الفصل 48: الشيخ تيانجي
"الأخ ياو، مضى زمن طويل!"
وبينما كان ياو لين يتأمّل في العالم الصغير، ظهر أمامه شيخ طاعن في السنّ بابتسامة عريضة.
وخلفه وقف عدد من الشخصيات الأخرى، جميعهم من أسلاف طائفة تيانجي، يشعّ منهم هالة قوية لا تقلّ شأنًا عن هالة ياو لين.
قال ياو لين بانحناءة خفيفة: "الأخ تيانجي، أعتذر عن إزعاجي لك."
ضحك الشيخ تيانجي عاليًا: "هاهاها! إنّ مجيء الأخ ياو إلى بوابتنا نعمة لنا، كيف يمكن أن يُسمّى إزعاجًا؟ تفضّل، أخي ياو."
كان الشيخ تيانجي مدينًا لياو لين بفضل قديم، وإلى جانب مكانة ياو لين العالية، فقد كان من الطبيعي أن يلقاه بغاية اللطف.
قاد الشيخ تيانجي ضيفه إلى الداخل، متجاهلًا ما إذا كان خلفه شخصان وكلب، فبما أنّ ياو لين أحضرهم معه، فلا بدّ أنّ هناك سببًا، وسيتّضح قريبًا.
…
بعد وقت قصير، وصلوا إلى القصر الوحيد في ذلك العالم الصغير. لم يكن في القصر سوى صفّين من المقاعد على الجانبين، وفي الوسط ألواح أرواح مقدّسة موضوعة للعبادة.
جلس الجميع متقابلين، وبعد تبادل عبارات المودّة، سأل الشيخ تيانجي: "الأخ ياو، نادرًا ما تترك وادي ملك الدواء. ما الذي جاء بك شخصيًا إلى بوابة تيانجي هذه المرّة؟"
عند سؤاله، وجّه باقي الأسلاف أنظارهم إلى ياو لين أيضًا. فمثلهم قلّما يخرجون من عزلتهم، ولا يظهرون إلا عند أحداث جلل، فكيف بزيارة طائفة أخرى!
قال ياو لين بهدوء: "في الحقيقة جئت لأطلب من الأخ تيانجي عونًا في أمر. وبغضّ النظر عن النتيجة، سأقدّم ثلاث حبوب دواء من الدرجة التاسعة مكافأة."
أسرع الشيخ تيانجي يردّ: "الأخ ياو، تبالغ في لطفك. أنا مدين لك بفضل أصلاً، فلا حاجة لثلاث حبوب من الدرجة التاسعة، سأبذل جهدي في كل ما أقدر عليه."
أجاب ياو لين بارتياح: "حسنٌ إذن. أعلم أنّ مهارتك في العِرافة قد بلغت ذروة عالية، وما أحتاجه منك هذه المرّة أن تحزر لي مكان شخصٍ ما."
رفع الشيخ حاجبيه وقال: "أوه؟ هل جلب الأخ ياو شيئًا من متعلّقات ذلك الشخص؟ أو أيّ معلومة عنه؟"
كان متعجّبًا، فهل يستحقّ مجرّد البحث عن شخص مثل هذه المكافأة السخيّة؟ لكنّه لم يُرد التطفّل على أسرار الآخرين.
التفت ياو لين إلى مو تشينغ لينغ: "أيّتها الصغيرة، هل معك شيء يخصّ والدتك؟ أيّ غرض استعملته يكفي."
هزّت رأسها قائلة: "لا!"
تجمّد ياو لين لحظة، فقد نسي أنّها لم تلتقِ والدتها أصلًا، فكيف ستحمل شيئًا لها؟
كما نظر أسلاف تيانجي إليها بدهشة، إذ سمعوا ياو لين يناديها "أيّتها الصغيرة السينيور". وهو ياو لين، الجدّ الأكبر لوادي ملك الدواء، وخبير من ذروة عالم التايي، وصاحب لقب كيميائي الدرجة التاسعة! كيف ينادي طفلة في الرابعة أو الخامسة "سينيور"؟ هل هو حقًّا ياو لين، أم شخص جاء يسخر منهم؟
قال ياو لين: "الأخ تيانجي، ماذا لو لم نملك سوى الاسم؟ هل ينفع؟"
أجاب: "ممكن، لكن النتيجة قد يشوبها انحراف، والإحداثيات لن تكون دقيقة."
تقدّمت تشاو شانشان وقالت: "يكفي موقع تقريبي. يمكننا البحث لاحقًا، ولن يكون الأمر صعبًا."
هزّ الشيخ تيانجي رأسه: "حسنٌ، ما اسم الشخص إذن؟"
قالت مو تشينغ لينغ بسرعة: "نبحث عن مو تشيانشويه."
ردّد الشيخ تيانجي الاسم متفكّرًا: "مو تشيانشويه؟" لم يسمع به من قبل. ثم أخرج بوصلة "باغوا"، وقطّر عليها قطرة من دمه.
صُدم الأسلاف من فعله، فهذه طريقة التضحية بجوهر الحياة!
تُوجد طرق عدّة للعِرافة: أشهرها حساب الطالع بالولادة، أو تتبّع الأغراض. أمّا هذه الطريقة النادرة فتستخدم جوهر حياة العرّاف نفسه كدليل، وهي دقيقة لكنّها أخطر، إذ إنّ العِرافة تعني معاكسة مسار السماء، وما قيل "أسرار السماء لا يجوز إفشاؤها" ليس من فراغ.
قال الشيخ تيانجي بصرامة: "لا بأس. الأمر مجرّد تحديد موقع شخص، ليس بالصعب. لكنني أردت أن تكون النتيجة أكثر دقّة."
ثم شرع يتلو: "السماء دائرة، الأرض مربّعة، الكون يستعير من الداو. أستخدم جوهر حياتي دليلاً لأجد مو تشيانشويه. أظهري!"
تشابكت يداه بتعويذات، واستقرّت على بوصلة باغوا. شيئًا فشيئًا تكوّنت صورة، ومع كلمته الأخيرة، اتّضحت الرؤية.
ظهر قصر عظيم في الصورة، وفي وسطه جلست امرأة بثوب أبيض، عيناها مغمضتان وهي تتأمّل.
صرخت مو تشينغ لينغ بدموع: "أمّاه! هذه أمّي!"
مع أنّها لم ترَها من قبل، فقد أحسّت بها من أعماق قلبها.
لكن ما إن صاحت الصغيرة، حتى فتحت المرأة في الصورة عينيها فجأة، وانبعث من عيني العنقاء ضوء حادّ اخترق الشاشة.
بوووم!
تحطّمت بوصلة باغوا إلى غبار، وتقيّأ الشيخ تيانجي دمًا عتيقًا وهو يترنّح للخلف فاقدًا وعيه.
صرخ الأسلاف حوله: "أيّها الأخ الأكبر!"
ولو لم يُمسكه أحدهم لسقط أرضًا.
أما مو تشينغ لينغ فكانت تجهش بالبكاء: "أين ذهبت أمّاه؟!"
ـــ