الفصل 019: بداية الانتقام
لأنَّ مو فَيَيَانغ كان يُوكِل إلى "ليتل بلاك" الأعمال الصغيرة في العادة، فمثلًا إذا اشتهى مو فَيَيَانغ شواءً، كان "ليتل بلاك" هو من يصطاد وحش الـ"ياو".
وحين كان مو فَيَيَانغ يصطاد بعض الوحوش ويوزّعها على القرويين، كان "ليتل بلاك" أيضًا هو القائم على الأمر. وحتى عند استصلاح الأرض للزراعة، لم يكن غير "ليتل بلاك".
ولهذا حملت النباتات والحيوانات ضغينةً تجاه "ليتل بلاك"، لكن ما الحيلة وهو الأشد نشاطًا بينهم؟
وبما أنّه اتخذ هيئة كلب أسود، كان القرويون يمدحونه لذكائه، أمّا الآخرون فكان حالهم مختلفًا، إذ تحوّلاتهم كانت عجيبة وغريبة.
ولئلا يُفزِع القرويين، فرض عليهم مو فَيَيَانغ أن يلتزموا نطاقًا محدّدًا، ومنعهم من إظهار قدراتهم أمام الناس.
فليس من المعقول أن يعبث "كوي كارب"، أو دجاجة، أو نباتات وأزهار وأدوات زراعية في أرجاء قرية "لاغا"!
ولو حدث ذلك فعلًا، لأُصيب القرويون بالذعر، واعتقدوا أنّها مسوخ، وربما ظنّوا أنّ مو فَيَيَانغ نفسه تلبّسه شيطان.
قال بحدّة: "كفّوا عن الجدل، أنا من سيُرتّب الأمر!"
إذ كان يراهم يتشاجرون فأصاب رأسه صداع. أليس الأمر مجرد الخروج لقتل بضعة أشخاص؟ أحقًا يستحق هذا النزاع وكأنهم يقتسمون كنوزًا؟
لم يجد بُدًّا من مقاطعتهم، وإلا لاستمرّ شجارهم ثلاثة أيام بلياليها دون قرار.
قال: "هذه المرّة، سيكون ليتل بلاك قائدًا للفريق، ويعاونه تشانغ لي وتيان لونغ. عليكم أن تقضوا على تشاو وانغجي وأتباعه."
أجاب الثلاثة بصوت واحد وقد غمرتهم الحماسة: "اطمئن يا سيّدنا، سنُتمّ المهمة كما أمرت."
وكان أكثر فرحًا تشانغ لي وتيان لونغ، إذ كانت هذه أول مرّة يُكلفهما فيها مو فَيَيَانغ بمهمة.
أمّا الباقون الذين لم يقع عليهم الاختيار، فقد ارتسمت على وجوههم علامات الخيبة، وكأنهم فقدوا ثروة طائلة.
قال بإيجاز: "انطلقوا!"
وهزّ رأسه ساخطًا. هؤلاء الرفاق عانوا الوحدة طويلًا، ويبدو أنّ عليه أن يجد لهم ما يشغلهم في المستقبل، وإلا سيُصيبهم الضجر وربما الكآبة.
وما إن أنهى كلامه حتى ارتفع ليتل بلاك والآخران في السماء، وغابوا في لمح البصر عن قرية "لاغا"، متجهين إلى القصر الإمبراطوري لإمبراطورية "شي لينغ".
ولأنّ ليتل بلاك اعتاد من قبل الخروج للهو، فقد كان على معرفة بمكان القصر الإمبراطوري. وكان مو فَيَيَانغ قد عاقبه ذات مرّة عقابًا شديدًا لكثرة خروجه، إذ حطّم عظامه كلها، ثم صاغ له حبوبًا دوائية لمعالجته. وما تبقّى من الحبوب، التهم نصفها تشاو شانشان.
وبعد أن انطلق الثلاثة، عاد مو فَيَيَانغ إلى حجرته ليستريح، إذ اعتاد أن يأخذ قيلولة.
…
في الجهة الأخرى، وبعد طيران دام نصف يوم، وصل الثلاثة إلى العاصمة الإمبراطورية لـ"شي لينغ". وما إن ظهروا في سماء المدينة حتى تنبّه إليهم الناس.
لكنهم لم يُعروا أهل المدينة اهتمامًا، بل أخذوا يتشاورون فيما بينهم.
قال تيان لونغ ساخرًا: "أيها الكلب الأشعث، أتعرف أين يسكن تشاو وانغجي؟"
فردّ الآخر متعجرفًا: "نادِني القائد ليتل بلاك! السيد أمرَكُم أن تسمعوا كلامي، وإياك أن تعاندني، وإلا رفعتُ أمرك إلى السيد حين نعود."
زمجر تيان لونغ غاضبًا: "أنت..."
ثم أعرض عنه قائلًا بغيظ: "لا وقت عندي لمجادلتك."
وقد كان يتوق إلى أن يُسكت ليتل بلاك بلكمة، لكنّه تذكّر وصية مو فَيَيَانغ فكفّ.
أما تشانغ لي، فكانت تجد صعوبة في احتماله، لكنها نبهتهما قائلة: "كفا عن هذا الآن، نحن في مهمة لا في نزهة."
وبعد إنجاز ما أمر به السيّد، فليتشاجرا كيف شاءا.
قال ليتل بلاك: "تيان لونغ، أليست عشيرتكم ماهرة بالحواجز؟ أطبق حاجزًا على المدينة كلّها، حتى لا يفلت أحد."
فأجاب: "حسنًا."
أطلق تيان لونغ شعاعًا ذهبيًا هبط على المدينة وانتشر سريعًا، مُشكّلًا حاجزًا ضوئيًا أحاط بالعاصمة. وحين حاول بعض الناس الخروج، ارتدّوا إلى الداخل بفعل النور الذهبي.
قال تيان لونغ: "ها قد أُغلقت المدينة، فما خطوتنا التالية؟"
أجاب ليتل بلاك: "سنبحث عمّن يدلّنا على قصر تشاو وانغجي، فحتى الآن لا نعرف شكله."
سخر تيان لونغ: "ظننتك تحمل خطة عظيمة! كان علينا إحضار الأميرتين معنا."
إذ كان قد اقترح أخذ تشاو شانشان ورفيقتها، فهما من أميرات "شي لينغ" ويعرفن يقينًا مكان إقامة الأمير الأكبر. لكن ليتل بلاك رفض.
قال ليتل بلاك بلا اكتراث: "ولِم نُتعب أنفسنا؟ يكفينا أن نمسك بأحد الجنود ليدلّنا."
ثم مدّ يده، وجذب جنديًا حائرًا من المدينة إلى السماء.
ارتعد الجندي وهو يقول بتلعثم: "أيها الكبار... هل من أمرٍ لي؟ سأُطيعكم بما أستطيع!"
وقد أدرك أنّ هؤلاء الثلاثة طائرون في الفضاء لا بدّ أن يكونوا من ذوي المراتب العليا. وبما أنهم لم يفتكوا به، فلا شك أنهم بحاجة إليه.
سأله ليتل بلاك: "أتدري أين يقيم تشاو وانغجي؟"
أجاب الجندي: "الأمير الأكبر؟ نعم، أعرف مكان إقامته. هل ترغبون أن أدلّكم؟"
أومأ ليتل بلاك، ثم هبط بالجندي ومعه رفيقاه إلى المدينة، فتنفّس الجندي الصعداء حين لامست قدماه الأرض.
كان جنديًّا بسيطًا في دوريات المدينة، ضعيف المرتبة، وكان على وشك أن يُزهق روحه رعبًا. لكنه تماسَك وقادهم نحو القصر.
…
وفي أعماق القصر الإمبراطوري، في مخدع الملك تشاو ووجي، كان رجل بملابس سوداء يُبلّغه بما جرى من ظهور الغرباء الثلاثة وإغلاق المدينة.
سأله الملك: "لينغ وي، أتعلم أيّ مرتبة بلغ هؤلاء الثلاثة؟"
أجاب: "مولاي، لشدّة البعد لم أستطع التحقق بدقة، لكن من شعوري بُعدًا، لا يقلّون عن مرتبة الـ(هوانغ جي)."
قطّب الملك جبينه وقال: "مرتبة هوانغ جي؟ إذن هم لا يأتون بخير!"
ثم أمره: "راقب تحركاتهم بكل قوتك، وأطلعني على كل جديد في الحال."
وكانت ملامح تشاو ووجي قد ازدادت صرامة؛ فحتى أعتى أسلاف الإمبراطورية لم يتجاوزوا مرتبة "هوانغ جي".
فإن كان هؤلاء الثلاثة جاؤوا ليُثيروا المتاعب، فالعائلة الإمبراطورية لن تملك دفعهم، إلا بجيش جرّار من مليون جندي.
لكن هنا في قلب العاصمة، لا سبيل لحشد مثل ذلك الجيش. لذا لم يملك الملك سوى أن يأمل ألا يكون هؤلاء الغرباء قدموا لإثارة الشغب.