الفصل 50: قطع الطريق
بفضل كلمات تشاو شانشان المطمئنة، هدأت مشاعر مو تشينغ لينغ قليلًا، ومع انحسار توترها تلاشى الجو الكئيب شيئًا فشيئًا.
قالت تشاو شانشان: "أيها الكبير، هل تعرف صدفةً أين كان ذلك المشهد الذي رأيناه للتو؟"
لم يجرؤ الشيخ تيانجي على محاولة العِرافة مرة أخرى، ولم تُلحّ تشاو شانشان عليه بذلك. لكنها كانت متيقّنة أن المرأة التي ظهرت في المشهد السابق لم تكن سوى والدة مو تشينغ لينغ.
ولأنهم لن يستعينوا بالعِرافة من جديد، كان عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في البحث عنها. غير أن ذلك يقتضي أولًا معرفة مكان ذلك المشهد.
لكن الشيخ تيانجي لم يكن يعرف، إذ لم يسعفه الوقت ليتحقق، فقد ارتدّ عليه أثر نظرة واحدة من والدة مو تشينغ لينغ وكاد أن يهلك.
قال الشيخ معتذرًا: "أيتها الصغيرة الجليلة، أعتذر. إن قوة هذا الشيخ محدودة، ولا أستطيع أن أساعدك."
كان يشعر بالحرج؛ إذ سبق أن ضمن لهم الأمر، لكن من ذا الذي كان يتوقع أن تكون تلك المرأة بهذه القوة المهيبة! لذا، مثل ياو لينغ، أخذ ينادي مو تشينغ لينغ بـ"الصغيرة الجليلة"، وقد بات يخشى هويتها أشدّ الخشية.
سألت تشاو شانشان: "أختي الصغيرة، ماذا نفعل الآن؟"
فأجابتها مو تشينغ لينغ بطمأنينة: "لا بأس. ألم نرَ ملامح أمي؟ يمكننا أن نستعين برسّام بارع يرسم صورتها."
قالت تشاو شانشان بحزم: "سأجعل والدي الإمبراطور يُعلن عنها، وحينها سنعثر على أمك يقينًا."
تهلّل وجه مو تشينغ لينغ وقالت بحماسة: "هذا رائع! فلنذهب بسرعة للبحث عن رسّام ماهر!"
وفيما كانت تشدّ يد تشاو شانشان لتغادر، تقدّم أحد شيوخ بوابة تيانجي قائلًا: "أيتها الصغيرة الجليلة، في الحقيقة أنا رسّام بارع، وقد رأيت والدتك قبل قليل. إن لم يكن لديك مانع، يمكنني أن أرسم صورتها."
كان الشيخ مغرمًا بالرسم والخط منذ زمن بعيد.
فقالت الصغيرة بعينين متأملتين: "أأنت أيضًا رسّام يا جدّي؟ إذن أسرع ورسم صورة أمي!"
ابتسم الشيخ وأجاب: "حسنًا، أيتها الصغيرة الجليلة. انتظري قليلًا."
جلس عند طاولة، وأخرج فرشًا وحبرًا، وبدأ يرسم. وبعد نصف ساعة تقريبًا، خرجت من بين ضربات فرشاته صورة لامرأة فاتنة ترتدي البياض، تشبه المرأة التي ظهرت في المشهد بنسبة كبيرة.
رفعت مو تشينغ لينغ اللوحة بعينين دامعتين وقالت: "هكذا تبدو أمي إذن؟" كانت تنظر إليها بلهفة، كأنها تحاول أن تنقش ملامح أمها في قلبها.
قالت تشاو شانشان: "سيدي الكبير، هل بوسعك أن ترسم لنا المزيد من النسخ؟"
فأجاب مبتسمًا: "بالطبع."
ثم شرع يرسم من جديد، وأخرج خمس نسخ متقنة، كانت الأخيرة منها مطابقة تمامًا للوجه الذي رأوه في المشهد.
بعد أن تسلّمتا اللوحات، غادرت مو تشينغ لينغ وتشاو شانشان بوابة تيانجي. وقد أوصت تشاو شانشان ياو لينغ أن يحمل اللوحات إلى القصر الإمبراطوري ليُسلّمها إلى الإمبراطور تشاو ووجي، فيما واصلت هي البحث مع مو تشينغ لينغ. فقد صارت المهمة الآن أيسر بوجود هذه الصور، وكانت تشاو شانشان مؤمنة أنهما إن واصلا البحث سيعثران على والدة الصغيرة يومًا ما.
ولأن ياو لينغ لم يكن برفقتهما، ولم يكن مع تشاو شانشان سفينة طائرة، اضطرّتا إلى شراء عربة للسفر. سلكت تشاو شانشان الطريق الرسمي المؤدي إلى إمبراطورية شي لينغ، على أن تنطلق منها لاحقًا إلى إمبراطوريات أخرى.
أما مو تشينغ لينغ، فكانت تركب العربة للمرة الأولى، فغمرها الحماس. كانت تطلّ برأسها بين الحين والآخر من النافذة، بل وأحيانًا تخرج لتقود العربة بجانب تشاو شانشان.
...
وفجأة دوّى صوت عالٍ، إذ سقطت شجرتان ضخمتان على جانبي الطريق الرسمي، فسدّتا الطريق تمامًا. كادت العربة تتحطّم لولا أن توقفّت في اللحظة الأخيرة.
وما إن استوعبتا ما حدث، حتى اندفع من الغابة المحيطة جمعٌ من الرجال الملثّمين بالثياب السوداء، فأحاطوا بالعربة من كل صوب.
تغيّر وجه تشاو شانشان في الحال؛ لقد وقعتا في كمين قطاع طرق! كانت قد اختارت الطريق الرسمي لتتفادى مثل هذه الأخطار، لكن يبدو أن سوء الحظ لحق بهما. فالمنطقة التي وصلا إليها تقع على أطراف إمبراطورية شي لينغ، حيث يكثر نشاط اللصوص وقطاع الطرق، وقد سمعت تشاو شانشان بهذا الأمر وهي في القصر.
لكن ما أدهشها ليس الخطر بحد ذاته، بل جرأة هؤلاء الحمقى؛ أيفكّرون حقًا في سلب مو تشينغ لينغ؟ ألا يدركون أنهم يجرّون الويلات على أنفسهم؟!
فقط مو تشينغ لينغ نفسها لم تُبدِ أي خوف، بل نظرت إليهم بفضول وقالت بمرح: "أختي الصغيرة، من هؤلاء الناس؟"
أجابت تشاو شانشان بصوت حازم: "لينغ’ار، هؤلاء أشرار يعيشون على سرقة القوافل العابرة."
كان زعيمهم لا يتجاوز طور "الفطرة"، وقوة أتباعه أقلّ. وعادة ما يختار هؤلاء القوافل الصغيرة ليستهدفوها.
ورغم أن معهما عربة واحدة فقط، إلا أن العربة كانت فاخرة للغاية، وقد اشترتها تشاو شانشان لتضمن راحة مو تشينغ لينغ. يكفي مظهرها الخارجي ليدلّ على أنها عربة للأثرياء. وهذا ما جذب اللصوص؛ فغنيمة واحدة كهذه قد تُغنيهم أكثر من قافلة كاملة.
اندفع زعيمهم ضاحكًا بوقاحة وقال: "هاهاها! أيها الصغيرتان، نحن قطاع طرق. سلّما كل ما معكما من مالٍ ومجوهرات، وإلا ندمتما في هذا البرّ المقفر حين لا ينفع الندم!"
أجابت مو تشينغ لينغ بدهشة بريئة: "أهكذا يكون اللصوص؟ لكن… ألم يقل أبي إن قطاع الطرق دائمًا يصرخون ببعض الشعارات قبل السرقة؟ لماذا لم تقولوا أنتم شيئًا؟"
تبادل اللصوص نظرات الحيرة، ولم يفهموا ما تعنيه بالصراخ والشعارات. حتى تشاو شانشان نظرت إليها بدهشة، غير مستوعبة قصدها.