𝓒𝓱𝓪𝓹𝓽𝓮𝓻 23
"أليس هذا واضحًا؟ لقد كانت مع سمو الأمير خارج القصر لفترة طويلة. هل تظن أنها لم تكن لتلاحظ، مهما حاولت إخفاء صوتك ووجهك بالقناع؟"
لم تلاحظ.
لم يتمكن دانتي من إخراج الكلمات إلا بصعوبة.
من الناحية المنطقية، كان رويتر على حق لكن دانتي لم يكن يرغب إطلاقًا في اتباع منطقه.
"انتظر قليلًا. لن أستدعي الأميرة لفترة من الوقت. ليس من الضروري أن نُعيد ليتيير الآن."
"بل هو ضروري!"
"لأن لها فائدة."
"فائدة؟"
رفع رويتر حاجبيه، وقد بدا أنه يحاول فهم ما الذي يعنيه دانتي هذه المرة.
قال دانتي بهدوء وهو يشيح بنظره إلى النافذة:
"ليتيير على دراية كبيرة بالمواد الخام. وفي حادثة الأمس تحديدًا، عرفت فورًا نوع السم الذي أفقد الضحية وعيه."
"… هل هذا صحيح؟"
"نعم. على عكس فتاة نبيلة تربّت على الرفاهية، كانت تعرف أشياء مثل دم نيكسـي وزهور ليتوفيس. إذا أبقيناها قريبة، ستكون مفيدة."
صمت رويتر، محدقًا في الأرض للحظة وكأنه يعيد ترتيب أفكاره.
أميرة خبيرة بالمواد الخام…؟
"… فهمت في الوقت الحالي."
"جيد. إن كنت قد أنهيت حديثك، يمكنك الانصراف."
"لكن لدي شرط."
"ماذا الآن؟"
قطّب دانتي حاجبيه ونظر إلى رويتر بنفاد صبر.
تظاهر رويتر بعدم ملاحظة النظرة الباردة التي أرسلها له الأمير، ثم قال:
"في أي لقاء قادم بينكما، أريد أن أكون حاضرًا."
"ماذا؟"
"ولا تتحدث كثيرًا مع الأميرة. إن كان لديك ما تقوله، فمرره عبرِي."
"ماذا تعني بهذا—"
"وإذا كان الجواب لا يتعدى (نعم) أو (لا)، فلتكتفِ بالإيماء بدلًا من الكلام."
أمال دانتي رأسه قليلاً، وعلامات الاستياء واضحة على وجهه.
لم يعجبه أيٌّ من شروط رويتر.
"إن لم تستطع أن تعدني بهذا، فسأُعيد الأميرة إلى الدوقية فورًا.
فصلاحية اتخاذ القرارات المتعلقة بعلاج سموك منحها لي جلالته بنفسه."
عند سماع كلمات رويتر الحازمة، اعتدل دانتي في جلسته، وأسند ظهره إلى الكرسي، وعقد ذراعيه بصمت.
كان واضحًا أن هذا "الاقتراح" يحمل تهديدًا مستترًا، نظر إلى رويتر بوجهٍ مليء بالضيق والازدراء.
لم يحتمل رويتر ذلك النظر، فحول بصره إلى الجانب الأيمن.
"… افعل ما تشاء."
وأخيرًا، صدرت الموافقة بنبرة ضجرٍ خافتة.
تنفّس رويتر الصعداء، وانحنى قليلًا قائلًا:
"أشكرك، سمو الأمير."
________________________
"اليوم أيضًا؟"
سألت لوسي بنبرة يائسة.
التفتت لترى رويتر واقفًا عند الباب، يهز رأسه بتعبٍ واضح.
"نعم، حدث مجددًا. أعتذر عن هذا..."
"... فهمت الآن."
أغلقت لوسي الباب بهدوء، وعادت بخطواتٍ بطيئة وكتفيها منحنيين.
"يا أميرة..."
"لوسي، لن يأتي اليوم أيضًا؟"
"نعم..."
تعثرت كلمات لوسي في الهواء.
منذ جلسة العلاج الأخيرة، مرت عشرة أيام من دون أن ترى الأميرة ليتيير الأمير دانتي.
كان الأمير يقدّم أعذارًا جديدة في كل مرة — أنه غارق في العمل، أو مرهق جدًا، أو أن وقته لا يسمح.
"إن كان الأمر هكذا، فلماذا دعاني إلى القصر أصلًا إن لم يكن ينوي مقابلتي لعشرة أيام كاملة!"
تنهدت لوسي بشدة وهي تتابع كلامها.
"ربما هو مشغول فعلًا."
"لكن مهما كان مشغولًا، لا يمكن أن تستغرق جلسة العلاج كل هذا الوقت!"
"كان يجب أن أسأل السيد روِيـزن عن حال الأمير."
"إن جاء غدًا، سأسأله بنفسي."
تناولت ليتيير كوب الشاي أمامها، وبدأت تعبث بحافته بصمت.
مرّ وقت طويل منذ آخر مرة وضعت فيها الكريم على ذراعه في حديقة السكن الخاص بالأمير.
كانت تظن أن المسافة بينهما بدأت تضيق قليلًا...
لكنها ما لبثت أن أفاقت من شرودها، ونهضت عن الأريكة فجأة.
رفعت لوسي رأسها بسرعة وهي تهمهم:
"أميرة! هل تودين الذهاب إلى المختبر؟"
"نعم. ما دام الأمير لا يطلبني، فسأستغل الوقت في عملي."
"إذًا سأرافقك!"
ركضت لوسي خلفها بحماس، لكن ليتيير التفتت إليها وقالت بلطف حازم:
"لا، لوسي، لديّ لك مهمة أخرى اليوم."
"هاه؟ ما هي؟"
"أريدك أن تذهبي إلى متجر سيمون وتحضري لي صبغة الألوان التي طلبتها. كتبت له رسالة، وكنت سأتولى الأمر بنفسي، لكنني أخشى أن يُلام إفرون إن علم بخروجي مرة أخرى."
"همم… هل هي من أجل كريم الأمير أم من أجل منتجاتنا الجديدة؟"
"طبعًا من أجل منتجاتنا!"
عند سماع ذلك، أشرق وجه لوسي مجددًا وابتسمت على الفور.
"حسنًا! سأنطلق حالًا!"
بعد أن أنهت استعدادها وغادرت نحو الحي التجاري، تحركت ليتيير بنشاطٍ غير معتاد.
ليس الوقت مناسبًا للكسل الآن.
وأثناء سيرها نحو مختبر القصر الإمبراطوري، بدأت تخطط لتجربتها الجديدة في ذهنها.
ما زال أمامي الكثير من التجارب!
إن كان غياب الأمير يعني أنني أملك وقتًا إضافيًا، فربما هذا حظي الجيد اليوم!
دخلت المختبر وهي مفعمة بطاقة إيجابية، وتوجهت مباشرة إلى الطاولة الفوضوية.
التقطت أنبوبًا زجاجيًا يحتوي على خلاصةٍ كانت قد حضرتها بالأمس، وحرّكته بميزان حرارةٍ زجاجي لتفحص درجة تركيزه.
طَرق–
في تلك اللحظة، دوى صوت طرقٍ خفيف على باب المختبر.
"هاه؟ من يكون؟"
عند سماع الصوت المنخفض الذي رافق الطَّرق، رفعت ليتيير رأسها عن الكأس التي كانت تفحصها بعناية.
كان رجل طويل القامة، نحيل القوام، يدخل المختبر بخطواتٍ هادئة.
تدلت خصلات شعرٍ فضيٍّ لامع على كتفيه، فانعكست عليها أضواء القاعة بنعومةٍ أخاذة.
"هاه؟! صاحب السمو ولي العهد!"
قفزت ليتيير من مقعدها فور أن تعرفت عليه.
ابتسم آيدن بلطفٍ مائلٍ إلى الخجل، ورفع يده بخفة مشيرًا لها أن لا تتكلف.
"آه، لا حاجة لكل هذا التهذيب. أنا مجرد ضيفٍ غير مدعو."
"لا، بالطبع لا! ولكن… ما الذي أتى بسموك إلى هنا؟"
"رأيتكِ تسيرين في الممر، فتسللت خلفكِ بدافع الفضول."
كان صوته لطيفًا… لكن كلماته فيها من الجرأة ما يكفي لتربكها.
دخل آيدن المختبر ببطء، وأخذ يتفحص المكان بعينيه الزرقاوين.
أومأ برأسه مرارًا كمن يرى شيئًا مسليًا للغاية.
"واو… عند دخولي شعرت بالإثارة أكثر. هكذا إذن يبدو المختبر."
"هل كنتَ فضوليًا بشأن معملي؟"
"نعم. كنت أود أن أرى كيف يبدو أول مختبر تجميل في القصر الإمبراطوري، وكنت فضوليًا كذلك بشأن الباحثة التي تديره."
اقترب آيدن خطوة بعد أخرى حتى وصل إلى طاولة ليتيير، ووقف قريبًا منها ينظر إلى السائل الأبيض داخل الكأس الذي كانت تفحصه.
"هل هذا مستحضر تجميل؟"
"نعم، إنه تركيبة منخفضة اللزوجة. يوضع على الوجه بعد التونر مباشرة."
ضحك آيدن بخفة وقال:
"حتى لو شرحتِ لي، فلن أفهم شيئًا. أنا فقط أضع ما تقدمه لي الوصيفات."
تأملت ليتيير وجهه عن قرب؛ بشرته صافية تمامًا، بلا شائبة واحدة.
يبدو أن وصيفات القصر يقمن بعملٍ ممتاز...
"صاحب السمو، إن كان هناك شيء تحتاجه، فهل ترغب أن أصنعه خصيصًا لك؟"
"أوه؟ هل هذا ممكن؟ سأكون ممتنًا لأي شيء تصنعينه لي، يا أميرة ليتيير."
ابتسم آيدن بمرح وهو يعبث بأحد أوعية المواد الخام على الطاولة، ثم التفت نحوها قائلًا:
"طالما أنه ليس سامًا."
"عذرًا؟"
التقت عيناه الزرقاوان بعينيها مباشرة.
سام؟ ماذا يقصد…؟
حدقت به ليتيير بدهشة، لكنّه انفجر ضاحكًا فجأة.
"كنت أمزح فقط، لماذا تجمدين هكذا؟ تذكرتُ فقط الكتاب الذي كنتِ مهتمةً به آخر مرة التقينا."
"آه…؟"
عندها لمعت في ذهنها صورة غلافٍ أحمر.
كتاب علم السموم البشري!
"آه! لقد أخفتني، يا صاحب السمو!"
"يبدو أنكِ ما زلتِ غير مرتاحة معي… تتوترين حتى من مزحة بسيطة."
"ليس الأمر كذلك..."
"أريد أن أكون على وفاقٍ مع الأميرة ليتيير."
"معي أنا؟"
أومأ آيدن بابتسامة دافئة، فتسارعت أفكار ليتيير للحظة.
تذكرت ما قالته لها لوسي قبل مغادرتها القصر:
"صاحب السمو آيدن… هو الأخ غير الشقيق للأمير دانتي."
وبما أن كليهما يتنافسان على منصب ولي العهد، فلا بد أن العلاقة بينهما متوترة.
هل يحاول التقرب مني ليحصل على معلوماتٍ عن الأمير دانتي؟
بمجرد أن خطر ذلك ببالها، أحست بالإرهاق يتسلل إلى صدرها.
لهذا بالضبط لم أرغب في دخول القصر الإمبراطوري…
أن أُجرّ إلى صراعٍ على السلطة كهذا أمرٌ مقزز حقًا.
"تمامًا كما أتذكركِ."
"... عفوًا؟"
سألت ليتيير بدهشة، تفكر في كيفية الرد إن كان سيعرض عليها شيئًا سريًّا.
'يتذكرني؟ ماذا يعني بذلك؟'
"آخر مرة رأيتكِ فيها في المكتبة، كنتُ مرتبكًا لدرجة أنني مررت بجانبك دون أن أقول شيئًا، لكنكِ لم تتغيري."
"ما معنى (لم أتغير)؟ هل التقينا من قبل؟"
"آه… يبدو أنكِ لا تتذكرين."
تبدّل وجه آيدن البريء فجأة إلى ملامح حزينة.
أخفض أهدابه الطويلة ونظر إلى الأرض بصمتٍ خافت.
أحست ليتيير بوخزة ذنبٍ خفيفة.
"أعتذر، ليست ذاكرتي ضعيفة عادةً…"
"لا بأس، لقد مر وقت طويل، من الطبيعي ألا تتذكري."
"ومتى كان ذلك؟"
سألته مجددًا، فمال آيدن رأسه إلى الجانب وكأنه يفكر قليلًا، ثم رفع زاوية فمه بابتسامةٍ خفيفة.
"لا أريد أن أخبرك."
ما هذا الآن…؟
حقًا، من الواضح أنهما أخوان. حتى في غرابة أطوارهما يشبهان بعضهما!
ضغطت ليتيير شفتيها لتمنع نفسها من التنهيدة، وهي تفكر كم أن الناس في هذا القصر يصعب فهمهم.
"يبدو أنني الوحيد الذي يتذكر، وهذا يحزنني بطريقةٍ ما."
"آه… أنا حقًا آسفة."
"سأعطيكِ تلميحًا إذن."
قال آيدن بخفوتٍ وهو ينحني نحوها قليلًا.
أومأت ليتيير بجدية، متأهبةً للإصغاء.
"أنا..."
راقبت ليتيير حركة شفتيه باهتمام، مستعدةً لأي تلميحٍ سيقوله.
"أنا أكره شاي الجذور."
"شاي الجذور؟"
"نعم، أكرهه… جدًا جدًا."
أنهى آيدن جملته وهو ينظر إليها بعينين تتوقعان منها شيئًا، وكأنها أمام اختبارٍ غامض لا تعرف ما إن كانت تملك الإجابة عليه.
نهــــــــــاية الفصــــــــــل الثالث والعشــــــــــرين