الفصل 37: الطفلة صعبة الإرضاء
كان في وادي ملك الدواء تسعة أسلاف، جميعهم من عمالقة عالم تايي . وقد أُرسل ثلاثة منهم سابقًا لمعاونة ياو ووتشِن في الاستيلاء على العاصمة الإمبراطورية.
أما الآن، فلم يبقَ في وادي ملك الدواء سوى ستة أسلاف. وبعد أن أبلغ ياو تيانشينغ هؤلاء الأسلاف بكلام ياو ووتشِن، تقرّر إرسال خمسة منهم، ولم يُترك لحراسة الطائفة سوى سلفٍ واحد، إذ لم يكن في إمبراطورية شي لينغ طائفة تجرؤ على افتعال المشاكل مع وادي ملك الدواء.
قاد الأسلاف الخمسة ألفًا من تلاميذ الطائفة نحو العاصمة الإمبراطورية طوال الليل. وكان أدنى مستوى من بينهم هو الطبقة التاسعة من بحر الروح ، بينما ضمّ الجمع أكثر من مئة شيخ من عالم هوانغجي ، وهو ما كان يفوق قوة طائفة تيانلانغ السابقة بكثير. غير أنّ هذه القوة كانت تقريبًا كل ما يملكه وادي ملك الدواء.
ولم يصل الأسلاف والتلاميذ إلى العاصمة الإمبراطورية إلا مع بزوغ الفجر. وبعد اجتماعهم بياو ووتشِن، أدركوا جميعًا خطورة الموقف.
قال ياو ووتشِن، وفي عينيه بصيص من الأمل: "أيها السلف، هل تملكون وسيلةً لاستعباد تشاو ووجي والآخرين قسرًا؟ فإن أمكن، لكان أكثر أمانًا."
أجابه أقوى الأسلاف: "لا. إذا حاول خبيرٌ استعباد شخصٍ بالقوة، فلن يصير إلا مجنونًا، وحينها لن ينفعنا في شيء."
ثم أضاف مطمئنًا: "في الواقع، لا داعي لقلقك المفرط. بفضل علاقات وادي ملك الدواء، حتى لو استعانوا بخبير رفيع المستوى، فلن يتجرأ على تجاهل هيبتنا. في أسوأ الأحوال سنخسر بعض المصالح."
تنفّس ياو ووتشِن الصعداء قليلًا بعد سماع كلام السلف. ومنذ أن خرج من السجن بالأمس، كان قد أرسل ثلاث فرق أخرى من خدّام الدواء، على أمل أن يتمكّنوا من أسر الفتاتين.
...
في نُزل تونغفو بمدينة ليانيانغ، داخل غرفة مزدوجة فاخرة، نهضت الطفلة الصغيرة من سريرها.
قالت شوشانشان برقة: "تشينغ لينغ، حان وقت الاستيقاظ! لقد أعددت لكِ الماء، فلتغتسلي أولًا، ثم ننزل للإفطار."
كانت الطفلة قد نامت بعمق طوال الليل، بينما الأختان تشاو شوشانشان وتشاو يينغ يينغ لم يغمض لهما جفن، بل لم تجدا رغبة حتى في الجلوس للتأمل. لقد استيقظتا باكرًا، لكن ما دامـت الصغيرة نائمة، لم تجرؤا على إزعاجها وبقيتا إلى جانبها.
"همم!" أجابت بخفوت.
لم تُبدِ الصغيرة أي تردد، بل غسلت وجهها سريعًا، وغادرت الغرفة مع الأختين.
"أيها النادل، أحضر ما طلبناه من قبل." قالت شوشانشان بمجرد جلوسهم حول الطاولة مع الكلب الأسود.
"حالًا أيها الضيوف الكرام، انتظروا قليلًا." أجاب النادل، ورغم دهشته من جلوس كلبٍ إلى الطاولة، إلا أنه لم يُبدِ اعتراضًا بعد أن أغدقت عليه شوشانشان بالفضة. وما كان عليه سوى أن يتخلص من الأواني بعد انتهائهم.
وما هي إلا لحظات حتى عاد النادل بأطباق الفطور. ولأن شوشانشان لم تعرف ما تحبّه الطفلة، فقد طلبت كل الأطباق المميزة في النُزل.
"واو! أكلٌ كثير! كل هذا لنا؟" قالت الصغيرة ببهجة، وعيناها تتلألآن وهي ترى الصحون المليئة باللحوم. لم يسبق لها أن تناولت طعامًا من خارج بيتها، ولم ترَ يومًا هذا العدد من الأطباق.
ابتسمت شوشانشان قائلة: "كل هذه طلبتها لكِ. لم أكن أعلم ما تحبين، لذا جلبت لكِ أصنافًا شتى. تذوّقيها وأخبريني."
أشرق وجه الصغيرة قائلة: "يا لها من كرم! لم أرَ مائدة مثل هذه من قبل!"
التقطت عيدان الطعام بحماس، أخذت قطعة لحم، وضعتها في فمها، ثم سرعان ما تفلته بامتعاض: "آخ! ما هذا اللحم الرديء؟ طعمه سيء!"
تجمدت شوشانشان ويينغ يينغ بدهشة. فهذه أطباق النُزل الشهيرة! صحيح أنها ليست بمستوى طهاة القصر، لكنها ليست إلى هذا الحد من السوء. جربت يينغ يينغ قطعة بنفسها، فوجدتها مقبولة.
قالت برفق: "تشينغ لينغ، جربي طبقًا آخر، ربما لم يعجبك هذا فقط."
لكن الصغيرة تذوقت أطباقًا أخرى، واحدًا تلو الآخر، ولم يعجبها شيء. على العكس، أخذت تزداد عبوسًا، وتلقي الطعام من فمها في كل مرة. كان المنظر غريبًا أدهش النزلاء الآخرين، حتى النادل الذي كان يراقبهم من بعيد ضاق صدره، لولا نظرات الكلب الأسود الحادة والفضة الكثيرة التي نالها.
وأخيرًا، قالت الصغيرة بأسى: "اللحوم هنا سيئة للغاية… أريد حليبًا!"
نظرت الأختان إلى بعضهما في حرج. من أين تأتيان بالحليب؟ إنهما ليستا أمها! فالتفتتا نحو الكلب الأسود لطلب المشورة.
قال الكلب بلهجة واثقة: "مع الصغيرة زجاجة وحليب مجفف في خاتمها. أعدّوا لها قارورة. لكن تذكّرا: يجب غلي الماء بأنفسكما، فالماء العادي لا يصلح لها."
في الواقع، كان الكلب يعلم منذ البداية أن الطفلة لن تُعجبها هذه الأطعمة. فقد تربّت منذ نعومة أظفارها على ما يحوي طاقة روحية، حتى الماء والخضرة كانت عندها زاخرة بالروح. أما طعام البشر العاديين فلا مكان له عندها.
ابتسمت شوشانشان للطـفلة قائلة: "تشينغ لينغ، هل تريدين أن أعدّ لك الحليب بنفسي؟"
أجابت الصغيرة بفرح: "همم!"
وما إن سمعت الجواب حتى أخرجت من خاتمها زجاجة صغيرة وحليبًا مجففًا وغلاية صغيرة. عندها أمرت شوشانشان أختها: "يينغ يينغ، استعيري موقدًا من النادل لنغلي الماء."