الفصل 017: العقل المدبّر

ظهر مو فَيَيَانغ فوق قرية لاغا وملامحه يعلوها السواد والكآبة؛ إذ أدرك من خلال حواسه أنّ جميع أهل القرية قد أُبيدوا على يد جماعة من الرجال ذوي الثياب السوداء.

لم ينجُ واحد من أكثر من خمسين نفسًا في لاغا؛ أولئك القتلة لم يرحموا أحدًا، لا رجلاً ولا امرأة، ولا شيخًا ولا طفلًا. حتى الدواجن والماشية ذُبحت بوحشية. أكثر من خمسين روحًا أُزهقت هكذا بلا ذنب!

ومع أنّ مو فَيَيَانغ كان قد حاز قوةً لا تُقهَر بفضل ما وُهِب من فنون الزراعة الروحية، إلا أنّه لم يسفك دمًا قط. ففي حياته السابقة كان طالبًا جامعيًا على الأرض، تلقّى تعليمًا راقيًا، وظل يحمل في قلبه بقايا من تلك المفاهيم؛ فلم يكن يقتل دون سبب.

غير أنّ ما رآه اليوم أيقظ فيه غضبًا لا يعرف الرحمة؛ فهؤلاء ليسوا حيوانات، بل بشر قضوا في مجزرة. لقد عاش بينهم أعوامًا، حتى وإن لم تكن صلته بهم وثيقة، فإنّهم كانوا جيرانه، وكان موتهم في أرضه إهانة مباشرة له.

هبط صوته كالرعد، فاندفع كل ذي ثوب أسود في القرية نحو حيث يقف.

قال بصوت يقطر وعيدًا: "أمنحكم فرصة واحدة: قولوا لي لماذا جئتم، ولمَ قتلتم هؤلاء القرويين، ومن هي اليد الخفية التي تحرّككم. إن صدقتم في قولكم، منحتكم فرصة للولادة من جديد. وإن كذبتم… فلن يكون لكم إلا الفناء الأبدي، تتلاشى أرواحكم في العدم."

كان لمو فَيَيَانغ أن يتوعّدهم بهذا، فهو يعلم أنّ مَن يُقتل من عامة الناس يبقى له نصيب في التناسخ، أما المزارع الروحي فإذا دُمّرت روحه فلن يبقى له أثر، بل يذوب في فضاء السماوات والأرض.

وجّه سؤاله إلى أقوى رجل بينهم، ظانًّا أنّه قائدهم، فقد أراد أن يعرف أي قوة تقف وراءهم؛ فمجرّد القضاء عليهم لا يكفي لشفاء غليله، بل لا بد من اجتثاث الأصل الذي بثّهم.

ارتجف الرجل ذو السواد وقد شُلّ جسده من هول الهالة التي أحاطت به، بالكاد استطاع أن يحرّك شفتيه وهو يقول مرتعدًا: "قوتك عظيمة، لا شك أنّك بلغت مملكة يُوكُوْنغ، لكن القوة التي نقف خلفها ليست مما تجرؤ على معاداته. إن قتلتنا فلن تنعم بحياة هادئة، فسيّدنا لن يتركك."

أدرك مو فَيَيَانغ أنّه أمام أناس مستعدين للفناء، مقاتلين انتحاريين لا يبوحون بأسرار أسيادهم. فابتسم ابتسامة باردة وقال: "أهكذا تظن؟! لقد أردت أن أمنحك فرصة للتناسخ، لكن بما أنّك لم تُقدّرها… فالفناء نصيبك!"

وبلمسة من أصابعه، تبخّر كل أولئك الرجال في الهواء، بلا صرخة، بلا أثر، وكأنّهم لم يوجدوا يومًا.

ثم غاص وعيه في ذهن قائدهم ليستخرج ما يريده بالقوة. وما إن عاد إليه حتى تمتم: "تشاو وانغجي… وليّ العهد الأول؟"

فما لبث ذلك القائد أن لقي مصيره هو الآخر، وتلاشى كرفاقه.

علم مو فَيَيَانغ من تلك الذاكرة أنّ هؤلاء ليسوا سوى فرقة موت تابعة لولي العهد الأول لإمبراطورية شي لينغ، جاؤوا لاغتياله هو والأختين تشاو شانشان.

تأمّل قائلًا: "إذن فدهاليز القصر الإمبراطوري أعظم قسوة مما توقّعت. غير أنّكم أخطأتم حين تطاولتم عليّ."

لقد أدرك أنّ الأمر مرتبط بإنقاذ الأختين لحياة الإمبراطور، وأنّ وليّ العهد الأول هو من دبّر المكيدة. لكن ما لم يكن يتوقعه أن يمنح الأختين زهرة روحية بسيطة، فيجرّ ذلك عليه هذه الكارثة!

ثم غصّ غضبًا وهو يفكّر: "إن أردت قتلي، فلتأتِ إليّ مباشرة. ما ذنب هؤلاء الأبرياء؟ لو لم تُرتكب مجزرة لاغا، لما بلغ غضبي هذا الحد!"

ألقى نظرة على جثث القرويين وقال بخشوع: "رحلتم بسببي… أسأل الله أن تولدوا في حياة أفضل."

وبإشارة من يده، أعاد جثثهم إلى بيوتهم، ثم انهارت البيوت على ساكنيها لتصير مقابر، وارتفعت شواهد حجرية تحمل أسماء القتلى.

بعد ذلك عاد إلى فناء داره، يرقب الأختين الغارقتين في الزراعة والتقدّم الروحي، وعيناه تحملان شعورًا متناقضًا. لم يعد له رغبة في مائدة الطعام، فأعطى ما تبقى للصغير "شياو هاي"، وحمل ابنته إلى الداخل.

وبعد نحو ساعة، أنهت الأختان زراعتهما وقد أحرزتا اختراقًا جديدًا: شانشان ارتقت من المرحلة الثامنة لبحر الروح إلى أولى درجات عالم الروح الحقيقية، بينما ينغ ينغ قفزت من المرحلة السادسة في عالم الفَجْرا إلى ذروة مرحلته التاسعة، قاب قوسين من بحر الروح.

قالتا بانحناء عميق: "شكرًا لك يا سيد مو!"

فلو لا عطاياه، لما نالتا ما نالتاه. لكن الغريب في نظرهما أنّ الرجل الذي عهداه كريم الخلق، بات جالسًا صامتًا، لا ينطق بكلمة.

فتقدّمت شانشان وقدّمت من خاتمها عشر صناديق كبيرة: "يا سيد مو، لقد منحتنا من قبل زهرة تواصل الروح، فأنقذتُ بها حياة والدي الإمبراطور. هذه الهدايا كل ما ادّخرناه نحن الأختين. قد لا تكون ذات قيمة في عينيك، لكنها عربون امتنان صادق. رجاءً اقبلها."

2025/09/02 · 210 مشاهدة · 693 كلمة
Abdesselam
نادي الروايات - 2026