الفصل 25: ثمانية أعوام، وترقية النظام

كانت تشاو شانشان تنظر بحزن عميق إلى شواهد القبور المنتصبة في الأفق، ثم التفتت إلى والدها الإمبراطور تشاو ووجي والجدّ الأكبر تشاو تشينغتيان.

في الماضي، ما زالت ترى وجوه القرويين الودودين، أمّا الآن فلم يبقَ سوى القبور. ومن باب إكرام الموتى، اقترحت على والدها الإمبراطور والجدّ الأكبر أن ينزلوا سيراً على الأقدام.

قال تشاو ووجي: "حسنٌ!"

كان هو الآخر قد رأى تلك الشواهد، وما إن أنهت ابنته كلامها حتى هبط إلى الأرض، وتبعه الأجداد الملكيون الثلاثة.

هبط الجمع وساروا باتجاه قرية "لاغا". وبعد نحو ربع ساعة، وصلوا إلى مدخلها.

قال تشاو ووجي وهو يتأمل المكان: "فلندخل!"

لكن، وما إن خطا بقدمه ليتجاوز المدخل حتى اعترضه حاجز من النور ظهر فجأة، فكاد أن يُطرَح أرضاً لولا أنه تراجع سريعاً وثبّت جسده بعد عدة خطوات.

نادته شانشان بقلق: "والدي الإمبراطور، هل أصابك سوء؟"

أجاب: "أنا بخير… غير أن المكان قد أُغلق بحاجز. يبدو أنّ الكبير لا يرغب في أن يُقاطع أحد عزلته."

لم يكن الأمر سوى أنّه حاول الدخول بسلام، لولا ذلك لكان ارتدّ عليه أثر الحاجز بقوة قاتلة.

قالت شانشان: "وماذا نصنع الآن؟"

أجاب والدها: "ما دام الكبير لا يريد إزعاجه، فلنُقدِّم احترامنا للقرية وأهلها الذين قضوا، ثم نعود."

"حسناً!"

جثا الجميع على ركبهم باتجاه قرية لاغا، حتى الأجداد الملكيون انحنوا جميعاً أمام القبور.

دوّى صوت الرعد فجأة، وأظلمت السماء، وانهمرت الأمطار بغزارة حتى ابتلّت ثيابهم في لحظات. لكن، رغم المطر المنهمر، واصل تشاو ووجي والآخرون انحناءهم عند كل قبر، دون أن يغادروا.

وبعد نصف ساعة، غادروا القرية. وما إن ابتعدوا حتى توقّف المطر فجأة.

وفي اللحظة ذاتها، ظهر عند مدخل القرية رجل واحد؛ لو بقيت شانشان هناك لعرفت أنه مو فَيَيَانغ.

تمتم بصوت خافت: "أن يقوم حاكم دولة بما فعل، فالعقوبة البسيطة تكفيه. وإن كتب لكم القدر أن تعودوا، فإني سأسمح لكم بالدخول."

ثم اختفى ثانية، ليعود في طرفة عين إلى فناء داره.

فقد كان مو فَيَيَانغ قد أحس بقدوم تشاو ووجي ورفاقه منذ البداية، واستطاع أن يخمّن هويته سريعاً، لذا أقام الحاجز حول القرية احتياطاً. أما المطر الغزير، فلم يكن سوى عقوبة أراد بها أن يختبر موقف الإمبراطور. ولو أنهم انسحبوا بسببه، لما سُمِح لأي فرد من العائلة الملكية بوطء القرية ثانية. لكنّ ثباتهم أثار استحسانه، فارتفعت مكانة تشاو ووجي في نفسه.

مضت الأعوام سريعاً، وإذا بخمس سنوات تنقضي كلمح البصر. وظلّت قرية لاغا على حالها، غير أنّ رجلاً في منتصف العمر وفتاة صغيرة قد أضافا إليها حياة جديدة.

قال مو فَيَيَانغ: "أيها النظام، ابدأ تسجيل حضور اليوم."

فجاءه الرد: "تهانينا أيها المضيف! لقد أتممت ثمانية أعوام من التسجيل المتواصل. مكافأتك: ترقية النظام."

صمت مو فَيَيَانغ لحظة، ثم قال باستغراب: "ترقية للنظام؟! أليست المكافأة لي أنا؟ أهذا يعني أنك تسرق جائزتي؟ ألا تملك ما تمنحني إياه؟"

كان متحمساً، فقد أتمّ عاماً كاملاً من التسجيلات، والمكافآت عند اكتمال الأعوام عادة ما تكون عظيمة، بل وتتضاعف أحياناً. لكنه فوجئ بأن المكافأة ليست سوى "ترقية للنظام ذاته"!

فأجابه النظام: "لا تشكّ بي أيها المضيف. إنما منحتُ نفسي هذه الفرصة كي أترقى، فأخدمك بصورة أفضل. وحدها الترقية تجعلني قادراً على مكافأتك بمزايا أعظم."

"حقاً؟"

"بالطبع. هذا النظام عادل وصادق، ولن يخدع مضيفه أبداً."

تنهد مو فَيَيَانغ وقال: "حسناً… إن كان الأمر كذلك، فلتترقَّ إذاً!"

لم يكن أمامه خيار آخر، فحتى إن شكّ، فلن يغيّر ذلك شيئاً.

قال النظام: "ليكن المضيف على استعداد؛ فمدة الترقية غير محددة، وخلالها سيدخل المضيف في سبات عميق."

صرخ مو فَيَيَانغ بغضب: "أيها النظام، أتمزح معي؟ أنت من يترقى، فلماذا عليّ أن أنام؟ لم أسمع بنظام غريب كهذا من قبل!"

كان مكتئباً أصلاً، فجاء هذا الشرط ليزيد شكوكه في أنّ بالنظام خللاً ما. فكيف يُعقل أن ينام هو أيضاً؟ أليس في ذلك مشقة عليه؟

فلو كان أعزب بلا هموم لهان الأمر، لكنه اليوم أب لطفلة صغيرة! إن غاب في سبات لا يدري متى ينتهي، فمن يرعى طفلته ذات الخمس سنوات؟ هي ذكية، نعم، لكنّها ما زالت طفلة!

تابع النظام قائلاً: "لا تُشَبِّهني بتلك الأنظمة المزيّفة! فأنا جزء لا يتجزأ منك، مرتبط بك ارتباط الجسد بالروح. ومن الطبيعي أن تشارك جسدي في السبات حين أترقى. أما تلك الأنظمة الأخرى، فهي لا ترى في مضيفها إلا أداة، فإذا عجز تخلّت عنه أو حتى أبادته."

سكت مو فَيَيَانغ قليلاً، وقد تذكّر ما قرأه في الروايات من قبل: أنظمة تُغرق أصحابها بالمهام، فإن قصّروا عاقبتهم، بل وتخلّت عنهم بلا رحمة. أما نظامه هذا، فلم يره يوماً يفرض مهمة أو عقوبة، بل كان يمدّه بالمكافآت بسخاء، ويذكّره تلقائياً إن نسي أن يُسجّل حضوره، بل وأحياناً يُسجّل بدلاً عنه.

قال أخيراً وقد اقتنع بعض الشيء: "يبدو أنّ كلامك معقول."

فأجابه النظام: "اطمئن، فلن أغدر بك أبداً."

2025/09/03 · 229 مشاهدة · 727 كلمة
Abdesselam
نادي الروايات - 2026