟'

لكن ما إن وقعت عيناه على دانتي حتى توقف فجأة في مكانه.

نظر إلى المشهد أمامه، ولم يصدق ما تراه عيناه.

صاحب السمو الأمير — بملامح لم يرَ مثلها من قبل، وجه غارق في سُكرٍ أشبه بالمخدَّر.

وأمامه الأميرة ليتيير…

إنها تمسك بيديه؟! ماذا بحق الجحيم؟!

رفع رويتر يده اليمنى، فرك عينيه بقوة، وقال بصوتٍ مبهوت:

"... ما الذي أراه الآن؟"

عند سماع صوته، التفتت ليتيير نحوه.

فرأت رويتر يحدّق بها وبدانتي، وفمه مفتوح من الصدمة.

"هاه؟ السيد رويزن؟"

اقترب رويتر منها محاولًا ضبط ملامحه المرتبكة.

"الأمـ... الأميرة ليتيير! أنتم هنا؟ السكرتير المرافق وفارس الحراسة كادا يُصَابان بالجنون! قالا إنكِ لم تعودي منذ خرجتِ في النهار..."

"آه، التبست الأمور قليلًا أثناء الطريق مع مرافقي الجديد، لكن ماذا تفعل أنت هنا يا سيد رويزن؟"

ألقى رويتر نظرة نحو دانتي، الذي كان لا يزال يحدّق في ليتيير بعينين زجاجيتين خاليتين من التركيز.

'يا إلهي يا صاحب السمو... ما هذا الوضع؟'

"آه! أنا... أنا فقط جئت إلى هنا بالصدفة... أعني، سمعت إشاعة عن هذا المطعم..."

"مطعم؟"

عبست ليتيير وهي تتذكر ذلك الطبق الغريب ذي الصلصة الزرقاء المتوهّجة.

حقًا، أذواق سكان العاصمة لا يمكن التنبؤ بها.

مكان يقدّم طعامًا كهذا... يسمونه مطعمًا.

"يا للحظ! أن نجد الأميرة في مكانٍ كهذا! لمَ لا تعودين معنا؟ وبالمناسبة... من هذا الرجل؟"

صفّق رويتر بيديه وضحك ضحكةً متكلّفة.

التفتت ليتيير نحو دانتي قائلة:

"آه، هذا رويتر صديقٌ لي تعرفت عليه في العاصمة. تناول شيئًا أفسد معدته، لذا هو فاقد للتركيز الآن... سيأتي أحد معارفه ليأخذه قريبًا، وصاحب المتجر يبدو أنه يعرفه. كنت فقط أُرافقه إلى أن يصل."

'هذا أنا؟' فكّر رويتر بدهشةٍ متجمّدة، محافظًا على ابتسامته الرسمية.

"همم... الوقت متأخر بالفعل. هناك كثيرون في القصر الإمبراطوري قلقون بشأنكِ يا أميرة. من الأفضل أن تعودي معنا الآن، ودعينا نترك هذا الرجل مع صاحب المتجر."

أومأ نحو رافاييل بخفة، فاقترب الأخير بسرعة.

وبفطنةٍ منه، فهم الموقف فورًا وقال بلطفٍ متعجل:

"آنسة، من الأفضل أن تتركيه لي وتعودي الآن. يبدو مرهقًا ولن يستفيق قريبًا."

"آه، حسنًا إذن..."

تذكّرت لوسي وإيفرون اللذين كانا ينتظرانها، فهزت يد دانتي بخفة محاولة الإفلات منها.

"رويتر... رويتر..."

لكن دانتي، الغائب عن نصف وعيه، لم يستجب بسهولة.

تبادل رويتر ورافاييل نظراتٍ مرهقة، وقد ارتسم التعب على وجهيهما في الوقت نفسه.

اضطرت ليتيير أخيرًا إلى رفع يدها الأخرى لتفك قبضته بالقوة.

"... لا تذهبي."

"ماذا؟"

"لا تذهبي."

عندها نظر دانتي إلى ليتيير وتمتم بصوتٍ خافت.

ذلك الصوت المليء بالرجاء جعَلها تتوقف في مكانها، عاجزة عن سحب يدها منه.

"آه... يا إلهي! ما الذي تفعله؟ ما بك؟ هاها، كفّ عن هذا التصرف المزعج واستعد وعيك، مفهوم؟"

قال رويتر الكلمات واحدةً تلو الأخرى بتوتر، وهو يبتسم ابتسامةً مجهدة مصطنعة نحو دانتي.

ثم أمسك بأصابع دانتي واحدةً تلو الأخرى، وضغط عليها بقوةٍ كأنه ينوي كسرها.

"استفق حالًا..."

"آه..."

في تلك اللحظة فقط بدأ دانتي يستعيد وعيه قليلًا، وتركزت نظراته الحمراء المشتتة من جديد.

عبس بشدة وهو يشعر بألمٍ حادٍ في رأسه، ثم أرخى قبضته عن يد ليتيير.

"أعتذر... غادري أولًا، آنستي."

"آه! أخيرًا بدأتَ تستعيد وعيك! الأميرة ليتيير، هيا تعالي معنا!"

"... رويتر، أراك لاحقًا."

حرّكت ليتيير قدميها بصعوبة لتغادر.

كان من المؤسف أن ينتهي لقاؤهما بهذا الشكل، لكن لم يكن أمامها خيار، لا بد أن لوسي وإيفرون قلقان جدًا الآن.

ورغم أن هذا قد يكون آخر لقاءٍ بينهما، إلا أن الفراق على هذه الصورة ترك مرارة في صدرها.

مدّت يدها بلطف، ووضعتها على جبين دانتي للحظة وهي تحدق فيه، ثم التفتت لتغادر...

لكنها توقفت فجأة.

"هاه؟"

التفتت لترى شخصًا واقفًا أمامها، فأطلقت تنهيدةً خفيفة.

وجه الفارس أمامها بدا مألوفًا جدًا.

'أهو... هو؟'

"ألستِ تخشين أن ينهار المشروع الذي كافحتِ لبنائه تحت كل تلك القيود؟"

"هذه شركة أولئك الذين تجرؤوا على معارضة الإمبراطور. أليست سذاجةً منك أن تظني أن عملًا كهذا سيستمر دون مشاكل في الإمبراطورية؟"

تذكرت في الحال، ذلك القائد المتعجرف، قائد الفرسان بملامحه الباردة.

الآن كان أمامها، ينحني لها بانعدام أي تعبير، ثم يتقدم بخطواتٍ هادئة، مشيرًا لها أن تتبعه.

"أميرة، تفضلي أولًا! سأُنهي الترتيبات وألحق بكم!"

"السيد رويزن، هل أزعجتُ وجبتكم مع الفرسان دون قصد؟"

"أبدًا! لا تقلقي أبدًا! تفضّلي بالذهاب! بسرعة!"

أومأت ليتيير بخفة لرويتر، الذي كان حريصًا على إبعادها بأسرع ما يمكن، ثم غادرت المتجر.

شعرت بنوعٍ من الارتياح لأنها صادفت فرسان القصر الإمبراطوري في الوقت المناسب.

قادها قائد الفرسان الذي كان يسير أمامها إلى خلف المتجر، وهناك رأت عربة متوقفة تنتظرهم.

"بالمناسبة، لمَ جلبتم عربة إلى تجمع الفرسان؟"

"……"

لم يُجب القائد، واكتفى بفتح باب العربة بصمت.

'هاه؟ هل... تجاهلني؟'

شعرت ليتيير بالارتباك قليلًا، لكنها صعدت إلى العربة بخطواتٍ مترددة بينما كان القائد يرافقها حتى جلست في مكانها.

نظر إليها بصمتٍ طويل، حتى تأكد من جلوسها جيدًا، ثم أغلق باب العربة بإحكام.

"... ماذا..."

ما إن اختفى من أمام ناظريها، أخرجت ليتيير زفرة صغيرة وهي تُخرج شفتيها بانزعاج، ثم جلست في المقعد المريح داخل العربة.

بدأت قدماها تؤلمانها شيئًا فشيئًا، وعيناها تلسعان من الإرهاق.

النعاس والتعب تسللا إليها فجأة.

تساءلت في نفسها:

'هل كنت متوترة إلى هذا الحد بسبب رويتر؟'

وبينما كانت تنتظر بصمت، شعرت بالعربة تتحرك ببطء.

✦ ✦ ✦

"أميـــرة!!"

ركضت لوسي نحوها بأقصى سرعة وخلفها كان وجه إيفرون شاحبًا كالثلج.

"لوسي، إيفرون."

"الحمد لله أنكِ بخير! هل تدركين كم أصبتُ بالهلع عندما اختفيتِ فجأة؟!"

قال إيفرون وهو يفرك صدره بتوتر، ثم رمق زيغلر بنظرةٍ غاضبة، وكان الأخير راكعًا إلى جانبه ورأسه مطأطأ.

لاحظت ليتيير الموقف فسارعت إلى التحدث:

"خرجت دون أن أخبركم، لأن أمرًا مشابهًا لما حدث أمام متجر سايمون في المرة الماضية تكرر، فأردت أن أراقب..."

"سمعت بالأمر. كنتُ قلقًا جدًا عليكِ، خفتُ أن تتورطي في شيء لا داعي له!"

أمسكت لوسي بذراع ليتيير بقوة.

"كنتُ على وشك أن أقطع رأس زيغلر!"

قال إيفرون بعنف وهو يشير إلى زيغلر الذي ازداد انحناءً حتى لامس الأرض تقريبًا.

"إيفرون، الفارس لم يرتكب خطأً. آه، لكن يا زيغلر..."

"... نعم؟"

رفع زيغلر رأسه بارتباك عند نداء ليتيير له.

"هل أمسكت بالشخص الذي طاردته سابقًا؟"

"آه، هذا..."

تبدل وجه زيغلر على الفور، وتلبّدت ملامحه بالحرج.

تلعثم في كلماته، وبدأ العرق يتصبب من جبينه.

كان قد طارد الرجل حتى نهاية الزقاق في الجهة الأخرى، لكنه لم يستطع أن يبوح بما رآه هناك.

أخفى يديه المرتجفتين خلف ظهره وأغلق عينيه.

"ألست قادرًا على الإجابة؟!"

صرخ إيفرون وهو يسحب سيفه من غمده.

"آه... لا! لقد أفلتَ مني! اقتلني إن شئت!"

"إيفرون، كفى!" قالت ليتير وهي تمسك بذراعه لتمنعه.

"لقد عدتَ إلى الساحة، ويبدو أنك فزعت عندما لم تجدني هناك. لكنني عدت بسلام، لا داعي للغضب. اهدأ فقط."

أوقفت ليتيير إيفرون ودافعت عن زيغلر.

'يبدو أن هذا الفارس لم يخطر بباله أصلًا أن يبحث عني في متجر المواد الخام...'

لم تكن ترغب في تحويل المسألة إلى ضجةٍ بلا داعٍ.

كل ما أرادته في تلك اللحظة هو أن ينتهي هذا اليوم الطويل لتستحم وتستريح.

"لوسي، هيا إلى غرفتي. أريد أن أرتاح."

قال إيفرون وهو يعيد سيفه إلى مكانه:

"عليك أن تعلم أنك حيّ بفضل الأميرة."

صرخ زيغلر من الأرض، صوته يرتجف:

"شـ... شكرًا لكِ سمو الأميرة!"

ومن الواضح أن إيفرون لن يتركه وشأنه بعد اليوم، بل سيلاحقه كظله.

تنهدت ليتير تنهيدةً صغيرة، ثم تابعت طريقها بخطواتٍ ثقيلة نحو غرفتها.

✦ ✦ ✦

"سموك."

"……."

"سموك!"

"أنا أسمعك."

في صباح اليوم التالي، زار رويتر مكتب الأمير كعادته.

كان دانتي جالسًا على كرسي مكتبه، ملامحه جامدة كالصخر، يراجع الأوراق أمامه ببرودٍ تام، وكأن شيئًا لم يحدث الليلة الماضية.

نقر رويتر بلسانه متضايقًا من هذا الهدوء المصطنع، ثم قال:

"أتذكُر ما حدث البارحة، أليس كذلك؟"

"بالتأكيد."

"إذن، من الأفضل في الوقت الحالي أن تبتعد عن الأميرة ليتيير."

"كنتُ أنوي ذلك حتى دون أن تطلب مني."

لم يكن دانتي من النوع الوقح الذي يتصل بامرأة فورًا بعد تصرفٍ متهور.

قلب صفحة أخرى من الأوراق بوجهٍ خالٍ من أي انفعال.

قال رويتر بنبرة خفيفة وهو يشبك ذراعيه:

"من الجيد أننا متفقان أخيرًا بعد كل هذه السنين. في هذه الحالة، سأُنهي الإجراءات اليوم، ونعيد الأميرة ليتيير إلى دوقية لينيفير."

"ماذا؟!"

تجمد وجه دانتي للحظة، ثم عقد حاجبيه بقوة.

يرسلها... إلى أين؟

نـــــــهايـــة الـفــــــصـل الثـــــــاني والعشـــــــريـــن

________________________

(للناس الي مافاهمة شربكة الأسماء، رويتر هو الإسم الأصلي لمساعد الأمير وقال لليتيير

ان اسمه (رويزن) لأن دانتي سرق اسمه(بس قدام ليتيير عشان ماتنكشف هويته))

2026/05/29 · 7 مشاهدة · 1345 كلمة
Youna
نادي الروايات - 2026