𝓒𝓱𝓪𝓹𝓽𝓮𝓻 25
كان ردُّ الفعل أسرعَ مما كان آيدن يتوقعه.
توقف دانتي في مكانه، فتجمد الهواء للحظةٍ بينهما، وآيدن يحدق بصمتٍ في ظهر أخيه العريض.
ثم استدار دانتي ببطءٍ نحوه.
"الأميرة… ماذا؟!"
ابتسم آيدن ابتسامةً صغيرةً لا تخلو من المرارة، وقال بنبرةٍ هادئةٍ تحمل شيئًا من السخرية:
"لم تتغير أبدًا، أليس كذلك؟"
عبس دانتي قليلًا تحت القناع الأسود، لم يفهم ما الذي يحاول آيدن قوله.
"هل تعرف ليتيير؟"
"هل تعرف الأميرة؟"
سأل آيدن، وكانت قبضتاه قد شدّتا على بعضهما من غير وعي.
في نظره، كان الاثنان — الأميرة ليتيير وأخوه دانتي — متشابهان في شيءٍ واحد:
كلاهما نسي.
كلاهما تركه وحده يتذكر ذلك اليوم.
"أظن أنك لا تتذكر أيضًا… يا أخي."
"آسف، لا أفهم عما تتحدث."
"… فهمت."
قالها آيدن وهو يحدق في القناع الذي يُخفي وجه دانتي، ثم استدار مبتعدًا بلا تردد.
خطواته كانت بطيئة وثقيلة، وكأن كل خطوةٍ تُعيد إليه شيئًا من حزنٍ قديمٍ لم يزل عالقًا في صدره.
لكن صوته سمع فجأة خلفه، منخفضًا وواضحًا:
"آيدن."
توقف أيدن في منتصف الطريق.
لم يُرِد أن يتوقف، لكن قدميه توقفتا رغمًا عنه، فقط لأن أخاه ناداه بتلك النبرة.
"تناول دواءك بانتظام… حتى لو التأم الجرح."
ضحك آيدن ضحكةً قصيرةً حزينة.
ثم أنزل بصره ببطء ورفع كم سترته قليلاً.
على ظهر يده اليسرى، ظهرت آثار حمراء متجعدة — بقايا حرقٍ قديمٍ لم يُشفَ تمامًا.
متى لاحظ هذا؟ متى رأى يدي من جديد؟
ثم، من دون أي كلمةٍ أخرى، واصل دانتي السير مبتعدًا.
ابتعد صوت خطواتهما شيئًا فشيئًا… حتى اختفى تمامًا في أعماق الممر الطويل.
ظل آيدن واقفًا مكانه، يحدّق في الفراغ بعينين غائمتين، ثم أنزل كمه ليُخفي تلك الندبة مجددًا، وتمتم بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه أحد:
"… لم أستطع العثور عليه."
وبقي هناك، وحيدًا، تحيط به الجدران الصامتة والممر الطويل الممتد إلى المجهول.
____________________________
طرق!
"نعم، أنا قادمة!"
ركضت لوسي بسرعة من أمام الخزانة التي كانت ترتبها في غرفة ليتيير داخل القصر الإمبراطوري، عندما سمعت طرقًا على الباب.
وعندما فتحت الباب، كان يقف أمامها رجل لم تره من قبل.
"هاه؟ من أنت؟"
قال الرجل بانحناءة بسيطة:
"آه، اسمي باتريك، كبير خدم القصر الإمبراطوري. جئت بأمرٍ من سمو الأمير لاصطحاب الأميرة ليتيير."
"الأمير؟!"
استدارت لوسي بسرعة نحو ليتيير، التي كانت جالسة قرب النافذة تقرأ بهدوء.
"أميرتي! يقول إن الأمير يريدك حالًا!"
"حالًا؟"
نهضت ليتيير من مقعدها وهي تبدو في حيرة، واقتربت من الباب.
كانت تتوقع أن يأتي السيد رويزن كالمعتاد إذا استدعاها الأمير، لكن الرجل الواقف عند الباب لم يكن هو — بل باتريك، نفس الرجل الذي رافقها إلى القصر في يومها الأول.
ابتسمت له قائلة:
"آه، مرحبًا!"
"طاب مساؤكِ يا أميرة، آمل أن الوقت مناسب لكِ؟"
"آه، نعم! لكن أين السيد رويزن؟ وأين كبير الخدم..."
"السيد رويسن؟"
سأل باتريك بنبرة متفاجئة.
لكن كونه خادمًا ذا خبرة وذكاء، أدرك بسرعة أن ليتيير خلطت بين اسم رويزن ورويتر.
ربما اختلطت عليها الأسماء بعد أن قابلت الكثير من الأشخاص منذ دخولها القصر.
"سكرتير الأمير غادر لبعض الوقت بسبب عملٍ آخر."
قال باتريك ذلك بلُطف، متجنبًا ذكر الاسم الصحيح كي لا يُحرج الأميرة.
أومأت ليتيير بتقدير لتفسيره اللبق.
"آه، فهمت. إذن سأذهب الآن!"
تبعت ليتيير باتريك حتى مكتب الأمير الخاص.
قادها عبر ممر طويل، ثم طرق الباب الكبير وفتحه لها.
بعد أن أنهى مهمته، انحنى أمام ليتيير قائلًا:
"لقد أُمرت فقط بإحضار الأميرة، لذا سأعود الآن."
"آه نعم! شكرًا لك، باتريك."
"على الرحب والسعة."
راقبت ليتيير باتريك وهو يبتعد خطوة إلى الوراء، ثم دخلت عبر الباب المفتوح.
"سمو الأمير، فهمت أنك استدعيتني."
انحنت بأدب، لكن المكتب كان خاليًا.
أين هو؟
بينما كانت تنظر حولها، لاحظت أن الباب المؤدي إلى الحديقة الخاصة بالأمير كان مفتوحًا، فتقدمت نحوه ببطء.
"... قال لي إن بإمكاني المجيء متى شئت."
ترددت ليتيير قليلًا، عضّت شفتها، ثم خرجت من الباب.
كما في المرة السابقة، استقبلتها المناظر الدافئة التي تأسر الأنظار.
"أين الأمير؟"
خطت ليتيير بحذر فوق العشب الأخضر، وقد أعجبها ملمسه الناعم الذي يحيط بقدميها.
"ليتيير."
جاءها صوت الأمير المنخفض من جانبها.
استدارت نحو مصدر الصوت.
"سمو الأمير!"
"مر وقت طويل على آخر لقاء لنا."
"ها…؟"
كان دانتي واقفًا تحت شجرةٍ مرتديًا قميصًا خفيفًا.
لم يكن يرتدي زيه الرسمي الذي يصل حتى رقبته كعادته، بل خلع قفازيه أيضًا، اللذين كان مجرد النظر إليهما كفيلًا بجعل المرء يشعر بالضيق.
أما القناع الأسود الذي يغطي وجهه بالكامل، فما زال في مكانه، لكن ليتيير شعرت بشيءٍ من الفخر لرؤيته بملابس أخف.
فذلك الزي، بالنسبة إليها، كان رمزًا لقلبه المنفتح تجاهها ولو قليلًا.
"سمو الأمير، تبدو أنيقًا ومنتعشًا اليوم، أليس كذلك؟"
قالت ليتيير وهي تقترب منه بخطواتٍ خفيفة.
"إنه يوم جميل."
أجاب دانتي ببرودٍ ظاهري، لكن قلبه كان يخفق بقوة وهو يراها تركض نحوه.
"يبدو أفضل بكثير!"
ابتسمت ليتيير له ابتسامة مشرقة.
تأملت بعينيها عنقه المكشوف، وصدره الظاهر قليلًا من بين الأزرار، ومعصميه وظهر يده بالتتابع.
ورغم أن نظراتها كانت في ظاهرها طبية لتفقد حالته، إلا أن دانتي شعر بجفافٍ في فمه تحت وقع تلك النظرات.
أما ليتيير، فبينما كانت تفحص كل جزءٍ مكشوف من بشرته، كانت أفكارها مشوشة.
مهما نظرت، لم يبدُ عليه أنه يعاني من مرضٍ جلديٍّ خطير كما كانت تسمع.
عنقٌ متناسق الملامح، وصدرٌ قوي، وبشرةٌ على معصميه وظهر يده ناعمةٌ طبيعية.
"هل كل شيءٍ بخير ما عدا وجهه؟"
لكن إن كان الأمر كذلك، فلا داعي لتغطيته الدقيقة لكل ما يُرى منه.
والطريقة الوحيدة لتتأكد هي أن تزيل القناع.
"فلنجلس الآن."
قال دانتي وهو يشير إلى مكانٍ مُعدٍّ بجانب جذع الشجرة، كما في المرة السابقة.
جلست ليتيير بحذر إلى جانبه، بينما جلس هو مستندًا إلى الجذع.
"سمو الأمير، هل لاحظت أي تحسن من المرهم الذي أعطيتك إياه؟"
"لا أعلم."
"آه…"
تغيرت ملامح ليتيير بوضوح، وقد بدا عليها الإحباط.
لم يكن الأمر سهلًا منذ البداية.
"إذن عليّ أن أبدل المكونات إلى مواد مضادة للالتهاب…"
بدأت تدون ملاحظاتها في دفترها الصغير.
"هل لم يُجدِ نفعًا إطلاقًا؟ ماذا عن الحرق؟ هل لا يزال الجلد متيبسًا وقاسيًا؟"
توقف دانتي لحظة، مترددًا في الإجابة.
ففي المعتاد، كان سيرد بعباراتٍ حادة على أي طبيبٍ يسأله، رافضًا الاعتراف بأي تحسن.
لكن هذه المرة، كان يعلم أن قول الحقيقة سيُحزنها كثيرًا.
"ذلك… يبدو أنه خف قليلًا."
"حقًا؟"
رفعت ليتيير وجهها المغمور في الدفتر.
عند تلك البادرة الظريفة، لم يستطع دانتي إلا أن يبتسم بخفة.
"نعم، فعلاً. أرى أنك باحثة تجميل بارعة بعد كل شيء."
"سعدت لأنه نجح قليلاً! أرى بصيص أمل."
انبَهَرت ليتيير قليلاً ودونت في دفترها <ينجح!> ورسمت حول الكلمات نجومًا.
اطلع دانتي على دفترها وتنهد وهو يرفع طرف شفتيه.
مرر يده برفق عبر الشعر الذي ينسدل على كتفي ليتيير.
شعر ناعم وهش اشتبك بين أصابعه.
"ليتيير، كيف حالك؟"
"ماذا... أنا... أجريت أبحاثًا عن التركيبات في المختبر وبحوثًا عن السوق، وهكذا سار الأمر. ألم يكن سمو الأمير مشغولًا طوال هذه المدة؟ لم تتصل بي منذ فترة..."
"لم أكن مشغولًا جدًا. لكن السكرتير لم يفارقني."
"ها؟"
"كافحت قليلًا لأخرجه عن العمل اليوم."
لا يزال الأمير يتفوه بكلمات محيرة.
وليتيير منذ زمنٍ طويل تخلت عن محاولات فهمه.
"... حسنًا."
نظر دانتي إلى ليتيير التي تمتمت قليلاً، ثم افتتح كلامه.
"أليست الحياة في العائلة الإمبراطورية مُحبطة؟"
أحضرها إلى القصر الإمبراطوري لغرض علاج بشرته، وكان يشعر بالأسف لأنه لم يستدعها بشكلٍ لائق.
لو كان الأمر مع أشخاص آخرين، لكان أعادهم مبكرًا قائلًا إن الأعراض لم تتحسن، لكنه يُبقي ليتيير في القصر قسرًا ويختلق أعذارًا متعددة.
"لست محبطة، لكنني متوترة."
"متوترة؟"
شعر دانتي بقلبه ينسحب أسرع قليلًا.
ظن أنه ازداد توترًا بانتظار جواب ليتيير.
"أريد أن أتجول في معامل دوقية لينيفير... أريد أن أزور المصنع أيضًا. أريد أن أذهب إلى السوق وأعاين تفاعل المستهلكين. لكن كل هذه الأمور صعبة الآن وأنا مُقيمة في القصر الإمبراطوري..."
أجابت ليتيير بحذر.
"هل ترغبين إذًا في مغادرة القصر الإمبراطوري؟"
"امم..."
عند سؤال الأمير، دارت ليتيير بعينيها وكأنها تُفكر بجدية.
"أولًا، بعد أن أعالج بشرة الأمير!"
التفتت بسرعة وقبضت على خدي دانتي، مفاجِئةً إياه.
التقط طرفا القناع الصلب تحت يديها.
"......"
لو جذبتُه بقوة بهذه الطريقة، سينزلق قناع الأمير.
نــــهاية الفصــــل الخــامس والعـشــرين
________________________________
(طيب شيلي القناع بقا وريحيني بقا!!)