الفصل 021: موت الأميرة تشاو
"كيف تجرؤ! أطلق سراح تلميذي حالًا!"
لم يُدرك باي كون أنّ تلميذه قد أُمسك إلا حين دوّى صراخ تشاو وانغجي الموجوع في أذنه، فقد كانت تحركات تشانغ لي سريعة على نحوٍ مدهش.
غير أنّ تشانغ لي لم تُعر باي كون أي اهتمام، إذ كانت منهمكة في فحص ذكريات تشاو وانغجي، فهي وحدها القادرة على كشف الحقيقة بدقة، لأن أوامر مو فَيَيَانغ كانت تقضي بالقضاء على تشاو وانغجي وجميع أعوانه، وما تحمله ذاكرته هو الدليل الأصدق.
"إنه حقًا خسيس!"
أنهت تشانغ لي سريعًا استعراض ذكرياته، ومع أنها كائن من وحوش الياو ، لم تستطع إلا أن تشتم بعدما رأت ما رأت. فمن خلال ذكرياته لم ترَ له عملًا صالحًا واحدًا، بل كانت حياته كلّها سلسلة من المؤامرات والدسائس.
أما الأرواح التي أزهقها، مباشرةً أو غير مباشرة، فقد تجاوزت عشرة آلاف نفس، بينهم أقارب وأصدقاء له. بل بلغ به الفجور أن دبّر تسميم والده الإمبراطور نفسه. لم يعد يصلح أن يُحسب من البشر أصلًا.
وما إن أطلقت تشانغ لي كلماتها حتى أفلتته، وظنّ وانغجي أنّه نجا من الموت، غير أنّ كرة لهبٍ انفجرت من داخله فجأةً وأحاطت به لتلتهمه بالكامل.
"وطالما أنّ طائفة تيانلانغ لم تُنجب الأخيار، فأنت بما أنّك معلّمه ستلحق به لتؤنس وحدته!"
رمقته بعينيها الملتهبتين ثم التفتت إلى باي كون، الذي كشفت ذكريات وانغجي أنّه أستاذه، وبذلك يكون من خاصّته ومن زمرة المتآمرين، فلا عجب أن يشمله العقاب هو وطائفته.
زمجر باي كون وقال بغضب: "يا لكِ من جريئة! تقتلين تلميذي أمام عيني! أريد أن أرى أي قدراتٍ لديك!"
كان الشيخ الأكبر لطائفة تيانلانغ، وقوته لم تكن بالهيّنة؛ فقد بلغ الطبقة السابعة من عالم تايي ، محتلاً المرتبة الثالثة بين أقوى شيوخ الطائفة. ولم يتخذ تشاو وانغجي تلميذًا لموهبته، بل ليُسانده في اعتلاء العرش، فيُحكِم قبضته على إمبراطورية شيلينغ، طمعًا في الحصول على الأثر المقدّس المدفون في أرض أسلاف آل تشاو.
غير أنّ مقتل وانغجي على يد تشانغ لي نسف خططه من جذورها، فامتلأ قلبه حقدًا عليها.
انقضّ باي كون مهاجمًا. لم يكن يعرف مرتبتها بدقة، لكنّ صِغر سنها جعله يظن أنها لم تبلغ إلا عالم "يوكونغ" لا أكثر.
ابتسمت تشانغ لي باحتقار وقالت: "يا للجهل!"
لم تتحرّك قيد أنملة، بل اكتفت بنظرة عابرة صوب خصمها، وإذا بصرخةٍ حادّة تشقّ أجواء القصر. سقط باي كون أرضًا قبل أن يبلغها، والتهمته النيران التي اندلعت من جوفه، تمامًا كما حدث مع تلميذه.
غير أنّه كان أوفر حظًا من وانغجي، إذ أتيح له أن يصرخ لحظةً قبل أن يذوب، بينما لم يُتح لتلميذه حتى ذلك.
لقد كانت دماء العنقاء الخالدة تجري في عروق تشانغ لي، أقوى ما في عشيرة الفينيق من قوى، وهم أسياد اللعب بالنار.
وبعد ثوانٍ اختفت النيران، واختفى معها جسده بلا أثر ولا رماد. ومن يبتلعهم لهيبها الخالد لا يحظون حتى بفرصة التناسخ، بل يتبدّدون بين السماء والأرض.
أطلقت تشانغ لي وعيها الروحي ليمسح أرجاء القصر، فلم تجد أثرًا لكائن حي. غادرت المكان لتظهر في السماء فوق قصر الأمير لينغ .
كان القصر آنذاك قد تحوّل إلى جحيم حيّ، الجثث ملقاة هنا وهناك: جنود، خدم، جوارٍ، وأفراد الأسرة. وفجأةً انطلقت ألسنة لهب من كل صوب، سرعان ما أحالت القصر كله بحرًا من النار.
"أيتها الدجاجة الميتة! أتريدين شويي أنا أيضًا؟"
دوّى صوت ساخر فيما ارتفع شخصان فجأة من أسفل القصر ليصلا إلى جوارها. كان المتكلم شياو هاي ، وقد احترقت إحدى أكمامه، ولولا أنه أخمدها في اللحظة الأخيرة لكان تحول إلى كلبٍ مشوي.
رمقته تشانغ لي بازدراء وقالت: "من قال لك أن تتأخر؟ أبطأت في القضاء على تلك الحثالة."
وعلى غير عادتها، لم تثُر عليه رغم وصفه لها بـ"الدجاجة"، إذ كانا يشتبكان عادةً كلما تلفّظ بتلك الكلمة.
سأل شياو هاي وهو يحدّق في ألسنة اللهب التي ابتلعت القصر: "أحدنا وجد تشاو وانغجي؟"
فأجابته تشانغ لي بهدوء: "لقد قتلته بيدي."
قال: "وهل كُشف أمر جميع أعوانه؟"
أجابت بثقة: "بالطبع."
ثم أرسلت شعاعين من الضوء إلى عقليهما، حاويين ذكريات تشاو وانغجي التي استخلصتها منه.
تمتم شياو هاي بعد أن استعرضها: "لم أتوقع أن تكون له كل هذه القوى الخفية... حسنًا، بما أنّ الهدف بات واضحًا، فلنقسّم المهام. تشانغ لي، توجّهي إلى طائفة تيانلانغ وأبيديهم جميعًا. تيان لونغ، اخرج إلى ضواحي العاصمة واقضِ على الجنود الأموات الذين درّبهم. أما من تبقّى داخل العاصمة، فاتركوهم لي. وحين ننهي القضاء على أتباعه، نعود كلٌّ إلى دياره."
قال تيان لونغ : "بعد أن أنتهي من أولئك الجنود، سأعود لأساعدك. فهنا في العاصمة أكثر من موضعٍ نحتاج إلى تطهيره. هناك الوزراء الذين والَوه، والأهم أنّ رئيس وزراء الإمبراطورية جدّه من أمّه، وأمه هي الإمبراطورة نفسها. هاتان قوّتان عظيمتان."
أومأت تشانغ لي معقبةً: "بل الأفضل أن نطهر العاصمة أولًا نحن الثلاثة معًا، ثم ننطلق بعدها للقضاء على الطائفة وبقية الجنود. هكذا يكون العدل."
كانت تدرك أن شياو هاي يسعى إلى أن يعود إلى مو فَيَيَانغ ليتفاخر بأنه قتل العدد الأكبر، فهي تعرف مكره في التزلّف.
أدرك شياو هاي أن الجدال لن يغيّر رأيهما، فوافق قائلًا: "حسنًا!"
وانطلق الثلاثة يغادرون سماء قصر الأمير لينغ، متجهين نحو قصر رئيس الوزراء ليبدؤوا به، غير أنّهم في الطريق اصطدموا بـ تشاو ووجي ومجموعةٍ من مرافقيه الذين هرعوا مسرعين نحو المكان.