𝓒𝓱𝓪𝓹𝓽𝓮𝓻 24

حكت ليتيير رأسها في حيرة وسألت:

"هل هناك طفل واحد يحب شاي الجذور؟ ذلك الذي يُجبر الأطفال على شربه بانتظام حتى سن السابعة للوقاية من الأمراض المحلية؟ أتذكر أن جميع أصدقائي كانوا يكرهونه."

ضحك آيدن بخفة وقال:

"أنا كنت أكرهه أكثر من الجميع، كان مرًّا جدًا بالنسبة لي."

"أفهم…"

تمتمت ليتيير بصوتٍ خافت وقد بدا عليها الإحباط.

لقد استسلمت تمامًا لمحاولة فهم الأميرين.

إن قال أحدهما نعم، فلنقل نعم… وإن قال لا، فلنقل لا.

راقب آيدن تعبير وجهها، ثم استقام في وقفته وقال بنبرة لطيفة:

"انتهى التلميح عند هذا الحد."

وفجأة، انطلق صوت من عند الباب:

"صاحب السمو، ها أنت هنا! لقد كنت أبحث عنك منذ مدة، فالاجتماع ينتظرك…"

التفتت ليتيير لترى رجلاً ذا لحية طويلة يقف عند المدخل، يتحرك بتوتر.

ومن الشارة على صدره، بدا أنه مساعد آيدن.

نظر ولي العهد إلى مساعده، وتجمدت ملامحه للحظةٍ وجيزة، قبل أن يعيد ابتسامته المعتادة ويتوجه بكلماته إلى ليتيير:

"أميرة، يجدر بي أن أرحل الآن. آمل أنني لم أُضِع وقتكِ كثيرًا."

"أبدًا! آه، هل ترغب أن أقدّم لك شيئًا؟ إنه المصل الذي صنعتُه اليوم…"

"سأكون ممتنًا لذلك."

عند إجابته، أسرعت ليتيير بالدوران خلف طاولتها وسكبت شيئًا من السائل في زجاجة شفافة.

كتبت بسرعة على الملصق: [مصل لمقاومة التجاعيد]، ثم ألصقته على جانب الزجاجة.

"لا أرى أي تجاعيد على وجهك، لكن هذا هو الوحيد الجاهز لدي."

"شكرًا لكِ، من الجيد دائمًا أن أستعد مبكرًا."

قالها بابتسامة واسعة وهو يتناول الزجاجة منها برفق.

كان على وشك مغادرة المختبر، لكنه توقف فجأة عند الباب، ثم التفت نحوها مجددًا.

"أميرة."

"نعم؟"

"هل لي أن أزورك هنا من وقتٍ لآخر؟"

عقدت ليتيير يديها بسرعة وأومأت بحماس.

ففي هذا القصر الواسع، كان عدد الأماكن التي يُسمح لولي العهد بدخولها محدودًا للغاية.

"بالطبع، يا صاحب السمو! المختبر مفتوحٌ دائمًا لك، وسيسعدني سماع آرائك حول منتجاتي."

"حسنًا، يا أميرة ليتيير."

ابتسم آيدن مرة أخرى، ثم غادر المختبر بخطواتٍ هادئة.

وقفت ليتيير تحدق في الباب الذي اختفى من خلاله، تتمتم بصوتٍ خافت وهي تسترجع كلماته الغامضة:

"شاي الجذور…؟"

هل التقيتُ بصاحب السمو من قبل… عندما كنتُ طفلة؟

____________________________

خرج أيدن من مختبر ليتيير وسار في ممرّ طويل داخل القصر.

كان في الأصل متجهًا إلى مكانٍ آخر، لكن ما إن لمح الأميرة ليتيير حتى غيّر طريقه، والآن عليه أن يعود أدراجه إلى وجهته الأولى.

كان السكرتير الذي استدعاه من المختبر يسير خلفه بصمتٍ تام، ولم يتحرك إلا حين وصلا إلى الباب الكبير في نهاية الممر.

قال بصوتٍ خافت:

"جلالتك، سموّ ولي العهد آيدن قد وصل."

انحنى الحارسان الواقفان عند الباب بعمق احترامًا لولي العهد، ثمّ تقدّما ليدفعا الباب الثقيل ببطء.

ومع انفتاحه، ظهرت في عمق قاعة الاستقبال هيئةُ رجلٍ يقف وظهره لهما.

كان يرتدي زِيًّا عسكريًا أنيقًا برقبةٍ مرتفعة وأكمامٍ طويلة وقفازاتٍ تغطي معصميه، وحذاءً أسود يصل إلى الكاحل.

لم يكن شيءٌ ظاهرًا منه سوى شَعره الأسود الكثيف المنسدل على عنقه.

'ما زال يخفي وجهه إذًا…'

أشار آيدن لسكرتيره أن ينتظر خارج القاعة، وتقدّم بخطواتٍ هادئة نحو الرجل الذي يقف أمامه.

"أخي."

عند سماعه صوته، استدار دانتي ببطء عن الكرسي الفارغ الذي كان يحدّق فيه.

لم تكن تلك العيون الحمراء المألوفة هي ما واجهه آيدن، بل ظل القناع الأسود الذي يغطي نصف وجهه.

ارتسمت على شفتي آيدن ابتسامةٌ خفيفة، كأنها مزيج من الدهشة والشفقة:

"مرّ وقتٌ طويل… لم أتوقّع أن أراك هنا في قاعة الاستقبال بنفسك."

رد دانتي بصوتٍ خفيضٍ أجش، وكأنه يخنق كلماته خلف القناع:

"لقد أرسلت سبعة أشخاصٍ يقولون إن الأمر عاجل، فلم أجد مفرًّا من المجيء."

كان صوته الجافّ يجرّ الذاكرة القديمة نحو زمنٍ لم يسمع فيه آيدن صوت أخيه الطبيعي دون قناع.

لكنّه تمالك نفسه، وأومأ بخفوتٍ دون أن يُظهر ما يفكر فيه.

وفي تلك اللحظة، فُتح الباب الجانبي للقاعة، ودخلت الإمبراطورة روزندال بخُطا رشيقة.

"الأمير دانتي… والأمير آيدن، شكرًا لقدومكما."

انحنى الأميران في وقتٍ واحد تحيةً لها.

مرّت بينهما بخطواتٍ واثقة، وصعدت الدرجات القصيرة حتى جلست على الكرسي الذهبي المزخرف في صدر القاعة.

"أُحيي سيدة الإمبراطورية."

كان ذلك التحية المعتادة لكل من يقف أمامها في القصر،

لكن روزندال — حين سمعتها منه — ابتسمت ببطء، وقد تلألأت شفتاها الحمراوان.

إنها جملةٌ بسيطة، لكنها لا تملّ من سماعها… خصوصًا من ذلك الأمير بالذات.

جلست الإمبراطورة في وضعٍ مستقيم، وبنظراتٍ باردة متأنية كانت تتفحّص وجهي الأميرين الواقفين أمامها أسفل الدرج.

"تصرّفكما هذا أسعدني كثيرًا… أن يلبي ولداي النداء فورًا حين أستدعيهما، هذا وحده كافٍ ليريح قلب أمكما."

كلمةٌ واحدة فقط، لكنها كررتها سبع مرّات مع رسلها.

تلك الكلمة التي جعلت الأمير آيدن يكتم ضجره خلف ملامحٍ جامدة، وهو يغير موضع قدميه بصبرٍ محسوب.

رمق دانتي بنظرةٍ جانبية، لكنه ظل صامتًا تمامًا، كتمثالٍ من صخر.

تابعت روزندال بصوتٍ مفعمٍ بالنعومة والسلطة:

"سأتجاوز المجاملات المعتادة. إن سبب استدعائي لكما اليوم، هو أنني أرغب في مناقشة جدول الأعمال الذي سأطرحه في اجتماع مجلس الوزراء القادم."

قالت الإمبراطورة بصوتٍ هادئٍ متأنٍ، وهي تمسد أطراف أظافرها الطويلة المصقولة:

"لقد مضت خمس سنواتٍ كاملة منذ أن عجز جلالة الإمبراطور عن إدارة شؤون الدولة، بعد أن تفاقم مرضه الغامض. وحتى الآن، لم يطرأ على حالته أي تحسنٍ يُذكر."

تأملت أظافرها مرةً أخرى، كأنها تُحدث نفسها من خلالها، ثم تابعت بابتسامةٍ واثقة:

"بما أنكما منشغلان كعادتكما، فسأدخل في صلب الموضوع مباشرةً. ما رأي الأميرين لو تولّيتُ أنا الإشراف الكامل على الرسائل المرسلة إلى جلالته، من تلك التي تحمل طابع التهنئة والشؤون الرسمية؟"

ساد صمتٌ ثقيل.

لم يخرج من الأميرين أي ردّ.

تقلّبت نظرات روزنثال بينهما، ثم رفعت عينيها ببطءٍ وقالت بنغمةٍ رخيمة:

"لن يطول الوقت حتى يستعيد جلالته وعيه الكامل. ومن غير المناسب أن نُثقله بأعباء الحكم في فترةٍ قصيرةٍ كهذه. يكفي أن يرى الجانب المشرق من الإمبراطورية. ثم إنني، طيلة هذه السنوات، لم يختلف رأيي عن رأي جلالته في أمرٍ من أمور الدولة."

ارتج فك دانتي تحت القناع الأسود، وتوترت عضلات وجهه، لكنه لم يُعلّق.

فهو يعلم جيّدًا أنها تدير شؤون الإمبراطورية وحدها منذ أعوامٍ طويلة، وتختبئ وراء ذريعةٍ لطالما كرّرتها: “من أجل استقرار العرش”.

وها هي الآن تستخدم كلماتٍ جديدة لذات الغاية القديمة — السيطرة.

تابعت الإمبراطورة بصوتٍ مفعمٍ بالثقة والدهاء:

"لا شكّ أن هناك من سيعارضني من النبلاء المحافظين. إنهم أولئك الذين يكرهون المرونة ويقدسون القديم. ولهذا السبب، أريد من الأميرين، جناحي الإمبراطورية، أن يُعلنا تأييدهما لرأيي. ما رأيك يا أمير دانتي؟"

رفعت رأسها قليلاً لتتأمل القناع الأسود الذي يحجب ملامحه.

كم كانت تكره هذا القناع — لأنه يُبقي أفكاره مجهولة، بعيدًا عن متناولها.

قال دانتي بصوتٍ خافتٍ خالٍ من الانفعال:

"هل تحتاجين فعلاً إلى رأيي؟"

ابتسمت روزندال ابتسامةً ضيقةً وقالت:

"بالطبع. رأي الأمير الأول في شؤون الإمبراطورية له وزنه الكبير."

تعمّدت أن تؤكد على كلمة الأول، فهي لا تناديه أبدًا بلقب ولي العهد،

بل تذكّره دائمًا أنه ليس سوى الأمير الأول — مجرد لقب دون وراثة.

ظلت تعبث بأظافرها وهي تحدّق فيه، حتى خرج صوته أخيرًا من وراء القناع:

"لا تتوقعي مني الموافقة، لكنني أيضًا لن أصرح برفضي. وكما تعلمين، لا أتحدث كثيرًا في اجتماعات المجلس."

هزت الإمبراطورة رأسها وكأنها تفهم ما وراء كلماته، ثم قالت:

"إن كان الأمر كذلك، فلا بأس. ليس من الجميل أن يرى الناس أمراء الإمبراطورية يدافعون علنًا عن الوصاية. يبدو أن هذه الأم قد قصرت في التفكير قليلاً. أما أنت، يا ولي العهد، هل تشارك أخاك الرأي ذاته؟"

تحرّكت نظراتها إلى آيدن، تلك النظرات الباردة المفعمة بالطموح والدهاء — عيناها تشبه عينَيه تمامًا.

قال آيدن بنبرةٍ هادئةٍ رصينة:

"ليس لدي أي اعتراض، يا صاحبة الجلالة."

ضحكت روزندال ضحكةً قصيرة، ناعمةً ولكنها تحمل سخريةً خفية:

"كم هو جميل أن أرى رأي الأميرين متفقًا إلى هذا الحد. كأننا عدنا إلى الأيام الخوالي، حين كنتما… صديقين مقربين."

كانت كلماتها استفزازًا خفيفًا، لكن دانتي لم يتحرّك، ولم يبدُ عليه أي رد فعل.

فأطلقت الإمبراطورة تنهيدةً صغيرة، وكأنها ملت من جمود وجهه المقنع.

"حسنًا، أظن أن ما أردت قوله قد وصل. عودا الآن إلى أعمالكما. سنلتقي مجددًا في اجتماع المجلس القادم."

قال دانتي بصوتٍ منخفض:

"أمركِ، يا صاحبة الجلالة الإمبراطورة."

ثم انحنى هو وآيدن معًا، بانحناءةٍ عميقةٍ نحو السلالم حيث جلست روزندال متربعة على عرشها الذهبي.

________________________________

بعد مغادرتهما قاعة الاستقبال، سار دانتي وآيدن معًا في ممرٍّ طويلٍ مفروشٍ بسجادٍ أحمر، تفصل بينهما مسافة محسوبة بعناية.

كان آيدن يراقب أخاه الأكبر بدقةٍ وهو يسير خلفه، يدرس حركاته الهادئة وخطاه المنتظمة التي لا تتبدل.

وحين وصلا إلى مفترقٍ يتفرع عنده الممر، حيث تتدلى لوحةٌ ضخمة تُزين الجدار، توقف آيدن.

كان يعلم أن دانتي سينعطف إلى اليمين هناك، بينما طريقه هو يمتد يسارًا نحو جناحه الخاص.

قال بصوتٍ مترددٍ خافت:

"

أخي."

لم يأتِه أي رد.

تابع دانتي طريقه كأنّه لم يسمع شيئًا، خطواته لا تزال بنفس الإيقاع الرتيب حتى لحظةٍ بعينها، حين نطق آيدن مرةً أخرى بصوتٍ أوضح:

"الأميرة ليتيير."

عندها فقط توقف دانتي فجأة، كأن الكلمة اخترقت الصمت واستقرت في صدره.

تجمد في مكانه، نصفُ التفاتةٍ لم تكتمل، بين الرغبة في المضي قُدمًا… والخوف من مواجهة ما أثاره هذا الاسم في أعماقه.

نـهـايــــــة الـفصـــــل الـرابـــع والعشــــريـن

____________________

(ملاحظة:

غيرت اسم الإمبراطورة من "روزنثال" إلى "روزندال" حتى يصير اخف واسهل في النطق،

وهو نفس المعنى: [Rosen وردة] [Thal / Tal وادي] بمعنى "وادي الورود" والاسم أصله ألماني)

2026/05/29 · 6 مشاهدة · 1425 كلمة
Youna
نادي الروايات - 2026