الفصل 014: العودة إلى قرية «لاكا»
كانت «جاو ينغينغ» تحدّق في الصناديق العشرة الكبيرة الموضوعة أمامها، وقد بدا القلق في ملامحها وهي تخاطب أختها الإمبراطورية. فقد ظلّت تشعر بأن إحسان «السيد الشاب مو» إليهما عظيمٌ جدًّا، وأن ردَّه بمجرد هذه الهدايا يبدو هزيلاً لا يليق.
قالت أختها الإمبراطورية بهدوء: «ينغينغ، هل تظنين أن السيد الشاب مو، بما يملكه من قدرات، سيأبه بما نرسله إليه؟»
أجابت ينغينغ: «الجواب لا شك فيه: لن يُعجب بهذه الأشياء. لكن إعجابه شيء، وأن نقوم نحن بواجبنا شيء آخر.»
ابتسمت أختها الإمبراطورية وقالت: «إذن، سواء أعجب بما نهديه أم لم يُعجب، ما علينا إلا أن نؤدي واجبنا.»
قالت ينغينغ وقد بدا عليها الاقتناع: «فهمت، أختي الإمبراطورية. هل نذهب الآن لنقابل السيد الشاب مو؟»
«نعم! لقد تأخرنا أيامًا، فلننطلق في الحال.»
وانطلقت الأختان من القصر الإمبراطوري متوجهتين مباشرة إلى خارج المدينة، غير عالمتين أن خطواتهما كانت منذ البداية مرصودة من أصحاب نوايا خبيثة.
قصر تيانْتسي
«مولاي، الأميرة السابعة والأميرة الثامنة قد غادرتا العاصمة.»
رفع الشاب الجالس في الجناح رأسه قليلًا عن رقعة الـ«غو» التي كان يلعبها مع رجل في منتصف العمر، ثم التفت إلى الحارس الراكع بجانبه، وهو يواصل تقريره:
«مولاي، لقد أخلت الأميرتان قصر «لينغفنغ» من معظم النفائس، وأخذتا معه جزءًا من الأحجار الروحية وموارد الزراعة الروحية. يُرجَّح أنهما تنويان تقديمها لشخصٍ ما.»
قال الأمير ببرود: «تابعوهما عن كثب، وأبلغوني فور معرفة وجهتهما.»
«أمرك مولاي!»
سافرت الأختان «جاو شانشان» أكثر من ثلاثة أيام بعد خروجهما من العاصمة حتى وصلتا إلى مدخل قرية «لاكا» مجددًا.
قالت شانشان بحزم: «هيا بنا!»
فسارتا إلى طرف القرية الشرقي حتى بلغتا باحة «مو فِييانغ»، غير أن باب الدار كان موصدًا. طرقت شانشان مرتين بلطف، فلم يأتِها رد. فأعادت الطرق مرتين.
قالت ينغينغ في ريبة: «أختي الإمبراطورية، أيمكن أن السيد الشاب مو ليس في الدار؟»
أجابت شانشان: «يبدو أنه خرج!»
ثم أضافت مترددة: «إن لم يكن هنا، فلا شك أنه خارج المنزل.»
قالت ينغينغ: «فماذا نصنع الآن؟ هل ننتظر عند بابه؟»
ابتسمت شانشان قليلًا وقالت: «انتظريني هنا. سأذهب لأسأل أهل القرية، فلعلهم يعلمون أين ذهب.»
وقبل أن تتحرك، سمعت صوت صغار خلفها:
«أيتها الأختان الجميلتان، أتبحثان عن «مو-غِهغه»؟»
كانوا بضعة أطفال من أبناء القرية، وقد تبعوهن بدافع الفضول بعدما رأوا الغربتين تطرقان باب مو فييانغ.
انحنت شانشان نحوهم برفق وقالت مبتسمة: «أحسنت يا صغيري، لقد أصبت! نحن فعلًا نبحث عن «مو-غِهغه». هل تستطيع أن تخبر هذه الأخت إلى أين ذهب؟»
قال الطفل بجدية: «عادةً ما يذهب إلى «نهر الكنوز السبعة» ليصطاد في مثل هذا الوقت. إن أردتن لقاءه، فاذهبن إلى هناك.»
تعجبت شانشان: «نهر الكنوز السبعة؟ وأين يقع هذا النهر؟»
أشار الطفل إلى مسلك ضيق بجوار دار مو فييانغ وقال: «هو في الجبل خلف القرية. سلكن هذا الطريق تصلن إليه.»
كان النهر معروفًا بين أهل القرية لأن فيه نوعًا من الأسماك يُسمّى «سمك الكنوز السبعة»، وهو لذيذ الطعم ومحبوب عند الجميع. لكن منذ عودة «مو فِييانغ» من رحلته الفاشلة بحثًا عن زوجته، قلّ إقبال أهل القرية على الصيد منه، إذ إن مو كان كثيرًا ما يصيد لهم طرائد ويوزعها عليهم جزاءً لجميلهم القديم.
شكرت شانشان الأطفال وأخرجت لهم بعض الفضة: «خذوا هذا واشتروا به ما لذّ لكم.»
لكن الطفل هزّ رأسه وأعاد الفضة إليها قائلًا: «أمي أوصتنا ألا نأخذ شيئًا من الغرباء بلا سبب. شكرًا لكِ، لكن لا أستطيع أخذها.»
ثم فرّ مع رفاقه، تاركًا الأختين في دهشة من نُضج عقول هؤلاء الصغار.
قالت شانشان لأختها: «لنذهب! فلنلحق بالسيد الشاب مو.»
سلكتا الطريق الضيق حتى وصلتا إلى ضفة النهر، فإذا بهما تبصران شابًا يجلس هناك، لم يكن سوى «مو فِييانغ». وعن يساره كلب أسود ممدّد، وعن يمينه شيء غريب لم تَرَ مثله الأختان قط، وكان فيه رضيع يجلس ويُصدر أصواتًا مرحة.
نادتا معًا: «السيد الشاب مو!»
وما إن انحنتا لتحيّته حتى تجمّدتا في مكانيهما وقد اعتلت وجهيهما الصدمة.
فالرضيع الصغير الذي لم يتجاوز عمره عامًا واحدًا، والذي كان يلوّح لهما ببراءة، لم يكن طفلًا عاديًّا، بل كان ذا قوى زراعية في مقام الفطرة !
تزلزلت قناعاتهما في تلك اللحظة. فهما الأميرتان اللتان قضتا خمسة عشر إلى عشرين عامًا في الزراعة الروحية، وقد بلغَت إحداهما المرحلة السادسة من مقام «فاجرا»، والأخرى المرحلة الثامنة من مقام «بحر الروح». ومع ما توفر لهما من مواهب وموارد، كانتا تُعدّان متقدمتين بين أقرانهما.
أما الآن، فها هو طفل لم يُكمل عامه الأول، قد تجاوزهما بمراحل! كيف لا يصدمهما ذلك؟
ابتسم مو فِييانغ وقال بهدوء: «آه، لقد جئتما في الوقت المناسب… اليوم ستشهدان أمرًا مدهشًا!»