الفصل 018: الصراع على المهمة
قال مو فَيَيَانغ مخاطبًا الأختين دون أن يلتفت إلى الصناديق الملقاة على الأرض: "ما صلة زهاو وانغجي بكما؟"
كان قد كوَّن تخمينًا من قبل، لكنه أراد أن يتأكد بنفسه من هويتهما. لم يكن لدى مو فَيَيَانغ أي ضيق أو نفور من الأختين زهاو شانشان، فلو كانت هويتهما صحيحة، فهما في النهاية ضحيتان بائستان.
إذ إن من يسعى لقتلهما قد يكون أخاهما الأكبر نفسه. ولئن قيل إن قلوب أهل القصور أشد قسوة من الصخر، إلا أن مو فَيَيَانغ، بعد ما رآه منهما في المرتين السابقتين، أدرك أن الأختين لم تكونا قاسيتين عديمتي الرحمة.
على العكس، لمس فيهما حبًّا عميقًا للأسرة؛ بدليل جرأتهما على اقتحام جبال الرعد بحثًا عن دواء لوالدهما الإمبراطور. كما أن وفاءهما رغم إصابتهما، وسلوكهما منذ قدومهما، كلها كانت تشهد بصفاء سريرتهما.
تبادلت الأختان النظرات، ثم قالت زهاو شانشان: "يا سيد مو، نحن في الحقيقة أميرات لإمبراطورية شي لينغ. فاعذرنا على كتمان هويتنا سابقًا."
وأضافت: "أما زهاو وانغجي الذي ذكرته يا سيد مو، فهو ولي العهد، أخونا الإمبراطوري."
ثم سألت بحيرة: "لكن، لِمَ تسأل عن ذلك؟ هل تعرف أخانا الإمبراطوري؟"
لم تفهما سبب سؤال مو فَيَيَانغ المفاجئ، فظنّتا أنه يعرفه شخصيًّا.
ابتسم مو فَيَيَانغ ابتسامة ساخرة وقال: "تناديانه بالأخ الإمبراطوري بكل ودّ، ولا تعلمان أن ذلك الأخ قد أرسل من يحاول قتلكما؟"
كان كلامه كالسهم، إذ هما تعتبرانه أخًا، فيما هو يضمر لهما الموت، فقط لأنه يبغض إنقاذهما لوالدهما الإمبراطور.
رجل كهذا لا يريد قتل شقيقتيه فحسب، بل يسعى إلى قتل أبيه أيضًا، طمعًا في العرش.
ارتبكت شانشان وقالت بقلق: "يا سيد مو، ماذا تقصد بذلك؟"
لكن سرعان ما جلا المشهد الغامض أمامهما؛ إذ استحضر مو فَيَيَانغ بقدراته العجيبة صورة أولئك الرجال بالسواد وهم يذبحون أهل قرية لاغا.
كانوا وحوشًا لا بشرًا، يقتلون الأبرياء العُزّل بوحشية.
قال مو فَيَيَانغ بصوت جازم: "أولئك الذين أُرسلوا لقتلكما وقتلي، تجاوزوا كل حد حين أراقوا دماء القرويين. لقد مسّوا خطًا أحمر لا يمكن التساهل معه. لذلك، أعلمكما أنني سأقضي على زهاو وانغجي."
ثم أضاف بلهجة حاسمة: "لكن لا تقلقا، فلن أُقحم سائر الأسرة الإمبراطورية في دمائه. سأقتصر على من يتبعون جناحه فقط."
كان مو فَيَيَانغ رجلاً يميز بين المعروف والعداء، فلا يعمم العقوبة ولا يخلط بين الأبرياء والمذنبين.
حاولت شانشان الاعتراض: "يا سيد مو، هذا..."
فقاطعها قائلًا: "كفى. إكرامًا لكما لن أتجاوز في الأمر أكثر من ذلك. أما هذه الصناديق فخُذاها وعودا بها. ثم بلِّغا والدكما الإمبراطور: إن الشعب هو أساس الدولة. ومن لم يحفظ رعيته لا يُعدّ إمبراطورًا صالحًا مهما كان شأنه."
قالت شانشان بعد أن جمعت الصناديق العشرة: "سنفعل ما أمرت، وننقل كلامك لوالدنا الإمبراطور."
وأخذت بيد أختها، وغادرتا على عجل، تحملان في قلبيهما همًّا ثقيلًا، إذ كانتا تأملان أن ينقذا بعض الأبرياء من بطش المواجهة المقبلة، حتى بين رجال جناح وانغجي، فقد كان فيهم من يخلص للناس.
وحين غادرتا، علا صوت مو فَيَيَانغ في أرجاء الفناء: "الآن، هناك مهمة... من منكم يتقدم لها؟"
وفجأة ظهرت أمامه عشرات الأشكال الغريبة. ولو بقيت الأختان لحظة لرأتا مشهدًا كفيلًا أن يذهب بعقولهما؛ إذ كان القادمون مجرد تحولات لكائنات ونباتات وأدوات.
كلبه الأسود النهم، الدجاجة في قفصها، أسماك الكوي من بركة الحديقة، الأزهار والأشجار المثمرة، حتى أدوات المطبخ من سكاكين ومغارف وقدور، كلها انبعثت على هيئة رجال ونساء في غاية الوسامة. حتى المعول الملقى عند الباب تحوّل إلى شاب قوي البنية.
قال صاحب المعول وهو ينحني: "يا سيّدي، دعني أذهب! فالأعمال الشاقة دأبي."
فقاطعه آخر، كان إبريقًا في أصله: "يا عجوز، أنت بارع في الفلاحة لا في هذه المهام. لا تتطفل!"
فزمجر الآخر: "وهل أنت أصلح مني؟ عد إذن واطبخ الطعام كما تفعل دومًا!"
تدخلت فتاة ولدت من زهرة وقالت بحماس: "سيدي، أرجوك دعني أذهب! لم أغادر الدار يومًا، وهذه فرصة نادرة لأحمل بعض العبء عنك."
رد عليها شاب آخر بازدراء: "أنت بنفسك قلت إنك لم تخرجي من قبل، فإن ضللتِ الطريق وأفسدتِ المهمة، ستكونين آثمة!"
ثم تقدّم شاب وسيم بهيّ الطلعة، كان أصله سمكة كوي من البركة وقال: "يا سيدي، دعني أنا تِيَانلُونغ أذهب! أعدك أن أتم المهمة على أكمل وجه."
سخر منه آخر: "أيها الدودة، عد إلى البركة لتكاثر هناك، ولا تدع سيدنا يبحث عن سمكة للعشاء فلا يجدك!"
واشتد الجدال، وارتفعت الأصوات، وكادوا يتقاتلون لولا وجود سيدهم.
حتى ارتفع صوت شاب أسود الثياب، راكع في المقدمة، لم يكن سوى "هيي الصغير" وقد اتخذ هيئة بشرية، فقال: "يا سيّدي، هذه المهمة تناسبني أكثر من غيري."
وما إن نطق حتى انهالت عليه الاعتراضات من الآخرين: "أنت دائمًا تفعل كل شيء! أَتُرِيد أن تستأثر بها أيضًا؟" "ابقَ هذه المرّة في البيت ترافق سيّدك!" "صحيح، إن نلتَ هذه المهمة أيضًا، فماذا نبقى نحن إذن؟"
فإذا بهم جميعًا يتذمرون في وجهه، وقد اجتمعوا على معارضته، وكأنهم وجدوا فيه عدوًا مشتركًا.