الفصل 016: غضب مو فَيَيَانغ
"هوووف… هوووف، هوووف!"
وبينما كانت تشاو شانشان غارقة في تفكيرها، أعادها نباح كلب مفاجئ إلى وعيها، فالتفتت إلى الكلب الأسود القابع بجانبها.
رأته ينهض ويشير بمخالبه نحو القدر الكبير الموضوع على الطاولة، فاستفاقت شانشان سريعًا وأسرعت تصبّ المواد التي كان مو فَيَيَانغ قد أعدّها من قبل داخل القدر؛ تمامًا كما أوصاها سابقًا.
ولولا تنبيه الكلب لها، لكانت قد نسيت الأمر تمامًا. غير أنّ دهشتها ازدادت من ذكاء ذلك الكلب.
وبعد قليل، خرج مو فَيَيَانغ يحمل طبقين: أحدهما يحوي شرائح من سمك "الكنوز السبعة"، والآخر فيه لحم الدجاج الذي أعدّه للتو.
قال وهو يضع الطبقين: "آنسة تشاو، تعالي وساعديني في إحضار بعض الأشياء."
ثم عاد إلى داخل البيت، فتبِعته شانشان على عجل.
أما تشاو يينغيينغ، فكانت واقفة تحمل مو تشينغ لينغ بين ذراعيها قرب الطاولة، وقد أغرتها الرائحة الزكية المتصاعدة من القدر، فما لبثت أن ابتلعت ريقها بشوق.
لم تكن تعلم بعد ما هو "الهوت بوت"، لكن مجرّد شَمّ عبير المرق جعلها تتطلّع إليه بشغف غير مسبوق.
خرجت شانشان وهي تحمل ثلاثة مقاعد، بينما كان مو فَيَيَانغ يخرج بثلاثة أوانٍ مع عيدان أكل وبعض المشروبات.
"هلمّوا، اجلسوا جميعًا، فالطعام جاهز."
ثم التفت إلى يينغيينغ وقال: "سلمي الصغيرة لي."
أخرج عربة ابنته، وأخذ الطفلة من بين ذراعي يينغيينغ، ووضعها برفق داخلها.
"شكرًا لك، يا سيّد مو!"
جلست الأختان بأدب، لكن الحيرة بدت عليهما إذ لم تعرفا كيف تبدآن، فاللحم على الطاولة كان ما يزال نيئًا.
ابتسم مو فَيَيَانغ وقال: "أنتم ضيوف مرحَّب بهم دائمًا. الأمر أبسط مما تظنان. تابعاني فقط، وستفهمان."
ثم تناول قطعة من اللحم وغمسها في القدر، مبيّنًا لهما طريقة الأكل.
نظرتا إلى حركاته بتمعّن، ثم فعلتا مثله بحماس.
"ممم!" "يا له من طَعم رائع!"
لم تكد كل منهما تبتلع أول قطعة من السمك، حتى أسَر الطعم حواسّهما تمامًا، ولم تذوقا يومًا لحمًا بمثل هذه النكهة الأخّاذة.
حتى إنهما اعتبرتا أن ما كانتا تتناولانه في القصر الإمبراطوري من قبل لا يساوي شيئًا، أشبه بعلف الخنازير.
ضحك مو فَيَيَانغ وقال: "إن أعجبكما، فلتأكلا المزيد."
ثم غمس قطعة أخرى من السمك، وقدّمها لابنته الصغيرة التي نهضت داخل عربتها تشدّ ثوبه بشوق حين رأت والدها يتناول الطعام.
وفيما كانوا منشغلين بالهوت بوت، كانت مجموعة من الرجال بملابس سوداء قد وصلت إلى مسافة مئة ميل من قرية "لاغا". وكان من مشيتهم يتضح أنهم ليسوا أناسًا عاديين، بل ممارسو فنون الزراعة الروحية.
قال أحد المتقدّمين منهم للرجل الراكع أمامه: "هل تحققت من الأمر جيدًا؟"
فأجابه: "أُبلِغُ سيادتكم أنني تحققت. الأميرةان موجودتان في قرية جبلية صغيرة على بُعد مئة ميل، داخل أحد البيوت."
سأله: "وما حال تلك القرية؟"
قال: "كل من فيها أناس بسطاء، صيادون يعيشون على ما يجود به الجبل، ولا يتجاوز عددهم العشرات."
أطلق القائد أوامره بصرامة: "اسرعوا المسير بأقصى سرعة. وعند الوصول، حاصروا القرية كلها. امنعوا خروج أي أحد. اقتلوا كل من تروْنه بلا رحمة!"
"أمرٌ مطاع!"
وبالنسبة لهؤلاء المزارعين، لم يكن قطع مسافة مئة ميل يستغرق أكثر من نصف ساعة. وما إن وصلوا إلى لاغا حتى انتشرت فرقة منهم لتطويق القرية، بينما تقدّم القائد مع البقية إلى داخلها.
في تلك اللحظة، كان شيخ قد أنهى طعامه وخرج يتمشّى، فوقع بصره على ذلك الجمع الكبير. وببراءة، اقترب ليسأل عن مقصدهم، إذ اعتاد القرويون أن يروا غرباء يعبرون طلبًا للصيد أو للراحة.
لكنّه لم يُكمل جملته: "ماذا تفعلون في قريتنا لا…"
حتى اخترقت صدره فجأة شفرة طويلة. نظر الشيخ مذهولًا إلى السيف المغروس فيه، تلفظ ببضع كلمات متقطعة، ثم سقط جثة هامدة.
قال القائد: "فانغ جين، خذ فريقًا واقتل كل من في القرية. أما الباقون، فمعي. دلّنا على الطريق."
"أمرك سيدي!"
قادهم الرسول السابق نحو الجهة الشرقية من القرية، فيما الثلاثة عند الطاولة ما زالوا غارقين في طعامهم غير مدركين ما يجري.
لكن في الحقيقة، لم يعد الثلاثة يأكلون؛ إذ سرعان ما شحب وجه الأختين بعدما أحستا بطاقة روحية هائلة تجتاح جسديهما بمجرد أن تذوقتا قطعة دجاج.
توقفا عن الأكل فورًا، وجلسا في الحال يتأملان لترويض الطاقة الهائجة.
تساءلتا في رعب: "هل هذا لحم دجاج بري؟ أم أنّه وحش ياو؟"
أما يينغيينغ فازدادت دهشة؛ فقد سبق أن تناولت لحم خنزير شيطاني من الدرجة السادسة، وكان بفضله أن ارتقت إلى المستوى السادس من "عالم الفَجْرا". لكن الطاقة في قطعة اللحم هذه فاقت بأضعاف ما اختبرته آنذاك.
وكانت على حق؛ إذ لم يكن ما جلبه الكلب الأسود دجاجة برية، بل طائر "الفينيق" من السلالة العليا في جبال الرعد. ورغم أنه كان لا يزال في طور النمو ولم يتجاوز مرتبة الوحش السابع، إلا أن الفينيق مخلوق إلهي لا يُقارن بسائر وحوش ياو.
لذلك، لم يكن عجيبًا أن يفيض جسده بطاقة روحية تفوق تلك التي حملها الخنزير الشيطاني.
"هوووف! هوووف، هوووف!"
انبعث نباح الكلب الأسود فجأة، فاتسعت عينا مو فَيَيَانغ وهو يلتفت نحوه في حيرة، ثم لاحظ أنه ينبح باتجاه خارج الساحة.
كان ذلك تحذيرًا له بوجود غرباء يضمرون الشر.
"همم؟"
أطلق مو فَيَيَانغ وعيه الإلهي إلى الخارج، وما إن رأى ما يحدث، حتى علا غضبه كالبركان.
صرخ: "أيها الأوغاد… تبتغون الموت!"
واختفى جسده في طرفة عين، ليظهر عاليًا في سماء القرية، حيث انبثق منه هالة مروعة جمّدت المكان برمّته.
هدر صوته يزلزل الأجواء: "يا أبناء الجحيم… تجرؤون على سفك الدماء في قريتي لاغا؟! لا يهمّ من أنتم، ولا أي قوة تقفون خلفها… سأقتلعكم من جذوركم!"